سأل رجل آخر عن قوله تعالى: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} [الأحقاف: 12]، فقال: ما سمعنا بنص القرآن والحديث أن ما قبل كتابنا إلا الإنجيل، فقال الآخر: عيسي إنما كان تبعًا لموسي، والإنجيل إنما فيه توسع في الأحكام، وتيسير مما في التوراة، فأنكر عليه رجل وقال: كان لعيسي شرع غير شرع موسي، واحتج بقوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، قال: فما الحكم في قوله: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} [الصف: 6]؟ فقال: ليست هذه حُجَّة.فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله: قد أخبر الله في القرآن أن عيـسي قال لــهم: {وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50]، فَعُلِمَ أنه أحل البعض دون الجميع، وأخبر عن المسيح أنه عَلَّمَه التوراة والإنجيل بقوله: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} [آل عمران: 48]. ومـن المعلوم أنـه لـولا أنه مُتَّبِـعٌ لبعض ما في التوراة لم يكن تَعَلُّمُها له منة، ألا تري أنا نحـن لم نؤمـر بحفـظ التـوراة والإنجيـل، وإن كان كثيرا من شرائع الكتابين يوافق شـريعـة القـرآن، فهـذا وغيره يبين ما ذكره علماء المسلمين من أن الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلـة، وأكثر الأحكام يتَّبِـعُ فيها مـا في التوراة؛وبهذا يحصل التغاير بين الشرعتين. ولهذا كان النصارى متفقين على حفظ التوراة وتلاوتها، كما يحفظون الإنجيل؛ ولهذا لما سمع النجاشي القرآن، قال: إن هذا والذي جاء به موسي ليخرج من مشكاة واحدة، وكذلك ورقة بن نوفل، قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم ما يأتيه قال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسي. وكذلك قالت الجن: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى} [الأحقاف: 30]، وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص: 48] أي: موسي ومحمد، وفي القراءة الأخرى: {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} أي: التوراة والقرآن.وكذلك قال: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ} إلى قوله: {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأنعام: 91- 92]، فهذا وما أشبهه مما فيه اقتران التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذكر يبين ما ذكروه من أن التوراة هي الأصل، والإنجيل تَبَعٌ لها في كثير من الأحكام، وإن كان مغايرًا لبعضها. فلهذا يذْكَرُ الإنجيل مع التوراة والقرآن في مثل قوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: 2- 3]، وقال: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ} [التوبة: 111]، فيذكر الثلاثة تارة، ويذكر القرآن مع التوراة وحدها تارة؛ لسر، وهو: أن الإنجيل من وجه: أصل، ومن وجه: تبع؛ بخلاف القرآن مع التوراة؛ فإنه أصل من كل وجه، بل هو مهيمن على ما بين يديه من الكتاب، وإن كان موافقًا للتوراة في أصول الدين، وكتبه من الشرائع.
Affichage des articles dont le libellé est تفسير آيات. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est تفسير آيات. Afficher tous les articles
jeudi 19 février 2009
عن تفسير قوله تعالى: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً}
سأل رجل آخر عن قوله تعالى: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} [الأحقاف: 12]، فقال: ما سمعنا بنص القرآن والحديث أن ما قبل كتابنا إلا الإنجيل، فقال الآخر: عيسي إنما كان تبعًا لموسي، والإنجيل إنما فيه توسع في الأحكام، وتيسير مما في التوراة، فأنكر عليه رجل وقال: كان لعيسي شرع غير شرع موسي، واحتج بقوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، قال: فما الحكم في قوله: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} [الصف: 6]؟ فقال: ليست هذه حُجَّة.فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله: قد أخبر الله في القرآن أن عيـسي قال لــهم: {وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50]، فَعُلِمَ أنه أحل البعض دون الجميع، وأخبر عن المسيح أنه عَلَّمَه التوراة والإنجيل بقوله: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} [آل عمران: 48]. ومـن المعلوم أنـه لـولا أنه مُتَّبِـعٌ لبعض ما في التوراة لم يكن تَعَلُّمُها له منة، ألا تري أنا نحـن لم نؤمـر بحفـظ التـوراة والإنجيـل، وإن كان كثيرا من شرائع الكتابين يوافق شـريعـة القـرآن، فهـذا وغيره يبين ما ذكره علماء المسلمين من أن الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلـة، وأكثر الأحكام يتَّبِـعُ فيها مـا في التوراة؛وبهذا يحصل التغاير بين الشرعتين. ولهذا كان النصارى متفقين على حفظ التوراة وتلاوتها، كما يحفظون الإنجيل؛ ولهذا لما سمع النجاشي القرآن، قال: إن هذا والذي جاء به موسي ليخرج من مشكاة واحدة، وكذلك ورقة بن نوفل، قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم ما يأتيه قال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسي. وكذلك قالت الجن: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى} [الأحقاف: 30]، وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص: 48] أي: موسي ومحمد، وفي القراءة الأخرى: {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} أي: التوراة والقرآن.وكذلك قال: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ} إلى قوله: {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأنعام: 91- 92]، فهذا وما أشبهه مما فيه اقتران التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذكر يبين ما ذكروه من أن التوراة هي الأصل، والإنجيل تَبَعٌ لها في كثير من الأحكام، وإن كان مغايرًا لبعضها. فلهذا يذْكَرُ الإنجيل مع التوراة والقرآن في مثل قوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: 2- 3]، وقال: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ} [التوبة: 111]، فيذكر الثلاثة تارة، ويذكر القرآن مع التوراة وحدها تارة؛ لسر، وهو: أن الإنجيل من وجه: أصل، ومن وجه: تبع؛ بخلاف القرآن مع التوراة؛ فإنه أصل من كل وجه، بل هو مهيمن على ما بين يديه من الكتاب، وإن كان موافقًا للتوراة في أصول الدين، وكتبه من الشرائع.
عن تفسير قوله تعالى: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً}
سأل رجل آخر عن قوله تعالى: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} [الأحقاف: 12]، فقال: ما سمعنا بنص القرآن والحديث أن ما قبل كتابنا إلا الإنجيل، فقال الآخر: عيسي إنما كان تبعًا لموسي، والإنجيل إنما فيه توسع في الأحكام، وتيسير مما في التوراة، فأنكر عليه رجل وقال: كان لعيسي شرع غير شرع موسي، واحتج بقوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، قال: فما الحكم في قوله: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} [الصف: 6]؟ فقال: ليست هذه حُجَّة.فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله: قد أخبر الله في القرآن أن عيـسي قال لــهم: {وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50]، فَعُلِمَ أنه أحل البعض دون الجميع، وأخبر عن المسيح أنه عَلَّمَه التوراة والإنجيل بقوله: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} [آل عمران: 48]. ومـن المعلوم أنـه لـولا أنه مُتَّبِـعٌ لبعض ما في التوراة لم يكن تَعَلُّمُها له منة، ألا تري أنا نحـن لم نؤمـر بحفـظ التـوراة والإنجيـل، وإن كان كثيرا من شرائع الكتابين يوافق شـريعـة القـرآن، فهـذا وغيره يبين ما ذكره علماء المسلمين من أن الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلـة، وأكثر الأحكام يتَّبِـعُ فيها مـا في التوراة؛وبهذا يحصل التغاير بين الشرعتين. ولهذا كان النصارى متفقين على حفظ التوراة وتلاوتها، كما يحفظون الإنجيل؛ ولهذا لما سمع النجاشي القرآن، قال: إن هذا والذي جاء به موسي ليخرج من مشكاة واحدة، وكذلك ورقة بن نوفل، قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم ما يأتيه قال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسي. وكذلك قالت الجن: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى} [الأحقاف: 30]، وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص: 48] أي: موسي ومحمد، وفي القراءة الأخرى: {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} أي: التوراة والقرآن.وكذلك قال: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ} إلى قوله: {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأنعام: 91- 92]، فهذا وما أشبهه مما فيه اقتران التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذكر يبين ما ذكروه من أن التوراة هي الأصل، والإنجيل تَبَعٌ لها في كثير من الأحكام، وإن كان مغايرًا لبعضها. فلهذا يذْكَرُ الإنجيل مع التوراة والقرآن في مثل قوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: 2- 3]، وقال: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ} [التوبة: 111]، فيذكر الثلاثة تارة، ويذكر القرآن مع التوراة وحدها تارة؛ لسر، وهو: أن الإنجيل من وجه: أصل، ومن وجه: تبع؛ بخلاف القرآن مع التوراة؛ فإنه أصل من كل وجه، بل هو مهيمن على ما بين يديه من الكتاب، وإن كان موافقًا للتوراة في أصول الدين، وكتبه من الشرائع.
صــل في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ}
قوله: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [الزخرف: 17]، يشبه قوله: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 57- 58]، فيشبه والله أعلم أن يكون ضَرب المثل أنهم جعلوا المسيح ابنه، والملائكة بناته، والولد يشبه أباه، فجعلوه لله شبيهًا ونظيرًا، أو يكون المعني في المسيح: أنه مَثَلٌ لآلهتهم؛ لأنه عُبِدَ من دون الله. فعلي الأول: يكون ضاربه كضارب المثل للرحمن وهم النصارى والمشركون، وعلى الثاني: يكون ضاربه هو الذي عارض به قوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98]، فلما قال ابن الزِّبَعرَي: لأخصمن محمدًا.فعارضه بالمسيح وناقضه به، كان قد ضربه مثلا قاس الآلهة عليه، ويترجح هذا بقوله: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا}، فَعُلِم أنهم هم الذين ضربوه لا النصارى. فإن [المَثَلَ] يقال على الأصل وعلى الفرع، و[المثل] يقال على المفرد ويقال على الجملة التي هي القياس، كما قد ذكرت فيما تقدم أن ضرب المثل هو القياس؛ إما قياس التمثيل فيكون المثل هو المفرد، وإما قياس الشمول فيكون تسميته ضرب مثلٍ كتسميته قياسًا، كما بينته في غير هذا الموضع، من جهة مطابقة المعاني الذهنية للأعيان الخارجية ومماثلتها لها، ومن جهة مطابقة ذلك المفرد المعين للمعني العام الشامل للأفراد، ولسائر الأفراد؛ فإن الذهن يرتسم فيه معني عام يماثل الفرد المعين، وكل فرد يماثل الآخر، فصار هذا المعني يماثل هذا، وكل منهما يماثل المعني العام الشامل لهما. وبهذا والله أعلم سمي ضرب مثل وسمي قياسًا، فإن الضرب: الجمع، والجمع في القلب واللسان، وهو العموم والشمول، فالجمع والضرب والعموم والشمول في النفس معني ولفظًا، فإذا ضرب مثلا فقد صيغ عمومًا مطابقًا، أو صيغ مفـردًا مشابهًا، فتدبر هـذا فإنه حسن إن شاء الله.ولك أن تقول: كل إخبار بمَثَلٍ صوره المخبر في النفس، فهو ضرب مَثَلٍ؛ لأن المتكلم جمع مثلا في نفسه ونفس المستمع بالخبر المطابق للمُخبِر، فيكون المثل هو الخبر وهو الوصف، كقوله: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} [الرعد: 35]، وقوله: {ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} [الحج:73]. وبَسْطُ هـذا اللفظ واشتماله على محاسن الأحكام والأدلة قد ذكرته في غير هذا الموضع.
﴿ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ . يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ . ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾
يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ . يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ . ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ . أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ . ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ . وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ .عذاب الخلد ، وهو اللازم والمقيم .وكل ما نص عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم في أخبار الفتن وأنها مما يكون أمرها قبل المشرق ، وأنه يكون معها الهرج والكذب إلى غير ذلك من ذكر الفتن وعلاماتها ، فالمراد في كل ذلك هو فتنة هذه النار التي نص على خبرها المولى عز وجل في هذه السورة وإياها كان يعني المصطفى صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر عن الفتن ، وهي فتنتهم التي كانوا يستعجلون ولها يمكرون ويفبركون ! ، أيقن ذلك من أيقنه وصرف عنه من صرف وقتل الخراصون اللاهون .وقد أجمعت الأمة على أن النار هنا المعني بها نار جهنم التي يُخَلد فيها الكفار وفي ذلك خطأ من الإعتقاد مبين ، وهو من القول على الله تعالى وغيبه ووعده وسبيله بالتخرص ، وقد خرق لهم إجماع هنا والخارق لهم ذلك بفضل الله تعالى وهدايته وتوفيقه المهدي عليه الصلاة والسلام ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾ .وفي ختام هذا التعقيب الثاني أقول :لمعرفة شيئا من تلك الآيات في الأنفس عليكم مراجعة هذه الملفات في هذا المنبر المبارك :آية ربانية تقع بمكة تؤيد ما جرى لحسناء اللبنانية ! هل تذكرون " حسناء " أتاكم الآن " حساني " فهمي ! . سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
في قوله تعالى بتلك السورة :﴿ وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ . وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ
في قوله تعالى بتلك السورة :﴿ وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ . وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ
فهو يقين خاص ، إضافته للمهدي عليه الصلاة والسلام ومن آمن معه بأمر الله عز وجل هذا المقسم عليه من الله تعالى نفسه ، لجلالته
وعظمته عند الرب سبحانه .آيات صدق بعثه يريد عز وجل ، تلك التي جعلها لإرساله علامات وبينات ، مثل الزلازل وتواترها ، وضربه للأرض بالحر والقحط عقوبة وتمهيد لأمره الجلل العظيم وغير ذلك الكثير مما فصل في هذه المنتديات المباركة ، وكل ذلك أثره بات اليوم مما هو مشاهد معلوم قد تقرر في بيانه وتعريف الخلق بوجهه في هذا المنبر المبارك في أكثر من ملف وأكثر من مقال ، غير ما سبق ذكره من ذلك في كتب الإمام عليه الصلاة والسلام .وقد تم بالبيان عن ذلك لكلٍ أدلته من الكتاب والسنة وما سبق من ذكر الله تعالى لذلك مما أنزل على أنبياءه ورسله من قبل .ومن آياته لتصديق ذلك بعثه الرسل للبشارة بأمر المهدي عليه الصلاة والسلام في الجزيرة العربية ، ورد خبرهم في أكثر من آية بكتاب الله تعالى ، وتم ذلك من خلال مثال المصطفى صلى الله عليه وسلم بالمنام فأمرهم الله عز وجل بما أمرهم ، وذلك يعد أيضا من آيات الله تعالى إذ وقع وتحقق أمرهم كما أخبر عز وجل على وجه التمام ، وكيف لا والمخبر عن ذلك الله عز وجل ؟مثل قوله سبحانه في ذكرهم : ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُواً . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ﴾ . ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ . ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ . وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ . فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ . وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾ . ﴿ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ﴾ .وقد كان بلاغ أولئك حقا مبين كما فعل كل رسل الله تعالى من قبل .وقال تعالى في ذكرهم أيضا : ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ .صديقون وشهداء على الناس ، بما آمنوا من الحق وصدقوا الكتاب . ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ﴾ ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ﴾ ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ ولمراجعة التحقيق في أمر هؤلاء الرسل قف على هذا التفصيل :من ملف (قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) التعقيب رقم (11)ومن آياته كذلك أثر تلك الرياح سواء بالعواصف الصفراء الترابية ، أو ما تنشر من أمطار شديدة وهيجان أنواء هائلة دمرت الكثير في العالم ولا زالت تفعل ذلك ، فهاجت البحار لذلك وماجت ، وارتفعت منسوبات الأنهار وفاضت فدمرت من الخلق والمحاصيل والبنيان ما لا يحصيه إلا القوي المنان ، وكل ذلك من آيات الله تعالى على وجه الأرض لأولئك الموقنين ، المهدي وأتباعه .ولما أردف بعد ذلك قوله عز وجل : ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ . أي من آيات سأجريها شهادة لبعثه وتحقيقا لنصرته ، بتأييده على من كذبه وجحد أمره .وبالفعل كان في ذلك آيات للموقنين محلها بعض الأنفس ، لكنهم لم يعتبرو ولم يؤمنو بذلك ولم يفقهوه أبدا ، ثم أعرضوا مثل ما أعرضوا عن الكثير من آيات الله تعالى ، في آفاق السماء وأقطار الأرض وكانت كلها شهادة لبعثه خليفته ورسوله ، لكنهم ورغم كثرة تلك الشواهد والآيات في الأنفس والأرض والسماء وإعجاز بعضها مع قوة دلالتها على أن فاعل ذلك لا يمكن يكون إلا هو الله عز وجل ، وأنه فعل ذلك وبتواتر وكثافة شملت العالم كله بعد أن لم يكن يفعل ذلك ، فنراهم رغم هذا لم ينتفعو من ذلك ولم يفطنو لدلالة تلك الآيات الإخبارية المعرفة على ما ذكر وفصل وأخبر أنه سيفعله في عالم المشاهدة والواقع يوما ما ، فحق عليهم قوله عز وجل في ذات السورة :﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾أي يصرف عنه من يصرف ، وها نحن اليوم نرى تحقق ذلك الصرف والوعيد آمن به من آمن وكفر به وأعرض عنه وسهى عنه من حق عليه العذاب ، وكل من أبى إلا الكفر في أمر المهدي عليه الصلاة والسلام اليوم هو ممن صرف عن الإيمان بآيات الله تعالى واليقين بها الدالة على أمره بحسب ما نص على ذلك ربنا بكتابه القرآن وعلى لسان نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم أو من سبقه من أنبياء الله تعالى ، ولن ينفعهم بعد ذلك شيء أبدا كما أخبر سبحان وتعالى ، ذلك بقوله :﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ . إِنَّ الَّذِينَ فَارَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾وهم هؤلاء الذين فارقوا دينهم فألبسهم الله عز وجل الحزبية والشيع المتفرقة والجماعات المختلفة ، كل منهم فرح بما عنده وكل يقول للناس تعالوا لي أهديكم سبيل الرشاد والهدى عندي أنا ، لكن الحق أن الكل في ضلال وكفر ونفاق أوجهل مبين وعما عن حق الله تعالى المنزل والمقضي به على قرنهم هذا ، وحين بعث المهدي عليه الصلاة والسلام وأوقع الله تعالى آياته التي عاب من لن يؤمن بها وكان أمرهم فرطا ، وزكى من آمن بها وأيقن فكانوا على الهدى والحق والسبيل المبين ، كان قدر تحقق تلك الآيات على وجه المتابعة والإسترسال والتواتر ، وكل ما مرت سنة كانت التي تتلوها فيها آياته عز وجل أكثر مما حصل وأشد تأثيرا على الناس لعلهم يستكينوا ويتضرعون وإلى خالقهم يرجعون ، لكن هيهات فقد حقت عليهم كلمات الله تعالى أنهم لا يهتدون ويبصرون ويعتبرون لجحدهم وشديد كفرهم .ومن تلك الآيات الرياح المرسلات التي وعد بها الكفار بأن يجعل فيها عذاب شديد ولازم مقيم .ومن تلك الآيات العواصف الصفراء وقد سبق الإشارة لها ، وهي من آيات الحق الدالة على هذا الأمر الجلل العظيم ، و كذلك أعرضوا عنها ولم يؤمنو بها ويدركوا حقيقتها ودلالتها ، وأنها من علامات بعث المهدي ومقترنة بذكره وتحقق تاويل بعثه .ومن آيات الله تعالى كذلك ذوبان الجليد وهو من العلامات الأبرز تحققا اليوم نتيجة تحقق علامة أخرى مرهون بها ذوبان جليد العالم ليعلم البشر أنهم مجرد بشر وان الله تعالى يعلم الغيب وما سيكون وكيف سيكون .ومن هنا يراجع أمر ذوبان الجليد ليتبين القارئ الناصح لنفسه كيف كان تحقق ذلك ولم ومن قال به قبل قرون :ذوبان الجليد تذكير للفطن وإخساء للبليد (2) .ومن قبل تلك الآيات تحققا آيات الدخان المبين والنار التي رآها العالم كله وهي علامات أكيده لبعثه ، فأما الدخان فقد سبق في أكثر من موضع بيان وجه دلالته على بعث المهدي عليه الصلاة والسلام وأنه من أظهر آيات بعثه من الله تبارك وتعالى ، بين ذلك في بعض كتب المهدي و بعض مقالاته ، و بعض مقالات أتباعه ، ومن أبرز ما كتب أحد تلاميذه في هذا الخصوص يراجع تحت هذا العنوان :وقفات للتبيان مع آيات سورة الدخان . وقد أفرد المهدي عليه الصلاة والسلام في هذه العلامة وعلامة النار كتاب اسمه " عمد النار والدخان من أظهر أمارات بعث المهدي
سئل عن قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ}
قد كتبْتُ بعض ما يتعلق بقوله تعالى: {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَوَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ} [الزمر: 68]، قال المفسرون: مات من الفزع وشدة الصوت {مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ} أخبرنا أبو الفتح محمد بن على الكوفي الصوفي، أنا أبو الحسن على بن الحسن التميمي، ثنا محمد بن إسحاق الرملي، ثنا هشام بن عمار، ثنا إسماعيل بن عَياش، عن عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سأل جبريل عن هذه الآية: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ}،، من الذي لم يشأ الله أن يصْعَقَهم؟ قال: هم الشهداء متقلدين سيوفهم حول العرش.وهذا قول سعيد بن جبير، وعطاء وابن عباس.وقال مقاتل و السدي والكلبي: هو جبريل وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت. {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ} [الزمر: 68] يعني: الخلق كلهم قيام على أرجلهم {يَنظُرُونَ} ما يقال لهم، وما يؤمرون به. هذا كلام الواحدي في كتاب [الوسيط] بَينُوا لنا حقيقة الصُّعُوق، هل يطلق على الموت في حق المذكورين؟ وحقيقة الاستثناء؟ فأجاب: الحمد لله الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة، وحتى عِزْرائِيل ملك الموت.وروي في ذلك حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك، وقدرة الله عليه، وإنما يخالف في ذلك طوائف من المتفلسفة أتباع أرسطو وأمثالهم، ممن زعم أن الملائكة هي العقول والنفوس، وأنه لا يمكن موتها بحال، بل هي عندهم آلهة وأرباب هذا العالم.والقرآن وسائر الكتب تنطق بأن الملائكة عبيد مدبرون، كما قال سبحانه: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا} [النساء: 172]، وقـال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 26 - 28]، وقال تعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى} [النجم: 26]. والله سبحانه وتعالى قادر على أن يميتهم ثم يحييهم، كما هو قادرعلي إماتة البشر والجن، ثم إحيائهم، وقد قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]. وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه وعن غير واحد من أصحابه أنه قال "إن الله إذا تكلم بالوحي أخذ الملائكة غشي" وفي رواية "إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا" وفي رواية "سمعت الملائكة كجر السلسلة على صفوان، فيصعقون،فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا:ماذا قال ربكم؟ قالوا:الحق،فينادون:الحق، الحق".فقد أخبر في هذه الأحاديث الصحيحة أنهم يصعقون صُعُوق الغشي، فإذا جاز عليهم صُعُوق الغشي جاز عليهم صعوق الموت، وهؤلاء المتفلسفة لا يجَوزون لا هذا ولا هذا، وصُعُوق الغشي هو مثل صعوق موسي عليه السلام قال تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا} [الأعراف: 143]. والقرآن قد أخبر بثلاث نَفْخات: نفخة الفَزَع: ذكرها في سورة النمل في قوله: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ} [النمل: 87].ونفخة الصعق والقيام: ذكرهما في قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68].وأما الاستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناول لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل من استثناه الله، فإن الله أطلق في كتابه.وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"إن الناس يصْعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسي آخذًا بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي، أم كان ممن استثناه الله؟"، وهذه الصعقة قد قيل: إنها رابعة، وقيل: إنها من المذكورات في القرآن، وبكل حال النبي صلى الله عليه وسلم قد توقف في موسي هل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه الله أم لا؟ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجزم بكل من استثناه الله لم يمكنا أن نجزم بذلك، وصار هذا مثل العلم بقرب الساعة، وأعيان الأنبياء، وأمثال ذلك مما لم يخبر به، وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر. وصلي الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليم
وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً . فَالْحَامِلاتِ وِقْراً . فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً . فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً . إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ . وَإِنَّ الدِّ
قال تعالى في خبر هذه العواصف كما في سورة " الذاريات " غير ما بين في السابق :﴿ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً . فَالْحَامِلاتِ وِقْراً . فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً . فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً . إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ . وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ﴾ .ثم قال عز وجل : ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴾ .وهذا ولا شك قسم من الله تعالى على هذا الأمر عظيم عظيم جدا .وقد اتفق السلف والخلف والأمة كلها على أن المراد بالذاريات هنا الرياح ، والوقر السحاب ، وقد اشتهر هنا في ذكرها في الأمة مسألة صبيغ التميمي لعمر رضي الله عنه ، تلك التي ضربه عليها ونفاه من المدينة وأمر بأن لا يجالس ولا يكلم ، حين سأل عن معنى ذلك .جاء في ذلك أثر لا أعتقد صحته إلا ما كان من أصل القصة ما بين عمر وصبيغ ، أما تفصيل التفسير ففيه نظر عندي بحكم رفعه ، فقد ورد به خطأ لا شك فيه عندي وهو المشهور عنهم ينسبونه كذلك بالتفسير لإبن عباس وغير ابن عباس ، حين قرروا في تفسير معنى " الجاريات " و " المقسمات " بغير الحق في الجاريات ، أما في المقسمات فمحتمل بل هو المتعين لكن السياق يقوي من أن الضمير عائد للسحاب نفسه ولو كان السحاب يقاد بجند الله تعالى من الملائكة فهي التي تسوقه كما هو معلوم حيث يشاء الله تعالى ، فالتقسيم هنا باعتبار ما يظهر لعلم البشر لا باعتبار ما خفى عن علمهم ، فمراد الله تعالى تيقن ذلك حين تحقق التأويل والملائكة بكل حال في هذا لن يراهم البشر ، وهذه فيصلية في تفسير المعنى هنا يجب التنبه لها .وقد تضمن المعنى في قوله عز وجل ﴿ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً . فَالْحَامِلاتِ وِقْراً ﴾ ، دلالة لطيفة كما على حمل الرياح للسحاب ، كذلك حملها للتراب وذره لا أقول بالعالم بل العالمين وعلى المعنى والتفسير الصحيح لمراد الله عز وجل بقوله ( العالمين ) في كذا موضع من كتابه العزيز ، وهي إشارة للعاصفة الصفراء والتي أنزل بذكرها سبحانه تفصيلا عظيما عجيبا وبين أنها ستكون من أشراط الساعة وعلامة من علامات تحقق بعث المهدي ، وهي كذلك مما فتح لها ملفات في هذا المنبر المبارك تراجع تحت هذه الروابط التالية :ما قصة العواصف الترابية التي تضرب الجزيرة العربية ؟ العاصفة الصفراء .جاهم هلا فبراير جانا غبراير ... أما عن اتفاقهم على أن معنى " الجاريات " هنا أنها السفن فهذا باطله متيقن عندنا ورفع هذا التفسير للنبي صلى الله عليه وسلم لا يصح أبدا وهو من الكذب عليه صلوات ربي وسلامه عليه ، فإن من السفن ما يحمل المنكر والباطل فكيف يمكن إنزال قسم الله تعالى العظيم هذا على مثل هذا أبدا لايكون هذا إلا باطل ، وإنما قسمه هنا عائد للسحاب الجاري بأمره تعالى في السماء نفسه لا للسفن ، وهذه هي الأخرى فيصلية في تفسير المعنى هنا والتعريف به ويجب التنبه له كذلك .وبهذا نفهم من هذه الآيات عظم تحقق تأويل هذا الأمر آخر الزمان حتى أن المولى عز وجل أقسم بذلك ، وأن الذاريات هنا المراد بها المرسلات في القرآن العظيم والتي تقرر ذكرها في هذا الموقع المبارك بملفات خاصة بها تراجع لمن يهتم بذلك ويؤمن به ويتيقنه ، وإلا ما وراء ذلك إلا تكذيب الله تعالى ورسله ، والذي جزائه الكفر ونار الجحيم .وبهذا يجب أن يعلم المرء ويتيقن بأن أمر هذه المرسلات الذاريات قد فصل خبره بالذكر وعند الأنبياء وقد سبق نقل شيء من ذلك في بعض الملفات وبكتب الإمام عليه الصلاة والسلام ، ومن أروعها لفظا ومعنا ما أنزل الله تعالى على داوود نبيه في الزبور عليه الصلاة والسلام وهذا نصه بإيجاز :" يا إلهي بددهم كالقش المتطاير وكالتبن في مهب الريح ، كما تحرق النار الغابة ، وكما يشعل لهيبها الجبال ، هكذا طاردهم بعاصفتك وأفزعهم بزوبعتك ، أملأ وجوههم خزيا " . " زبور داود عليه السلام "وقال نبي آخر وهو " ناحوم " عليه الصلاة والسلام :" الرب في الزوبعة وفي العاصف طريقه والسحاب غبار رجليه .. من يقف أمام سخطه ومن يقوم في حمو غضبه " .
فَصْـــل في تفسير قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ}
في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} [الزمر: 53-54]. وقد ذكرنا في غير موضع أن هذه الآية في حق التائبين، وأما آيتا النساء، قوله: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48- 116]، فلا يجوز أن تكون في حق التائبين، كما يقوله من يقوله من المعتزلة، فإن التائب من الشرك يغفر له الشرك أيضًا بنصوص القرآن واتفاق المسلمين.وهذه الآية فيها تخصيص وتقييد، وتلك الآية فيها تعميم وإطلاق، هذه خَصَّ فيها الشرك بأنه لا يغفره، وما عداه لم يجزم بمغفرته، بل علَّقه بالمشيئة فقال: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} .وقد ذكرنا في غير موضع أن هذه كما تَرُدُّ على الوعيديَّة من الخـوارج والمعتزلة، فهي تَرُدُّ أيضًا على المرجئة الواقفية، الذين يقولون: يجوز أن يعذب كل فاسق فلا يغفر لأحد، ويجوز أن يغفر للجميع، فإنه قد قال: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} فأثبت أن ما دون ذلك هو مغفور لكن لمن يشاء، فلو كان لا يغفره لأحد بطل قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ}، ولو كان يغفره لكل أحد بطل قوله: {لِمَن يَشَاء}، فلما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك وأن المغفرة هي لمن يشاء، دل ذلك على وقوع المغفرة العامة مما دون الشرك، لكنها لبعض الناس. وحينئذ، فمن غُفِر له لم يُعذَّب، ومن لم يُغْفَر له عُذِّب، وهذا مذهب الصحابة والسلف والأئمة، وهو القطع بأن بعض عصاة الأمة يدخل النار وبعضهم يغفر له، لكن هل ذلك على وجه الموازنة والحكمة، أو لا اعتبار بالموازنة؟ فيه قولان للمنتسبين إلى السنة من أصحابنا وغيرهم، بناء على أصل الأفعال الإلهية، هل يعتبر فيها الحكمة والعدل؟ وأيضًا، فمسألة الجزاء فيها نصوص كثيرة دلت على الموازنة، كما قد بسط في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أن قوله:{يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر:53]، فيه نهى عن القنوط من رحمة الله تعالى، وإنْ عَظُمَت الذنوب وكثرت، فلا يَحِل لأحد أن يقنط من رحمة الله وإن عَظُمَت ذنوبه، ولا أن يُقَنِّط الناس من رحمة الله. قال بعض السلف: إنَّ الفقيه كل الفقيه الذي لا يُؤْيِس الناس من رحمة الله، ولا يُجَرِّيهم على معاصي الله. والقنوط يكون بأن يعتقد أن الله لا يغفر له، إما لكونه إذا تاب لا يقبل الله توبته ويغفر ذنوبه، وإما بأن يقول: نفسه لا تطاوعه على التوبة، بل هو مغلوب معها، والشيطان قد استحوذ عليه، فهو ييأس من توبة نفسه، وإن كان يعلم أنه إذا تاب غفر الله له، وهذا يعترى كثيرًا من الناس.والقنوط يحصل بهذا تارة، وبهذا تارة، فالأول: كالراهب الذي أفتى قاتل تسعة وتسعين أن الله لا يغفر له، فقتله وكَمَّلَ به مائة، ثم دُلَّ على عالم فأتاه فسأله فأفتاه بأن الله يقبل توبته. والحديث في الصحيحين . والثاني: كالذى يرى للتوبة شروطًا كثيرة، ويقال له: لها شروط كثيرة، يتعذر عليه فعلها، فييأس من أن يتوب.وقد تنازع الناس في العبد: هل يصير في حال تمتنع منه التوبة إذا أرادها؟ والصواب الذي عليه أهل السنة والجمهور: أن التوبة ممكنة من كل ذنب، وممكن أن الله يغفره، وقد فرضوا في ذلك من توسـط أرضًا مغصوبة، ومن توسط جَرْحَى، فكيف ما تحرك قتل بعضهم؟! فقيل: هذا لا طريق له إلى التوبة. والصحيح: أن هذا إذا تاب، قبل الله توبته.أما من توسط الأرض المغصوبة، فهذا خروجه بنية تخلية المكان وتسليمه إلى مستحِقِّه ليس منهيًا عنه ولا محرَّمًا، بل الفقهاء متفقون على أن من غصب دارًا وترك فيها قماشه وماله، إذا أمر بتسليمها إلى مستحقها فإنه يؤمر بالخروج منها، وبإخراج أهله وماله منها، وإن كان ذلك نوع تَصَرُّف فيها، لكنه لأَجْلِ إخلائها. والمشرك إذا دخل الحرم أمر بالخروج منه، وإن كان فيه مرور فيه، ومثل هذا حديث الأعرابي المتَّفَق على صحته لمَّا بال في المسجد فقام الناس إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تُزْرِموه"، أي لا تقطعوا عليه بوله، وأمرهم أن يصبوا على بوله دلوًا من ماء، فهو لما بدأ بالبول كان إتمامه خيرًا من أن يقطعوه، فيلوث ثيابه وبدنه، ولو زنا رجل بامرأة ثم تاب لنزع، ولم يكن مذنبًا بالنزع، وهل هو وطء؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد. فلو حلف ألاَّ يطأ امرأته بالطلاق الثلاث، فالذين يقولون: إنه يقع به الطلاق الثلاث إذا وطئها تنازعوا: هل يجوز له وطؤها؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد.أحدهما: يجوز كقول الشافعى.والثاني: لا يجوز كقول مالك، فإنه يقول: إذا أَجزْتَ الوطء لزم أن يباشرها في حال النزع وهى محرمة، وهذا إنما يُجَوَّزه للضرورة، لا يجوزه ابتداء، وذلك يقول: النزع ليس بمحرم.وكذلك الذين يقولون: إذا طلع عليه الفجر وهو مولج فقد جامع، لهم في النزع قولان: في مذهب أحمد وغيره. وأما على ما نصرناه فلا يحتاج إلى شيء من هذه المسائل، فإن الحالف إذا حنث يكفر يمينه ولا يلزمه الطلاق الثلاث، وما فعله الناس حال التبيُّن من أَكْل وجَمَاع فلا بأس به، لقوله:{حتى} والمقصود أنه لا يجوز أن يقنط أحد، ولا يُقَنِّط أحدًا من رحمة الله، فإن الله نهى عن ذلك، وأخبر أنه يغفر الذنوب جميعًا. فإن قيل: قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53]، معه عموم على وجه الإخبار، فدل أن الله يغفر كل ذنب؛ ومعلوم أنه لم يُرِدْ أن من أذنب من كافر وغيره فإنه يغفر له، ولا يعذبه لا في الدنيا ولا في الآخرة، فإن هذا خلاف المعلوم بالضرورة والتواتر والقرآن والإجماع، إذ كان الله أهلك أممًا كثيرة بذنوبها، ومن هذه الأمة من عُذِّبَ بذنوبه، إما قدرًا، وإما شرعًا في الدنيا قبل الآخرة. وقد قال تعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]، وقال:{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7- 8]، فهذا يقتضى أن هذه الآية ليست على ظاهرها؛ بل المراد أن الله قد يغفر الذنوب جميعًا. أي: ذلك مما قد يفعله أو أنه يغفره لكل تائب، لكن يقال: فَلِمَ أتى بصيغة الجزم والإطلاق في موضع التردد والتقْييد؟ قيل: بل الآية على مقتضاها، فإن الله أخبر أنه يغفر جميع الذنوب، ولم يذكر أنه يغفر لكل مذنب، بل قد ذكر في غير موضع أنه لا يغفر لمن مات كافرًا، فقال:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [محمد: 34]. وقال في حق المنافقين: {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6]،لكن هذا اللفظ العام في الذنوب هو مطلق في المذنبين، فالمذنب لم يتعرض له بنفي ولا إثبات، لكن يجوز أن يكون مغفورًا له، ويجوز ألا يكون مغفورًا له؛ إنْ أتى بما يوجب المغفرة غُفِر له، وإن أَصَرَّ على ما يناقضها، لم يُغْفَر له.وأما جنس الذنب فإن الله يغفره في الجملة؛ الكفر والشرك وغيرهما، يغفرها لمن تاب منها، ليس في الوجود ذنب لا يغفره الرب تعالى، بل ما من ذنب إلا والله تعالى يغفره في الجملة. وهذه آية عظيمة جامعة من أعظم الآيات نفعًا، وفيها رد على طوائف؛ رد على من يقول: إن الداعي إلى البدعة لا تقبل توبته، ويحتجون بحديث إسرائيلي، فيه:(أنه قيل لذلك الداعية: فكيف بمن أضللتَ؟)، وهذا يقوله طائفة ممن ينتسب إلى السنة والحديث، وليسوا من العلماء بذلك،كأبي على الأهوازى وأمثاله،ممن لا يميزون بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة،وما يحتج به وما لا يحتج به، بل يَرْوون كل ما في الباب محتجين به وقد حكى هذا طائفة قولا في مذهب أحمد أو رواية عنه، وظاهر مذهبه مع مذاهب سائر أئمة المسلمين أنه تقبل توبته كما تقبل توبة الداعي إلى الكفر، وتوبة من فتن الناس عن دينهم.وقد تاب قادة الأحزاب مثل: أبى سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسُهَيْل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعِكْرِمة بن أبى جهل، وغيرهم بعد أن قُتِل على الكفر بدعائهم من قتل، وكانوا من أحسن الناس إسلامًا وغفر الله لهم. قال تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]. وعمرو بن العاص كان من أعظم الدعاة إلى الكفر والإيذاء للمسلمين، وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم لما أسلم "يا عمرو، أما علمت أن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله؟".وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود في قوله: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [الإسراء: 57]، قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم أولئك الجن، والإنس يعبدونهم . ففي هذا أنه لم يضر الذين أسلموا عبادة غيرهم بعد الإسلام لهم، وإن كانوا هم أضلوهم أولًا. وأيضًا، فالداعي إلى الكفر والبدعة، وإن كان أضل غيره، فذلك الغير يُعَاقَب على ذنبه؛ لكونه قَبِل من هذا واتبعه، وهذا عليه وزره ووزر من اتبعه إلى يوم القيامة، مع بقاء أوزار أولئك عليهم، فإذا تاب من ذنبه لم يبق عليه وزره ولا ما حمله هو لأجْل إضلالهم، وأما هم فسواء تاب أو لم يتب، حالهم واحد، ولكن توبته قبل هذا تحتاج إلى ضد ما كان عليه من الدعاء إلى الهدى، كما تاب كثير من الكفار وأهل البدع، وصاروا دعاة إلى الإسلام والسنة.وسحرة فرعون كانوا أئمة في الكفر ثم أسلموا وختم الله لهم بخير.ومن ذلك توبة قاتل النفس.والجمهور على أنها مقبولة.وقال ابن عباس: لا تقبل. وعن أحمد روايتان. وحديث قاتل التسعة والتسعين في الصحيحين دليل على قبول توبته، وهذه الآية تدل على ذلك. وآية النساء إنما فيها وعيد في القرآن كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، ومع هذا فهذا إذا لم يتب . وكل وعيد في القرآن فهو مشروط بعدم التوبة باتفاق الناس، فبأي وجه يكون وعيد القاتل لاحقًا به وإن تاب؟ هذا في غاية الضعف، ولكن قد يقال: لا تقبل توبته بمعنى أنه لا يسقط حق المظلوم بالقتل، بل التوبة تسقط حق الله، والمقتول مُطَالِبُه بحقه، وهذا صحيح في جميع حقوق الآدميين حتى الديْن، فإن في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قال "الشهيد يغفر له كل شيء إلا الديْن" لكن حق الآدمي يُعْطَاه من حسنات القاتل.فمن تمام التوبة، أن يستكثر مـن الحسنات حتى يكـون له ما يقابل حق المقتول، ولعل ابن عباس رأى أن القتل أعظم الذنـوب بعـد الكـفر، فلا يكـون لصاحبـه حسنات تُقَابِل حق المقتـول، فلابد أن يبقى له سيئات يعذب بها، وهذا الذي قاله قد يقع من بعض الناس، فيبقى الكلام فيمن تاب وأخلص،وعجز عن حسنات تعادل حق المظلوم، هل يجعل عليه من سيئات المقتول ما يعذب به؟ وهذا موضع دقيق، على مثله يُحْمَلُ حديث ابن عباس، لكن هذا كله لا ينافي مُوجِب الآية، وهو أن الله تعالى يغفر كل ذنب؛ الشرك، والقتل، والزنا، وغير ذلك من حيث الجملة، فهي عامة في الأفعال مطلقة في الأشخاص.ومثل هذا قوله : {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5]،عام في الأشخاص مطلق في أحوال... الأرْجُل؛ إذ قد تكون مستورة بالخف واللفظ لم يتعرض إلى الأحوال. وكذلك قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} [النساء: 11]، عام في الأولاد، عام في الأحوال؛ إذ قد يكون الولد موافِقًا في الدين ومخالفًا، وحرًا وعبدًا. واللفظ لم يتعرض إلى الأحوال. وكذلك قوله:{يَغْفِرُ الذُّنُوبَ} [الزمر: 53]، عام في الذنوب مطلق في أحوالها، فإن الذنب قد يكون صاحبه تائبًا منه،وقد يكون مصرًا، واللفظ لم يتعرض لذلك، بل الكلام يبين أن الذنب يغفر في حال دون حال،فإن الله أمر بفعل ما تُغْفَر به الذنوب،ونهى عما به يحصل العذاب يوم القيامة بلا مغفرة،فقال: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الزمر: 54 - 59] فهذا إخبار أنه يوم القيامة يُعذِّب نفوسًا لم يغفر لها، كالتي كذبت بآياته واستكبرت وكانت من الكافرين، ومثل هذه الذنوب غفرها الله لآخرين لأنهم تابوا منها. فإن قيل: فقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ} [آل عمران: 90]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} [النساء: 137]؟ قيل: إن القرآن قد بيَّن توبة الكافر، وإن كان قد ارتد ثم عاد إلى الإسلام في غير موضع، كقوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 86 - 89]، وقوله : {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ} أي: إنه لا يهديهم مع كونهم مرتدين ظالمين؛ ولهذا قال: {وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، فمن ارتد عن دين الإسلام لم يكن إلا ضالًا، لا يحصل له الهدى إلى أي دين ارتد. والمقصود أن هؤلاء لا يهديهم الله ولا يغفر لهم إلا أن يتوبوا.وكذلك قال في قوله: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} [النحل: 106]، ومن كفر بالله من بعد إيمانه من غير إكراه فهو مرتد، قال: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 110]. وهو سبحانه في آل عمران ذكر المرتدين، ثم ذكر التائبين منهم، ثم ذكر من لا تقبل توبته،ومن مات كافرًا، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران:90-91].وهؤلاء الذين لا تقبل توبتهم قد ذكروا فيهم أقوالًا؛ قيل: لنفاقهم،وقيل: لأنهم تابوا مما دون الشرك ولم يتوبوا منه، وقيل: لن تقبل توبتهم بعد الموت، وقال الأكثرون، كالحسن وقتادة وعطاء الخراساني و السدى: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت، فيكون هذا كقوله: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 18]. وكذلك قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} [النساء: 137]، قال مجاهد وغيره من المفسرين: ازدادوا كفرًا ثبتوا عليه حتى ماتوا. قلت: وذلك لأن التائب راجع عن الكفر، ومن لم يتب فإنه مستمر يزداد كفرًا بعد كفر، فقوله: {ثُمَّ ازْدَادُواْ} بمنزلة قول القائل: ثم أصروا على الكفر، واستمروا على الكفر، وداموا على الكفر، فهم كفروا بعد إسلامهم ثم زاد كفرهم ما نقص، فهؤلاء لا تقبل توبتهم، وهى التوبة عند حضور الموت؛ لأن من تاب قبل حضور الموت فقد تاب من قريب ورجع عن كفره، فلم يزدد، بل نقص؛ بخلاف المُصِر إلى حين المعاينة، فما بقى له زمان يقع لنقص كفره فضلًا عن هدمه. وفي الآية الأخرى قال: {لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ}، وذكر أنهم آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرًا، قيل: لأن المرتد إذا تاب غُفِرَ له كفره، فإذا كفر بعد ذلك ومات كافرًا حبط إيمانه، فعوقب بالكفر الأول والثاني، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قال "قيل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عَمِلْنا في الجاهلية؟ فقال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول والآخر"، فلو قال: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا لم يكن الله ليغفر لهم، كان هؤلاء الذين ذكرهم في آل عمران فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} [آل عمران: 90]، بل ذكر أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا بعد ذلك، وهو المرتد التائب، فهذا إذا كفر وازداد كفرًا لم يُغْفَرْ له كفره السابق أيضًا، فلو آمنوا، ثم كفروا، ثم آمنوا، ثم كفروا، ثم آمنوا، لم يكونوا قد ازدادوا كفرًا فلا يدخلون في الآية.والفقهاء إذا تنازعوا في قبول توبة من تكررت ردته، أو قبول توبة الزنديق، فذاك إنما هو في الحكم الظاهر؛ لأنه لا يوثق بتوبته، أما إذا قُدِّر أنه أخلص التوبة لله في الباطن فإنه يدخل في قوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].ونحن حقيقة قولنا أن التائب لا يعذب لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا شرعًا ولا قدرًا، والعقوبات التي تقام من حدٍّ، أو تعزير، إما أن يثبت سببها بالبينة، مثل قيام البينة بأنه زنا أو سرق أو شرب، فهذا إذا أظهر التوبة لم يوثق بها، ولو دُرِئ الحد بإظهار هذا لم يقم حد، فإنه كل من تقام عليه البينة يقول: قد تُبت، وإن كان تائبًا في الباطن، كان الحد مكفرًا، وكان مـأجورًا على صبره، وأمـا إذا جـاء هـو بنفسه فـاعترف وجـاء تائبًا، فهـذا لا يجب أن يقام عليه الحد في ظاهر مذهب أحمد، نص عليه في غير موضع، وهى من مسائل التعليق، واحتج عليها القاضي بعدة أحاديث. وحديث الذي قال "أصبت حدًا فأقمه علىَّ، فأْقيمت الصلاة" يدخل في هذا؛ لأنه جاء تائبًا، وإن شهد على نفسه كما شهد به ماعز والغامدية واختار إقامة الحد أقيم عليه، و إلاَّ فلا، كما في حديث ماعز "فهلاَّ تركتموه؟" . و الغامدية ردها مرة بعد مرة. فالإمام والناس ليس عليهم إقامة الحد على مثل هذا، ولكن هو إذا طلب ذلك أقيم عليه، كالذي يذنب سرًا، وليس على أحد أن يقيم عليه حدًا، لكن إذا اختار هو أن يعترف ويقام عليه الحد، أقيم، وإن لم يكن تائبًا، وهذا كقتـل الذي ينغمس في العدو هو مما يرفع الله به درجته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "لقد تابت توبة لو تابها صاحب مَكْسٍ لغفر له، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله؟". وقد قيل في ماعز: إنه رجع عن الإقرار، وهذا هو أحد القولين فيه في مذهب أحمد وغيره، وهو ضعيف، والأول أجود. وهؤلاء يقولون: سقط الحد لكونه رجع عن الإقرار.ويقولون: رجوعه عن الإقرار مقبول. وهو ضعيف، بل فَرْقٌ بين من أقرَّ تائبًا، ومن أقرَّ غير تائب، فإسقاط العقوبة بالتوبة كما دلت عليه النصوص أولى من إسقاطها بالرجوع عن الإقرار، والإقرار شهادة منه على نفسه، ولو قبل الرجوع لما قام حد بإقرار، فإذا لم تقبل التوبة بعد الإقرار مع أنه قد يكون صادقًا، فالرجوع الذي هو فيه كاذب أَوْلَى. آخره، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
رسالة في قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة
فصل قال الله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة سورة البقرة 75قال علي بن أبي طالب الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا انقطع الرأس بار الجسد ألا لا إيمان لمن لا صبر لهفالصبر على أداء الواجبات واجب ولهذا قرنه بالصلاة في أكثر من خمسين موضعا فمن كان لا يصلي من جميع الناس رجالهم ونسائهم فإنه يؤمر فإن امتنع عوقب بإجماع المسلمين ثم أكثرهم يوجبون قتل تارك الصلاة وهل يقتل كافرا مرتدا أو فاسقا على قولين في مذهب أحمد وغيره والمنقول عن أكثر السلف يقتضي كفره وهذا مع الإقرار بالوجوب فأما مع جحود الوجوب فهو كافر بالاتفاقومن ذلك تعاهد مساجد المسلمين وأئمتهم وأمرهم بأن يصلوا بهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال صلوا كما رأيتموني أصلي رواه البخاري وصلى مرة بأصحابه على طرف المنبر وقال إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتيفعلى إمام الصلاة أن يصلي بالناس صلاة كاملة لا يقتصر على ما يجوز للمنفرد
الإقتصار عليه إلا لعذر وكذلك على إمامهم في الحج وأميرهم في الحرب ألا ترى الوكيل والولي في البيع والشراء عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على الوجه الأصلح له في ماله وهو في مال نفسه يفوت على نفسه ما شاء فأمر الدين أهم ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس صلح الدين للطائفتين والدنيا وإلا اضطربت الأمور عليهم جميعاوملاك ذلك حسن النية للرعية وإخلاص الدين كله لله عز و جل والتوكل عليه فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة كما أمرنا أن نقول في صلاتنا إياك نعبد وإياك نستعين فهاتان الكلمتان قد قيل إنهما تجمعان معاني الكتب المنزلة من السماءوروى أنه صلى الله عليه وسلم كان مرة في غزاة فقال يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين فجعلت الرءوس تندر عن كواهلهاوقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله عز و جل فاعبده وتوكل عليه سورة هود 123 وقوله عليه توكلت وإليه أنيب سورة هود 88 سورة الشورى 10 وكان صلى الله عليه وسلم إذا ذبح أضحيته قال منك وإليك
وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن والإحسان إلى الناس بالنفع والمال الذي هو الزكاة والصبر على أذى الخلق وغيره من النوائب فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية وإذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة عرف ما يدخل في الصلاة من ذكر الله تعالى ودعائه وتلاوة كتابه وإخلاص الدين له والتوكل عليه وفي الزكاة من الإحسان إلى الخلق بالمال والنفع من نصر المظلوم وإغاثة الملهوف وقضاء حاجة المحتاج وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل معروف صدقة فيدخل فيه كل إحسان ولو ببسط الوجه والكلمة الطيبةففي الصحيح عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أمامه فيستقبل النار فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم يجد فبكلمة طيبةوفي السنن لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجهطلق وفي رواية ووجهك إليه منبسط ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقيوفي الصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ والعفو عن الناس ومخالفة الهوى وترك الأشر والبطر كما قال تعالى ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات الآية سورة هود 9 11وقال الحسن البصري إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش ألا ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا وأصلحوليس من حسن النية للرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما يكرهونه قال تعالى ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن سورة المؤمنون 71 وقال لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم سورة
رسالة في المعاني المستنبطة من سورة الإنسان
بسم الله الرحمن الرحيموبه نستعين فصل تفسير السورة إجمالااعلم أن سورة هل أتى على الإنسان سورة عجيبة الشأن من سور القرآن على اختصارهاالآيتان: 1، 2فإن الله سبحانه ابتدأها بذكر كيفية خلق الإنسان من النطفة ذات الأمشاج والأخلاط التي لم يزل بقدرته ولطفه وحكمته يصرفه عليها أطوارا وينقله من حال إلى حال إلى أن تمت خلقته وكملت صورته فأخرجه إنسانا سويا سميعا بصيرا ثم لما تكامل تمييزه وإدراكه هداه طريقي الخير والشر والهدى والضلالالآية الثالثةوأنه بعد هذه الهداية إما أن يشكر ربه وإما أن يكفره ثم ذكر مآل أهل الشكر والكفر وما أعد لهؤلاء وهؤلاء وبدأ أولا بذكر عاقبة أهل الكفر ثم عاقبة أهل الشكر وفي آخر السورة ذكر أولا أهل الرحمة ثم أهل العذاب فبدأ السورة بأول أحوال الإنسان وهي النطفة وختمها بآخر أحواله وهي كونه من
لآية الرابعةأهل الرحمة أو العذاب ووسطها بأعمال الفريقين فذكر أعمال أهل العذاب مجملة في قوله إنا اعتدنا للكافرين سورة الإنسان 4 وأعمال أهل الرحمة مفصلة وجزاءهم مفصلافتضمنت السورة خلق الإنسان وهدايته ومبدأه وتوسطه ونهايته وتضمنت المبدأ والمعاد والخلق والأمر وهما القدرة والشرع وتضمنت إثبات السبب وكون العبد فاعلا مريدا حقيقة وأن فاعليته ومشيئته إنما هي بمشيئة الله ففيها الرد على طائفتين القدرية والجبرية وفيها ذكر أقسام بني آدم كلهم فإنهم إما أهل شمال وهم الكفار أو أهل يمين وهم نوعان أبرار ومقربونالآية الخامسةوذكر سبحانه أن شراب الأبرار يمزج من شراب عباده المقربين لأنهم مزجوا أعمالهم ويشربه المقربون صرفا خالصا كما أخلصوا أعمالهم وجعل سبحانه شراب المقربين من الكافور الذي فيه من التبريد والقوة ما يناسب برد اليقين وقوته لما حصل لقلوبهم ووصل إليها في الدنيا مع ما في ذلك من مقابلته للسعيروأخبر سبحانه أن لهم شرابا آخر ممزوجا من الزنجبيل لما فيه من طيب الرائحة ولذة الطعم والحرارة التي توجب تغير برد الكافور وإذابة الفضلات وتطهير الأجواف ولهذا وصفه سبحانه بكونه شرابا طهورا أي مطرها لبطونهمفوصفهم سبحانه بجمال الظاهر والباطن كما قال ولقاهم نضرة وسرورا الآية 11 فالنضرة جمال وجوههم والسرور جمال قلوبهم كما قال تعرف في وجوههم نضرة النعيم سورة المطففين 24
وقريب من هذا قول امرأة العزيز في يوسف فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم سورة يوسف 32 فأخبرت بجمال ظاهره حين أشارت إليه بالخروج عليهن ثم ضمت إلى ذلك إخبارها بأن باطنه أجمل من ظاهره بأني راودته فأبى إلا العفة والحياء والإستعصامثم ذكر سبحانه من أعمال الأبرار ما ينبه سامعه على جمعهم لأعمال البر كلها فذكر سبحانه وفاءهم بالنذر وخوفهم من ربهم وإطعامهم الطعام على محبتهم له وإخلاصهم لربهم في طاعتهمالآية السابعةوذكر سبحانه الوفاء بالنذر وهو أضعف الواجبات فإن العبد هو الذي أوجبه على نفسه بالتزامه فهو دون ما أوجبه الله سبحانه عليه فإذا وفى لله بأضعف الواجبين الذي التزمه هو فهو بأن يوفى بالواجب الأعظم الذي أوجبه الله عليه أولى وأخرىومن ههنا قال من قال من الفسرين المقربون يوفون بطاعة الله ويقومون بحقه عليهم وذلك أن العبد إذا نذر لله طاعة فوفى بها فإنما يفعل ذلك لكونها صارت حقا لله يجب الوفاء بها وهذا موجود في حقوقه كلها فهي في ذلك سواءثم أخبر عنهم بأنهم يخافون اليوم العسير القمطرير وهو يوم القيامة
ففي ضمن هذا الخوف إيمانهم باليوم الآخر وكفهم عن المعاصي التي تضرهم في ذلك اليوم وقيامهم بالطاعات التي ينفعهم فعلها ويضرهم تركها في ذلك اليومالآية الثامنةثم أخبر عنهم بإطعام الطعام على محبتهم له وذلك يدل على نفاسته عندهم وحاجتهم إليه وما كان كذلك فالنفوس به أشح والقلوب به أعلق واليد له أمسك فإذا بذلوه في هذه الحال فهم لما سواه من حقوق العباد أبذلفذكر من حقوق العباد بذل قوت النفس على نفاسته وشدة الحاجة منبها على الوفاء بما دونه كما ذكر من حقوقه الوفاء بالنذر منبها على الوفاء بما هو فوقه وأوجب منه ونبه بقوله على حبه الآية 8 أنه لولا أن الله سبحانه أحب إليهم منه لما آثروه على ما يحبونه فآثروا المحبوب الأعلى على الأدنىالآية التاسعةثم ذكر أن مصرف طعامهم إلى المسكين واليتيم والأسير الذين لا قوة لهم ينصرونهم بها ولا مال لهم يكافئونهم به ولا أهل ولا عشيرة يتوقعون منهم مكافأتهم كما يقصده أهل الدنيا والمعاوضون بإنفاقهم وإطعامهمثم أخبر عنهم أنهم إنما فعلوا ذلك لوجه الله وأنهم لا يريدون ممن أطعموه عوضا من أموالهم ولا ثناء عليهم بألسنتهم كما يريده من لا إخلاص له بإحسانه إلى الناس من معاوضتهم أو الشكور منهم فتضمن ذلك المحبة والإخلاص والإحسانالآية العاشرةثم أخبر سبحانه عنهم بما صدقهم عليه قبل أن يقولوه حيث قالوا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا الآية 10 فصدقهم قبل قولهم
إذ يقول تعالى يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا الآية 7الآية: 11ثم أخبر سبحانه بأنه وقاهم شر ما يخافونه ولقاهم فوق ما كانوا يأملونهالآيات: 12-20وذكر سبحانه أصناف النعيم الذي حياهم به من المساكن والملابس والمجالس والثمار والشراب والخدم والنعيم والملك الكبيرولما كان في الصبر من حبس النفس والخشونة التي تلحق الظاهر والباطن من التعب والنصب والحرارة ما فيه كان الجزاء عليه بالجنة التي فيها السعة والحرير الذي فيه اللين والنعومة والإتكاء الذي يتضمن الراحة والظلال المنافية للحرالآية: 21ثم ذكر سبحانه لون ملابس الأبرار وأنها ثياب سندس خضر وإستبرق وحليتهم وأنها أساور من فضة فهذه زينة ظواهرهم ثم ذكر زينة بواطنهم وهو الشراب الطهور وهو بمعنى التطهيرفإن قيل فلم اقتصر من آنيتهم وحليتهم على الفضة دون الذهب ومعلوم أن الجنان جنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهماقيل سياق هذه الآيات إنما هو في وصف الأبرار ونعيمهم مفصلا دون تفصيل جزاء المقربين فإنه سبحانه إنما أشار إليه أشارة تنبه على ما سكت عنه وهو أن شارب الأبرار يمزج من شرابهمفالسورة مسوقة بصفة الأبرار وجزائهم على التفصيل وذلك والله أعلم
لأنهم أعم من المقربين وأكثر منهم ولهذا يخبر سبحانه عنهم بأنهم ثلة من الأولين وثلة من الآخرين وعن المقربين السابقين بأنهم ثلة من الأولين وقليل من الآخرينوأيضا فإن في ذكر جزاء الأبرار تنبيها على أن جزاء المقربين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشروأيضا فإنه سبحانه ذكر أهل الكفر وأهل الشكر وأهل الشكر نوعان أبرار أهل يمين ومقربون سابقون وكل مقرب سابق فهو من الأبرار ولا ينعكس فاسم الأبرار والمقربين كاسم الإسلام والإيمان أحدهما أعم من الآخرالآية: 22وأيضا فإنه سبحانه أخبر أن هذا جزاء سعيهم المشكور وكل من الأبرار والمقربين سعيهم مشكور فذكر سبحانه السعي المشكور والسعي المسخوطالآيتان: 23، 24ثم ذكر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بما أنعم عليه من تنزيل القرآن عليه وأمره بأن يصبر لحكمه وهو يعم الحكم الديني الذي أمره به في نفسه وأمره بتبليغه والحكم الكوني الذي يجري عليه من ربه فإنه سبحانه امتحن عباده وابتلاهم بأمره ونهيه وهو حكمه الديني وابتلاهم بقضائه وقدره وهوحكمه الكوني وفرض عليهم الصبر على كل واحد من الحكمين وإن
كان الحكم الديني في هذه الآية أظهر إرادة وأنه أمر بالصبر على تبليغه والقيام بحقوقهولما كان صبره عليه لا يتم إلا بمخالفته لمن دعاه إلى خلافه من كل آثم أو كفور نهاه عن طاعة هذا وهذا وأتى بحرف أو دون الواو ليدل على أنه منهي عن طاعة أيهما كان إما هذا وإما هذا فكأنه قيل له لا تطع أحدهما وهو أعم في النهي من كونه منهيا عن طاعتهما فإنه لو قيل له لا تطعهما أو لا تطع آثما وكفورا لم يكن صريحا في النهي عن طاعة كل منهما بمفردهالآيتان: 25، 26ولما كان لا سبيل إلى الصبر إلا بتعويض القلب بشيء هو أحب إليه من فوات ما يصبر على فوته أمره بأن يذكر ربه سبحانه بكرة وأصيلا فإن ذكره أعظم العون على تحمل مشاق الصبر وأن يصبر لربه بالليل فيكون قيامه بالليل عونا على ما هو بصدده بالنهار ومادة لقوته ظاهرا وباطنا ولنعيمه عاجلا وآجلاالآية: 27ثم أخبر سبحانه عما يمنع العبد من إيثار ما فيه سعادته في الدنيا والآخرة وهو حب العاجلة وإيثارها على الآخرة تقديما لداعي الحس على داعي العقلالآية: 28ثم ذكر سبحانه خلقهم وإحكامه وإتقانه بما شد من أسرهم وهو ائتلاف الأعضاء والمفاصل والأوصال وما بينها من الرباطات وشد بعضها
ببعض وحقيقته القوة ومنه قول الشاعرمن كل مجتنب شديد أسره ... سلس القياد تخاله مختالاولا يكون ذلك إلا فيما له شد ورباط ومنه الإسار وهو الحبل الذي يشد به الأسيرثم أخبر سبحانه أنه قادر على أن يبدل أمثالهم بعد موتهم وأنه إذا شاء ذلك فعله وإذا للمحقق فهذا التبديل واقع لا محالة فهو الإعادة التي هي مثل البداءةهذا هو معنى الآية ومن قال غير ذلك لم يصب معناها ولا توحشك لفظة المثل فإن المعاد مثل للمبدوء وإن كان هو بعينه فهو معاد أو هو مثله من جهة المغايدة بين كونه مبدءا ومعادا وهذا كالدار إذا تهدمت وأعيدت بعينها فهي الأولى وكذلك الصلاة المعادة هي الأولى وهي مثلها
وقد نطق القرآن بأنه سبحانه يعيدهم ويعيد أمثالهم إذ شاء وكلاهما واحد فقال كما بدأكم تعودون سورة الأعراف 29 وقال تعالى وإلينا ترجعون سورة الأنبياء 35 وقال وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده سورة الروم 27 وقال أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم سورة يس 81 وقال إنا لقادرون على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون سورة الواقعة 61 62فهذا كله معاد الأبدان وقد صرح سبحانه بأنه خلق جديد في موضعين من كتابه وهذا الخلق الجديد هو المثلالآية: 29ثم ختم سبحانه السورة بالشرع والقدر كما افتتحها بالخلق والهداية فقال فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا الآية 29 فهذا شرعه ومحل أمره ونهيهالآية الثلاثونثم قال وما تشاءون إلا أن يشاء الله الآية 30 فهذا قضاؤه وقدره ثم ذكر الإسمين الموجبين للتخصيص وهما اسم العليم الحكيموقوله وما تشاءون إلا أن يشاء الله فأخبر أن مشيئتهم موقوفة على مشيئته ومع هذا فلا يوجب ذلك حصول الفعل منهم إذ أكثر ما فيه أنه جعلهم شائين ولا يقع الفعل إلا حين يشاؤه منهم كما قال تعالى فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله سورة المدثر 55 56 وقال لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله سورة التكوير 28 29 ومع هذا فلا يقع الفعل منهم حتى يريد من نفسه إعانتهم وتوفيقهمفهنا أربع إرادات إرادة البيان وإرادة المشيئة وإرادة الفعل وإرادة الإعانة والله أعلمآخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليما
فَصْـــل في تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ}
قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ} [الزمر: 21]. فأخبر سبحانه أنه يسلك الماء النازل من السماء ينابيع، والينابيع: جمع ينْبوع، وهو منبع الماء، كالعين والبئر. فدل القرآن على أن ماء السماء تنبع منه الأرض، والاعتبار يدل على ذلك، فإنه إذا كثر ماء السماء كثرت الينابيع، وإذا قلَّ قَلَّتْ. وماء السماء ينزل من السحاب، والله ينشئه من الهواء الذي في الجو، وما يتصاعد من الأبخرة.وليس في القرآن أن جميع ما ينبع يكون من ماء السماء، ولا هذا أيضًا معلومًا بالاعتبار، فإن الماء قد ينبع من بطون الجبال، ويكون فيها أبخرة يخلق منها الماء، والأبخرة وغيرها من الأهْوية قد تستحيل، كما إذا أخذ إناء فوضع فيه ثلج، فإنه يبقى ما أحاط به ماء، وهو هواء استحال ماء، وليس ذلك من ماء السماء، فَعُلِم أنه ممكن أن يكون في الأرض ماء ليس من السماء، فلا يُجْزَم بأن جميع المياه من ماء السماء، وإن كان غالبها من ماء السماء.
فَصْـــل في تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ}
قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ} [الزمر: 21]. فأخبر سبحانه أنه يسلك الماء النازل من السماء ينابيع، والينابيع: جمع ينْبوع، وهو منبع الماء، كالعين والبئر. فدل القرآن على أن ماء السماء تنبع منه الأرض، والاعتبار يدل على ذلك، فإنه إذا كثر ماء السماء كثرت الينابيع، وإذا قلَّ قَلَّتْ. وماء السماء ينزل من السحاب، والله ينشئه من الهواء الذي في الجو، وما يتصاعد من الأبخرة.وليس في القرآن أن جميع ما ينبع يكون من ماء السماء، ولا هذا أيضًا معلومًا بالاعتبار، فإن الماء قد ينبع من بطون الجبال، ويكون فيها أبخرة يخلق منها الماء، والأبخرة وغيرها من الأهْوية قد تستحيل، كما إذا أخذ إناء فوضع فيه ثلج، فإنه يبقى ما أحاط به ماء، وهو هواء استحال ماء، وليس ذلك من ماء السماء، فَعُلِم أنه ممكن أن يكون في الأرض ماء ليس من السماء، فلا يُجْزَم بأن جميع المياه من ماء السماء، وإن كان غالبها من ماء السماء.
فَصْـــل في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}
قد قال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18]، والمراد بالقـول: القرآن، كما فسره بذلك سلف الأمة وأئمتها، كما قال تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68]، واللام لتعريف القول المعهود؛ فإن السورة كلها إنما تضمنت مدح القرآن واستماعه، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع، وبينَّا فساد قول من استدل بهذه على سماع الغناء وغيره، وجعلها عامة. وبينا أن تعميمها في كل قول باطل بإجماع المسلمين. وهنا سؤال مشهور، وهو أنه قال: {يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر:18]، فقد قسم القول إلى حسن وأحسن، والقرآن كله متبع، وهذا حجتهم. فيقال: الجواب من ثلاثة أوجه: إلزام، وحل: الأول: أن هذا مثل قوله: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} [الزمر: 55]، ومثل قوله: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145]، فقد أمر المؤمنين بإتباع أحسن ما أنزل إليهم من ربهم، وأمر بنى إسرائيل أن يأخذوا بأحسن التوراة، وهذا أبلغ من تلك الآية؛ فإن تلك إنما فيها مدح بإتباع الأحسن، ولا ريب أن القرآن فيه الخبر والأمر بالحسن والأحسن، وإتباع القول إنما هو العمل بمقتضاه، ومقتضاه فيه حسن وأحسن، ليس كله أحسن، وإن كان القرآن في نفسه أحسن الحديث؛ فَفَرْقٌ بين حُسْن الكلام بالنسبة إلى غيره من الكلام، وبين حُسْنه بالنسبة إلى مقتضاه المأمور والمخبر عنه.الوجه الثاني: أن يقال: إنه قال: {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17-18]، والقرآن تضمَّن خبرًا وأمرًا، فالخبر عن الأبرار والمقربين، وعن الكفار والفجار؛ فلا ريب أن إتباع الصنفين حسن، وإتباع المقربين أحسن، والأمر يتضمن الأمر بالواجبات والمستحبات.ولا ريب أن الاقتصار على فعل الواجبات حسن، وفعل المستحبات معها أحسن. ومن اتبع الأحسن فاقتدى بالمقربين، وتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، كان أحق بالبشرى. وعلى هذا، فقوله: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} [الزمر: 55]، {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145]، هو أيضًا أمر بذلك، لكن الأمر يَعُمُّ أمر الإيجاب والاستحباب، فهم مأمورون بما في ذلك من واجب أمر إيجاب، وبما فيه من مستحب أمر استحباب، كما هم مأمورون مثل ذلك في قوله: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90].وقوله : {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ} [الأعراف: 157]، والمعروف يتناول القسمين. وقوله: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]، وهو يعم القسمين. وقوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77]، وأمثال ذلك.
جَامِعُ الرَّسَائِل لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية
رسالة في قنوت الأشياء كلها لله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيموبه نستعين وبه القوةالحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين وسلم تسليمافصلفي قنوت الأشياء لله عز وجل وإسلامها وسجودها له وتسبحها لهالقنوت في القرآنفإن هذه الأربعة قد ذكرها الله تعالى في القرآن قال تعالى { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } [ سورة البقرة 116 117 ] وقال تعالى في سورة الروم { وله من في السموات والأرض كل له قانتون وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } [ سورة الروم 26 27 ]الإسلاموأما الإسلام فقال تعالى { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون } [ سورة آل عمران 83 ]السجودوأما السجود فقال تعالى { ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال } [ سورة الرعد 15 ] وقال { أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل
سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون } [ سورة النحل 48 49 ] وقال تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب سورة الحج 18التسبيحوأما التسبيح فقال تعالى تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا سورة الإسراء 44 وقال تعالى سبح لله ما في السموات وما في الأرض سورة الصف 1 سورة الحشر 1 في موضعين و سبح لله ما في السموات والأرض سورة الحديد 1 و يسبح لله ما في السموات وما في الأرض سورة الجمعة 1 سورة التغابن 1 في موضعين فخمس سور افتتحت بذكر تسبح ما في السموات وما في الأرض له وقال ألم تر أن الله يسبح له من فى السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه سورة النور 41فأما قوله تعالى وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه سورة البقرة 116 فهو نظير قوله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا سورة مريم 88 95 وقد قال تعالى قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون سورة يونس 68
وقال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون إلى قوله وهم من خشيته مشفقون سورة الأنبياء 26 29القنوت في اللغةوالقنوت في اللغة دوام الطاعة والمصلى إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده فهو قانت في ذلك كله قال تعالى أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه سورة الزمر 9 فجعله قانتا في حال السجود والقياموفي الحديث الصحيح سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل فقال طول القنوت ولم يرد به طول القيام فقط بل طول القيام والركوع والسجود كما كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت معتدلة إذا أطال القيام أطال الركوع والسجودوقال تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا سورة النحل 120 وقال تعالى فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حظف الله سورة النساء 34 وقال تعالى عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات سورة التحريم 5 وقال تعالى إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات سورة الأحزاب 35 وسمى إطالة القيام في الصلاة قنوتا لأنه يطيل فيه الطاعة ولو صلى قاعدا لقنت وهو قاعد وكذلك إذا صلى على جنب قنت وهو على جنب والقيام قبل الركوع يسمى أيضا قنوتا
قال ابن قتيبة لا أرى أصل القنوت إلا الطاعة لأن جميع الخلال من الصلاة والقيام فيها والدعاء وغير ذلك يكون عنهاوقال أبو الفرج قال الزجاج القنوت هو في اللغة بمعنيين أحدهما القيام والثاني الطاعة والمشهور في اللغة والإستعمال أن القنوت الدعاء في القيام فالقانت القائم بأمر الله ويجوز أن يقع في جميع الطاعات لأنه وإن لم يكن قياما على الرجلين فهو قيام بالنيةقلت هذا ضعيف لا يعرف في اللغة أن مجرد القيام يسمى قنوتا والرجل يقوم ماشيا وقائما في أمور ولا يسمى قانتا وهو في الصلاة يسمى قانتا لكونه مطيعا عابدا ولو قنت قاعدا ونائما سمي قانتا وقوله تعالى وقوموا لله قانتين سورة البقرة 238 يدل على أنه ليس هو القيام وإنما هو صفة في القيام يكون بها القائم قانتا وهذه الصفة تكون في السجود أيضا كما قال أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما
القنوت عند ابن تيمية هو الطاعةفقول القائل إن المشهور في اللغة أنه الدعاء في القيام إنما اخذه من كون هذا المعنى شاع في اصطلاح الفقهاء إذا تكلموا في القنوت والصلاة وهذا عرف خاص ومع هذا فالفقهاء يذكرون القنوت سواء صلى قائما أو قاعدا أو مضطجعا لكن لما كان الفرض ليس يصح أن يصليه إلا قائما وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم صار القنوت في القيام أكثر وأشهر وإلا فلفظ القنوت في القرآن واللغة ليس مشهورا في هذا المعنى بل ولا أريد به هذا المعنى ولا هو أيضا مشتركا بل اللفظ بمعنى الطاعة أو الطاعة الدائمة ولهذا يفسره المفسرون بذلكوقد روي في ذلك حديث مرفوع رواه ابن أبي حاتم من النسخة المصرية التي يروى منها الترمذي وغيره من حديث ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة
وفي تفسير ابن أبي طلحة عن ابن عباس فالصالحات قانتات سورة النساء 34 مطيعاتقال ابن أبي حاتم وروى عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك وعطاء وقتادة السدي مثل ذلكوروى عن مقاتل بن حيان قال مطيعات لله ولأزواجهن في المعروفوروى عن سعيد بن جبير في قوله والقانتين والقانتات قال يعني المطيعين والمطيعاتقال وروى عن قتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم مثل ذلك وروى بإسناده عن أبي العالية في قوله يا مريم اقنتي لربك سورة آل عمران 43 قال اركدي لربك وعن الأوزاعي قال ركدت في محرابها قائمة وراكعة وساجدة حتى نزل ماء الأصفر في قدميهاوعن الحسن أنه سئل عن قوله اقنتي لربك واسجدي قال يقول اعبدي لربكوعن ليث عن مجاهد قال كانت تقوم حتى تتورم قدماهاوقوله تعالى أمن هو قانت آناء الليل قال ابن أبي حاتم تقدم تفسير القانت في غير موضع القانت الذي يطيع الله ورسولهوروى عن أحمد بن سنان عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال القانت الذي يطيع الله ورسوله
فهذا تفسير السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم لألفاظ القنوت في القرآنفصلوكذلك فسروا القنوت في قوله بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون سورة البقرة 116 لكن تنوع كلامهم في طاعة المخلوقات كلها لما رأوا أن من الجن والإنس من يعصي أمر الله الذي بعث به رسله فذكر كل واحد نوعا من القنوت الذي يعم المخلوقاترواية ابن أبي حاتم أوجه تفسير لفظ القنوتقال ابن أبي حاتم اختلف في قوله كل له قانتون على أوجه وروى بإسناده الحديث المرفوع كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعةالوجه الأول الطاعةوروى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قانتون قال مطيعون يقول طاعة الكافر في سجوده سجود ظله وهو كارهوأيضا عن شريك عن خصيف عن مجاهد كل له قانتون قال مطيعون كن إنسانا فكان وقال كن حمارا فكان ففسرها مجاهد بالسجود طوعا وكرها وفسر الكره بسجوده ظله وفسرها أيضا بطاعة أمره الكوني وهو قوله إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون سورة يس 82 وهذا الأمر الكوني لا يخرج عنه أحد
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجروهذان الوجهان ذكرهما ابن الأنباري مع ذكره وجها آخر أنها خاصة قال أبو الفرج فإن قيل كيف عم بهذا القول وكثير من الخلق ليس له بمطيع ففيه ثلاثة أجوبهأحدها أن يكون ظاهرها العموم ومعناها معنى الخصوص والمعنى كل أهل الطاعة له قانتون والثاني أن الكفار تسجد ظلالهم لله بالغدو والآصال والعشيات فنسب القنوت إليهم بذلك والثالث أن كل مخلوق قانت له بأثر صنعه فيه وجرى أحكامه عليه فذلك دليل على إله كونه ذكرهن ابن الأنباريالوجه الثاني الصلاةقال ابن أبي حاتم الوجه الثاني حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا أسباط عن مطرف عن عطية عن ابن عباس قال قانتون مصلون
قلت وهذا من جنس وصفها بالسجود له والتسبيح قال تعالى ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه سورة النور 41 لكن قد يقال فالصلاة صلاة المخلوقات والمؤمنين ولم يرد أن الكافرين يصلون فتكون الآية خاصة ولهذا حكى عن ابن عباس أنه قال هي خاصةالوجه الثالث الإقرار بالعبوديةقال والوجه الثالث ثم روى بالإسناد المروي عن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة كل له قانتون قال مقرون بالعبودية قال وروى عن أبي مالك نحوهقلت وهذا إخبار عما فطروا عليه من الإقرار بأن الله ربهم كما قال وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى الآية سورة الأعراف 172 فإن هذه الآية بينه في إقرارهم وشهادتهم على أنفسهم بالمعرفة التي فطروا عليها أن الله ربهم وقال صلى الله عليه وسلم كل مولولد مولد على الفطرةوطائفة من العلماء جعلوا هذا الإقرار لما استخرجوا من صلب آدم وأنه أنطقهم وأشهدهم لكن هذا لم يثبت به خبر صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم والآية لا تدل عليه
وإنما الذي جاءت به الأحاديث المعروفة أنه استخرجهم وأراهم لآدم وميز بين أهل الجنة وأهل النار منهم فعرفوا من يومئذ هذا فيه مأثور من حديث أبي هريرة رواه الترمذي وغيره بإسناد جيد وهو أيضا من حديث عمر بن الخطاب الذي رواه أهل السنن ومالك في الموطأ وهو يصلح للإعتضادوأما إنطاقهم وإشهادهم فروى عن بعض السلف وقد روى عن أبي وابن عباس وبعضهم رواه مرفوعا من طريق ابن عباس وغيره وروى ذلك الحاكم في صحيحه لكن هذا ضعيف وللحاكم مثل هذا يروى أحاديث
موضوعة في صحيحه مثل حديث زريب بن برثملي وهامة بن الهيم وغير ذلك وبسط هذا له موضع آخر
لكن كون الخلق مفطورين على الإقرار بالخالق أمر دل عليه الكتاب والسنة وهو معروف بدلائل العقول كما قد بسط في مواضع وبين أن الإقرار بالخالق فطري ضروري في جبلات الناس لكن من الناس من فسدت فطرته فاحتاج إلى دواء بمنزلة السفسطة التي تعرض لكثير من الناس في كثير من المعارف الضرورية كما قد بسط في غير هذا الموضعوهؤلاء يحتاجون إلى النظر وهذا الذي عليه جمهور الناس أن أصل المعرفة قد يقع ضروريا فطريا وقد يحتاج فيه إلى النظر والإستدلالوكثير من أهل الكلام يقول إنه لا يجوز أن تقع المعرفة ضرورية بل لا تقع إلا بنظر وكسب قالوا لأنها لو وقعت ضرورة لارتفع التكليف والإمتحان ومنهم من ادعى انتفاء ذلك في الواقع وهذا ضعيف لأن الإمتحان والتكليف الذي جاءت به الرسل كان بأن يعبدوا الله وحده لا يشركون به إلى هذا دعا عامة الرسل ومن كان من الناس جاحدا دعوه إلى الإعتراف
بالصانع كفرعون ونحوه مع أنه كان في الباطن عارفا وإنما جحد ظلما وعلوا كما قال تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا سورة النمل 14 وقال له موسى لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر سورة الإسراء 102وخاتم الرسل دعا الناس إلى الشهادتين فقال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وقال لمعاذ في الحديث الصحيح إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوا لك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهمولهذا قالت الرسل لقومهم ما أخبر الله تعالى به في قوله عز و جل ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم إلى قوله وعلى الله فليتوكل المؤمنون سورة إبراهيم 9 11
وأيضا فإن المعارف لا بد أن تنتهي إلى مقدمات ضرورية وهم لا يؤمرون بتحصيل الحاصل بل يؤمرون بالعمل بموجبها وبعلوم أخرى يكتسبونها بهاوأيضا فإن أكثر الناس غافلون عما فطروا عليه من العلم فيذكرون بالعلم الذي فطروا عليه وأصل الإقرار من هذا الباب ولهذا توصف الرسل بأنهم يذكرون ويصف الله تعالى آياته بأنها تذكرة وتبصرة كما في قوله تبصرة وذكرى لكل عبد منيب سورة ق 8فإذا كان من المعارف ما هو ضروري بالاتفاق ولم يكن ذلك مانعا من الأمر والنهي إما بتذكرة وإما بالإستدلال فيؤمر الناس تارة بالتذكرة وتارة بالتبصرة ثم يؤمر الناس أن يقروا بما علموه ويشهدوا به فلا يعاندوه ولا يجحدوه وأكثر الكفار جحدوا ما علموهوالإعتراف بالحق الذي يعلم والشهادة به والخضوع لصاحبه لا بد منه في الإيمان وإبليس وفرعون وغيرهما كفروا للعناد والإستكبار كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابهولكن الجهمية لما ظنت أن مجرد معرفة القلب هي الإيمان أرادوا أن يجعلوا ذلك مكتسبا وزعموا أن من كفره الشرع كإبليس وفرعون لم يكن في قلبه من الإقرار شيء كما زعموا أنه يمكن أن يقوم بقلب العبد إيمان تام مع كونه يعادي الله ورسوله ويسب الله ورسوله في الظاهر من غير إكراه
ولهذا كفر وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة من قال بقولهم كما هو مبسوط في مواضعهوالمقصود هنا بيان قول من قال من السلف كعكرمة وأبي مالك كل له قانتون أي مقرون له بالعبوديةالوجه الرابع القيام يوم القيامةقال ابن أبي حاتم والوجه الرابع ثم روى بإسناده المعروف عن الربيع بن أنس كل له قانتون قال كل له قائم يوم القيامةالوجه الخامس قول الإخلاصوالخامس ثم روى بإسناده من حديث عبد الله بن المبارك عن شريك عن سالم عن سعيد بن جبير كل له قانتون بقول الإخلاصقلت وهذا إن أراد به اعترافهم بأنه ربهم وأنهم إذا اضطروا دعوا الله
مخلصين له الدين فهو من جنس قول عكرمة وإلا فالإخلاص الذي أمروا به وهو أن يعبدوا الله مخلصين له الدين إنما قام به المؤمنون وهذا إنما يكون على قول من يزعم أن الآية خاصة ولم يذكر ابن أبي حاتم هذا صريحا عن أحد من السلف إلا أن يتأول على ذلك قول ابن عباس أو قول سعيدأقوال المفسرينهذا ولم يذكر أبو الفرج هذا عن أحد من السلف لم يذكره إلا فيما تقدم عن ابن الأنباري بل قال وللمفسرين في المراد بالقنوت ههنا ثلاثة أقوال أحدها أنه الطاعة قاله ابن عباس وابن جبير ومجاهد وقتادة والثاني الإقرار بالعبادة قاله عكرمة والسدي والثالث القيام قاله الحسن والربيعقال وفي معنى القيام قولان أحدهما أنه القيام له بالشهادة بالعبودية والثاني أنه القيام بين يديه يوم القيامةلكن طائفة من المفسرين ذكروا عن المفسرين قولين كالثعلبي والبغوي وغيرهما قالوا واللفظ للبغوي كل له قانتون قال مجاهد وعطاء والسدي مطيعون وقال عكرمة ومقاتل مقرون بالعبودية وقال ابن كيسان قائمون بالشهادة وأصل القنوت القيام قال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة طول القنوتهل القنوت خاص أم عام؟قال واختلفوا في حكم الآية فذهب جماعة إلى أن حكم الآية خاص قال مقاتل هو راجع إلى عزير والمسيح والملائكة وعن ابن عباس أنه قال هو راجع إلى أهل طاعته دون سائر الناسقال وذهب جماعة إلى أن حكم الآية عام في جميع الخلق لأن لفظ الكل يقتضي الإحاطة بالشيء بحيث لا يشذمنه شيء ثم سلكوا في الكفار طريقين قال مجاهد تسجد ظلالهم لله عز و جل على كره منهم قال تعالى وظلالهم بالغدو
والآصال سورة الرعد 15 وقال السدي هذا يوم القيامة دليله وعنت الوجوه للحي القيوم سورة طه 111 وقيل قانتون مذللون مسخرون لما خلقوا لهتعليق ابن تيميةقلت من قال بالخصوص فإنه قد ينظر إلى سبب الآية وهو أنهم قالوا اتخذ الله ولدا وهذا إنما قالوه في الملائكة والأنبياء كالمسيح والعزير فبين سبحانه أن الذين قيل فيهم إنه اتخذهم أولادا هم عباد قانتون له كما ذكر في الأنبياء وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون سورة الأنبياء 26 28 فإن الضمير في قوله وقالوا عائد على المشركين وهم إنما قالوا ذلك في الملائكة وأما المسيح وعزير فإنما قال ذلك فيهما أهل الكتاب وسياق الآية يبين ذلك فإنه قال وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق إلى قوله سبحانه بل عباد مكرمون سورة الأنبياء 16 26وقوله تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين وقوله لهوا قد فسر بالولد والمرأة وفسر باللعب فإن هذه الآية نظير قوله وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق الآية الدخان 38 39 ونظير قوله وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا الآية سورة ص 27 ونظير قوله وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل سورة الحجر 85 ومثله قوله تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا الآية سورة المؤمنون 115فقوله وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين سورة الأنبياء 16
فنزه نفسه أن يكون فعله كفعل اللاعب العابث الذي لا يقصد غاية محمودة يريد سوق الوسائل إليها فإن هذا فعل الجاد الذي يجيء بالحق كما قال إبراهيم لما آتاه الله رشده من قبل التوراة والقرآن إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين إلى قوله أم أنت من اللاعبين قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين سورة الأنبياء 52 56 فهو لما قال ما قال قالوا جئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين الآية 55 فالذي يأتي بالحق خلاف اللاعب فإنه يقصد أن يخبر بصدق ويأمر بما ينفع وهو العدل بخلاف اللاعب العابث فإنه ليس مقصوده هذا بل اللهو واللعبولهذا قد يشتم الإنسان على وجه اللعب ويفعل به أفعال منكرة فلا ينكر ذلك كما ينكره من الجاد المحق ولهذا كان عامة اللهو باطلا ليس له منفعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل لهو يلهو به الرجل لهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبة امرأته فإنه من الحق فالحق ضد الباطل واللهو باطل ولهذا تنزه سبحانه عن أن يخلقهما باطلاوما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين فاللاعب صاحب باطل لا صاحب حق ولهذا لما دخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده الأسود بن سريع ينشده فأسكته مرتين أو ثلاثا قال من هذا الذي تسكتني له قال هذا رجل لا يحب الباطل فإن عمر كان لا يحبه ولا يصبر على صاحبه والنبي
صلى الله عليه وسلم كان أحلم وأصبر من عمر فهو أيضا لا يحب الباطل لكنه يصبر ويحتمل منه ما لم يكن محرما ولكن هو لا منفعة فيه لفاعله فإذا فعله احتمله عليه فهذا بيان قول من فسر اللاعب بالعابث وله نظائروالذين فسروا بالولد والزوجة قالوا ذلك لأن من المشركين من جعل لله ولدا وصاحبة وقالوا إنه ضاهى الحق وهم يسمون المرأة لهوا والولد لهوا وقال ابن قتيبة أصل اللهو الجماع وكنى عنه باللهو كما كنى عنه بالسروالنبي صلى الله عليه وسلم قد يجعل ملاعبة الرجل امرأته من اللهو الذي ليس بباطل والرب تعالى منزه عن اللعب مطلقا فإن الذي يلاعب امرأته إنما يفعل ذلك لحاجته إلى المرأة وحكمة ذلك بقاء النسل والله تعالى منزه عن الولادة فتضمنت هذه الآية تنزيهه عن الخلق عبثا لا لحكمة فإن ذلك لعب وعبث وتضمنت تنزيهه عن أن يتخذ ما يلهى به كالمرأة والولد ولهذا بين بعد ذلك أنه إنما خلق ذلك بالحق وأنه منزه عن الأولاد وقال بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه واللهو كله باطل في حق الله تعالى وإن كان بعضه من الحق في حق العبادوهو سبحانه وتعالى قال لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا فإن ما يلهو به اللاهي يكون عنده لا يكون بعيدا عنه ونحن
خلقنا السماوات والأرض وما بينهما فكيف يكون هذا لعبا بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ثم قال وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون سورة الأنبياءي 19 20 ثم رد على من أشرك به ثم حكى قول المشركين الذين قالوا اتخذ الرحمن ولدا قال سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين سورة الأنبياء 26 29 فهذه صفة الملائكة والمسيح والعزير ونحوهما أيضا هم بهذه الصفة فإنهم عباد مكرمون قال تعالى عن المسيح إن هو إلا عبد أنعمنا عليه سورة الزخرف 59 وقال لن يستنكف المسيح أن يكن عبدا لله ولا الملائكة المقربون سورة النساء 172فلما قال تعالى في البقرة وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون والذين قالوا اتخذ الله ولدا جعله إما من الملائكة وإما من الآدميين كالمسيح والعزير فقوله تعالى كل له قانتون يبين أن هؤلاء الذين قيل فيهم إنهم أولاد هم عباد له مطيعون كما ذكر في الأنبياء وغيرها وكما قال قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا سورة الإسراء 56 57 فبين أن هؤلاء المعبودين هم يعبدون الله تعالى ومثله قوله قل لو كان معه
آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سورة الإسراء 42 على أصح القولينالقنوت عند ابن تيمية عامفهذا مأخذ من جعل الآية خاصة لكن يقال الآية لفظها عام والعموم مقصود منها كما هو مقصود من قوله سبحانه بل له ما في السموات والأرض ثم قال كل له قانتون فلما كان قوله ما في السموات وما في الأرض عاما تبين أن الجميع مملوك له والمملوك لا يكون ولدا وتبين أيضا أن كلهم له قانتون مطيعون عابدون والعابد المطيع لا يكون إلا مملوكا لا يكون ولداوأيضا فإنه قد ذكر القنوت في سورة الروم مجردا عن الولد فقال تعالى ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون سورة الروم 25 ثم قال وله من في السموات والأرض كل له قانتون وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم سورة الروم 26 27 فبين أن له ما في السماوات والأرض وأن كلا له قانتون وتخصيص هذا بمن قيل إنه ولد فاسد ظاهر الفساد وكذلك تخصيصه بالمؤمنين فإن هذا مذكور لبيان عموم الملك والاقتداء وخضوع المخلوقات كلها له فلو خص به المؤمنون لكان ذلك عكس المقصودوهو مثل قوله أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها سورة آل عمران 83 فهو سبحانه
يدعوهم إلى دين الإسلام ويبين أن كل ما في السماوات والأرض مسلم لله إما طوعا وإما كرها وإذا كان لا بد من أحدهما فالإسلام له طوعا هو الذي ينفع العبد فلا يجوز أن يتخذ غير هذا الدين دينا فإنه ذكر هذا في تقرير أن كل دين سوى الإسلام باطل فقال أفغير دين الله يبغون وذكر بعد ذلك ما يصير به العبد مسلما مؤمنا فقال قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين سورة آل عمران 84 85 ذكر عبادة الله وحده والإيمان برسله كلهم كما ذكر في سورة البقرة قال أبو العالية قوله فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون سورة الحجر 92 93 قال خصلتان يسأل عنهما كل أحد ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين وكذلك ذكر سجود من في السماوات والأرض له طوعا وكرها والسجود هو الخضوع وهو القنوتوأيضا فإذا كانت الصيغة عامة لم يجز أن يراد بها الخصوص إلا مع ما يبين ذلك فأما إذا جردت عن المخصصات فإنها لا تكون إلا عامة والآية عامة عموما مجردا بل مؤكدا بما يدل على العموم وأما تخصيص المؤمنين فهذا يكون إذا مدحوا بذلك أو ذكر جزاء الآخرة وليس المقصود هنا مدح المؤمنين بطاعته وإنما المقصود بيان قدرته وملكه وخضوع كل شيء له وأنه مع هذا وهذا يمتنع أن يكون له ولد مع خضوع كل شيء له وقنوته له ويقال في الركوع من التسبيح المأثور فيه سبحان من تواضع كل شيء لعظمته سبحان من ذل كل شيء لعزته سبحان من استسلم كل شيء لقدرته
بسم الله الرحمن الرحيموبه نستعين وبه القوةالحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين وسلم تسليمافصلفي قنوت الأشياء لله عز وجل وإسلامها وسجودها له وتسبحها لهالقنوت في القرآنفإن هذه الأربعة قد ذكرها الله تعالى في القرآن قال تعالى { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } [ سورة البقرة 116 117 ] وقال تعالى في سورة الروم { وله من في السموات والأرض كل له قانتون وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } [ سورة الروم 26 27 ]الإسلاموأما الإسلام فقال تعالى { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون } [ سورة آل عمران 83 ]السجودوأما السجود فقال تعالى { ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال } [ سورة الرعد 15 ] وقال { أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل
سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون } [ سورة النحل 48 49 ] وقال تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب سورة الحج 18التسبيحوأما التسبيح فقال تعالى تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا سورة الإسراء 44 وقال تعالى سبح لله ما في السموات وما في الأرض سورة الصف 1 سورة الحشر 1 في موضعين و سبح لله ما في السموات والأرض سورة الحديد 1 و يسبح لله ما في السموات وما في الأرض سورة الجمعة 1 سورة التغابن 1 في موضعين فخمس سور افتتحت بذكر تسبح ما في السموات وما في الأرض له وقال ألم تر أن الله يسبح له من فى السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه سورة النور 41فأما قوله تعالى وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه سورة البقرة 116 فهو نظير قوله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا سورة مريم 88 95 وقد قال تعالى قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون سورة يونس 68
وقال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون إلى قوله وهم من خشيته مشفقون سورة الأنبياء 26 29القنوت في اللغةوالقنوت في اللغة دوام الطاعة والمصلى إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده فهو قانت في ذلك كله قال تعالى أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه سورة الزمر 9 فجعله قانتا في حال السجود والقياموفي الحديث الصحيح سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل فقال طول القنوت ولم يرد به طول القيام فقط بل طول القيام والركوع والسجود كما كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت معتدلة إذا أطال القيام أطال الركوع والسجودوقال تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا سورة النحل 120 وقال تعالى فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حظف الله سورة النساء 34 وقال تعالى عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات سورة التحريم 5 وقال تعالى إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات سورة الأحزاب 35 وسمى إطالة القيام في الصلاة قنوتا لأنه يطيل فيه الطاعة ولو صلى قاعدا لقنت وهو قاعد وكذلك إذا صلى على جنب قنت وهو على جنب والقيام قبل الركوع يسمى أيضا قنوتا
قال ابن قتيبة لا أرى أصل القنوت إلا الطاعة لأن جميع الخلال من الصلاة والقيام فيها والدعاء وغير ذلك يكون عنهاوقال أبو الفرج قال الزجاج القنوت هو في اللغة بمعنيين أحدهما القيام والثاني الطاعة والمشهور في اللغة والإستعمال أن القنوت الدعاء في القيام فالقانت القائم بأمر الله ويجوز أن يقع في جميع الطاعات لأنه وإن لم يكن قياما على الرجلين فهو قيام بالنيةقلت هذا ضعيف لا يعرف في اللغة أن مجرد القيام يسمى قنوتا والرجل يقوم ماشيا وقائما في أمور ولا يسمى قانتا وهو في الصلاة يسمى قانتا لكونه مطيعا عابدا ولو قنت قاعدا ونائما سمي قانتا وقوله تعالى وقوموا لله قانتين سورة البقرة 238 يدل على أنه ليس هو القيام وإنما هو صفة في القيام يكون بها القائم قانتا وهذه الصفة تكون في السجود أيضا كما قال أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما
القنوت عند ابن تيمية هو الطاعةفقول القائل إن المشهور في اللغة أنه الدعاء في القيام إنما اخذه من كون هذا المعنى شاع في اصطلاح الفقهاء إذا تكلموا في القنوت والصلاة وهذا عرف خاص ومع هذا فالفقهاء يذكرون القنوت سواء صلى قائما أو قاعدا أو مضطجعا لكن لما كان الفرض ليس يصح أن يصليه إلا قائما وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم صار القنوت في القيام أكثر وأشهر وإلا فلفظ القنوت في القرآن واللغة ليس مشهورا في هذا المعنى بل ولا أريد به هذا المعنى ولا هو أيضا مشتركا بل اللفظ بمعنى الطاعة أو الطاعة الدائمة ولهذا يفسره المفسرون بذلكوقد روي في ذلك حديث مرفوع رواه ابن أبي حاتم من النسخة المصرية التي يروى منها الترمذي وغيره من حديث ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة
وفي تفسير ابن أبي طلحة عن ابن عباس فالصالحات قانتات سورة النساء 34 مطيعاتقال ابن أبي حاتم وروى عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك وعطاء وقتادة السدي مثل ذلكوروى عن مقاتل بن حيان قال مطيعات لله ولأزواجهن في المعروفوروى عن سعيد بن جبير في قوله والقانتين والقانتات قال يعني المطيعين والمطيعاتقال وروى عن قتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم مثل ذلك وروى بإسناده عن أبي العالية في قوله يا مريم اقنتي لربك سورة آل عمران 43 قال اركدي لربك وعن الأوزاعي قال ركدت في محرابها قائمة وراكعة وساجدة حتى نزل ماء الأصفر في قدميهاوعن الحسن أنه سئل عن قوله اقنتي لربك واسجدي قال يقول اعبدي لربكوعن ليث عن مجاهد قال كانت تقوم حتى تتورم قدماهاوقوله تعالى أمن هو قانت آناء الليل قال ابن أبي حاتم تقدم تفسير القانت في غير موضع القانت الذي يطيع الله ورسولهوروى عن أحمد بن سنان عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال القانت الذي يطيع الله ورسوله
فهذا تفسير السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم لألفاظ القنوت في القرآنفصلوكذلك فسروا القنوت في قوله بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون سورة البقرة 116 لكن تنوع كلامهم في طاعة المخلوقات كلها لما رأوا أن من الجن والإنس من يعصي أمر الله الذي بعث به رسله فذكر كل واحد نوعا من القنوت الذي يعم المخلوقاترواية ابن أبي حاتم أوجه تفسير لفظ القنوتقال ابن أبي حاتم اختلف في قوله كل له قانتون على أوجه وروى بإسناده الحديث المرفوع كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعةالوجه الأول الطاعةوروى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قانتون قال مطيعون يقول طاعة الكافر في سجوده سجود ظله وهو كارهوأيضا عن شريك عن خصيف عن مجاهد كل له قانتون قال مطيعون كن إنسانا فكان وقال كن حمارا فكان ففسرها مجاهد بالسجود طوعا وكرها وفسر الكره بسجوده ظله وفسرها أيضا بطاعة أمره الكوني وهو قوله إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون سورة يس 82 وهذا الأمر الكوني لا يخرج عنه أحد
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجروهذان الوجهان ذكرهما ابن الأنباري مع ذكره وجها آخر أنها خاصة قال أبو الفرج فإن قيل كيف عم بهذا القول وكثير من الخلق ليس له بمطيع ففيه ثلاثة أجوبهأحدها أن يكون ظاهرها العموم ومعناها معنى الخصوص والمعنى كل أهل الطاعة له قانتون والثاني أن الكفار تسجد ظلالهم لله بالغدو والآصال والعشيات فنسب القنوت إليهم بذلك والثالث أن كل مخلوق قانت له بأثر صنعه فيه وجرى أحكامه عليه فذلك دليل على إله كونه ذكرهن ابن الأنباريالوجه الثاني الصلاةقال ابن أبي حاتم الوجه الثاني حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا أسباط عن مطرف عن عطية عن ابن عباس قال قانتون مصلون
قلت وهذا من جنس وصفها بالسجود له والتسبيح قال تعالى ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه سورة النور 41 لكن قد يقال فالصلاة صلاة المخلوقات والمؤمنين ولم يرد أن الكافرين يصلون فتكون الآية خاصة ولهذا حكى عن ابن عباس أنه قال هي خاصةالوجه الثالث الإقرار بالعبوديةقال والوجه الثالث ثم روى بالإسناد المروي عن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة كل له قانتون قال مقرون بالعبودية قال وروى عن أبي مالك نحوهقلت وهذا إخبار عما فطروا عليه من الإقرار بأن الله ربهم كما قال وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى الآية سورة الأعراف 172 فإن هذه الآية بينه في إقرارهم وشهادتهم على أنفسهم بالمعرفة التي فطروا عليها أن الله ربهم وقال صلى الله عليه وسلم كل مولولد مولد على الفطرةوطائفة من العلماء جعلوا هذا الإقرار لما استخرجوا من صلب آدم وأنه أنطقهم وأشهدهم لكن هذا لم يثبت به خبر صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم والآية لا تدل عليه
وإنما الذي جاءت به الأحاديث المعروفة أنه استخرجهم وأراهم لآدم وميز بين أهل الجنة وأهل النار منهم فعرفوا من يومئذ هذا فيه مأثور من حديث أبي هريرة رواه الترمذي وغيره بإسناد جيد وهو أيضا من حديث عمر بن الخطاب الذي رواه أهل السنن ومالك في الموطأ وهو يصلح للإعتضادوأما إنطاقهم وإشهادهم فروى عن بعض السلف وقد روى عن أبي وابن عباس وبعضهم رواه مرفوعا من طريق ابن عباس وغيره وروى ذلك الحاكم في صحيحه لكن هذا ضعيف وللحاكم مثل هذا يروى أحاديث
موضوعة في صحيحه مثل حديث زريب بن برثملي وهامة بن الهيم وغير ذلك وبسط هذا له موضع آخر
لكن كون الخلق مفطورين على الإقرار بالخالق أمر دل عليه الكتاب والسنة وهو معروف بدلائل العقول كما قد بسط في مواضع وبين أن الإقرار بالخالق فطري ضروري في جبلات الناس لكن من الناس من فسدت فطرته فاحتاج إلى دواء بمنزلة السفسطة التي تعرض لكثير من الناس في كثير من المعارف الضرورية كما قد بسط في غير هذا الموضعوهؤلاء يحتاجون إلى النظر وهذا الذي عليه جمهور الناس أن أصل المعرفة قد يقع ضروريا فطريا وقد يحتاج فيه إلى النظر والإستدلالوكثير من أهل الكلام يقول إنه لا يجوز أن تقع المعرفة ضرورية بل لا تقع إلا بنظر وكسب قالوا لأنها لو وقعت ضرورة لارتفع التكليف والإمتحان ومنهم من ادعى انتفاء ذلك في الواقع وهذا ضعيف لأن الإمتحان والتكليف الذي جاءت به الرسل كان بأن يعبدوا الله وحده لا يشركون به إلى هذا دعا عامة الرسل ومن كان من الناس جاحدا دعوه إلى الإعتراف
بالصانع كفرعون ونحوه مع أنه كان في الباطن عارفا وإنما جحد ظلما وعلوا كما قال تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا سورة النمل 14 وقال له موسى لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر سورة الإسراء 102وخاتم الرسل دعا الناس إلى الشهادتين فقال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وقال لمعاذ في الحديث الصحيح إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوا لك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهمولهذا قالت الرسل لقومهم ما أخبر الله تعالى به في قوله عز و جل ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم إلى قوله وعلى الله فليتوكل المؤمنون سورة إبراهيم 9 11
وأيضا فإن المعارف لا بد أن تنتهي إلى مقدمات ضرورية وهم لا يؤمرون بتحصيل الحاصل بل يؤمرون بالعمل بموجبها وبعلوم أخرى يكتسبونها بهاوأيضا فإن أكثر الناس غافلون عما فطروا عليه من العلم فيذكرون بالعلم الذي فطروا عليه وأصل الإقرار من هذا الباب ولهذا توصف الرسل بأنهم يذكرون ويصف الله تعالى آياته بأنها تذكرة وتبصرة كما في قوله تبصرة وذكرى لكل عبد منيب سورة ق 8فإذا كان من المعارف ما هو ضروري بالاتفاق ولم يكن ذلك مانعا من الأمر والنهي إما بتذكرة وإما بالإستدلال فيؤمر الناس تارة بالتذكرة وتارة بالتبصرة ثم يؤمر الناس أن يقروا بما علموه ويشهدوا به فلا يعاندوه ولا يجحدوه وأكثر الكفار جحدوا ما علموهوالإعتراف بالحق الذي يعلم والشهادة به والخضوع لصاحبه لا بد منه في الإيمان وإبليس وفرعون وغيرهما كفروا للعناد والإستكبار كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابهولكن الجهمية لما ظنت أن مجرد معرفة القلب هي الإيمان أرادوا أن يجعلوا ذلك مكتسبا وزعموا أن من كفره الشرع كإبليس وفرعون لم يكن في قلبه من الإقرار شيء كما زعموا أنه يمكن أن يقوم بقلب العبد إيمان تام مع كونه يعادي الله ورسوله ويسب الله ورسوله في الظاهر من غير إكراه
ولهذا كفر وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة من قال بقولهم كما هو مبسوط في مواضعهوالمقصود هنا بيان قول من قال من السلف كعكرمة وأبي مالك كل له قانتون أي مقرون له بالعبوديةالوجه الرابع القيام يوم القيامةقال ابن أبي حاتم والوجه الرابع ثم روى بإسناده المعروف عن الربيع بن أنس كل له قانتون قال كل له قائم يوم القيامةالوجه الخامس قول الإخلاصوالخامس ثم روى بإسناده من حديث عبد الله بن المبارك عن شريك عن سالم عن سعيد بن جبير كل له قانتون بقول الإخلاصقلت وهذا إن أراد به اعترافهم بأنه ربهم وأنهم إذا اضطروا دعوا الله
مخلصين له الدين فهو من جنس قول عكرمة وإلا فالإخلاص الذي أمروا به وهو أن يعبدوا الله مخلصين له الدين إنما قام به المؤمنون وهذا إنما يكون على قول من يزعم أن الآية خاصة ولم يذكر ابن أبي حاتم هذا صريحا عن أحد من السلف إلا أن يتأول على ذلك قول ابن عباس أو قول سعيدأقوال المفسرينهذا ولم يذكر أبو الفرج هذا عن أحد من السلف لم يذكره إلا فيما تقدم عن ابن الأنباري بل قال وللمفسرين في المراد بالقنوت ههنا ثلاثة أقوال أحدها أنه الطاعة قاله ابن عباس وابن جبير ومجاهد وقتادة والثاني الإقرار بالعبادة قاله عكرمة والسدي والثالث القيام قاله الحسن والربيعقال وفي معنى القيام قولان أحدهما أنه القيام له بالشهادة بالعبودية والثاني أنه القيام بين يديه يوم القيامةلكن طائفة من المفسرين ذكروا عن المفسرين قولين كالثعلبي والبغوي وغيرهما قالوا واللفظ للبغوي كل له قانتون قال مجاهد وعطاء والسدي مطيعون وقال عكرمة ومقاتل مقرون بالعبودية وقال ابن كيسان قائمون بالشهادة وأصل القنوت القيام قال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة طول القنوتهل القنوت خاص أم عام؟قال واختلفوا في حكم الآية فذهب جماعة إلى أن حكم الآية خاص قال مقاتل هو راجع إلى عزير والمسيح والملائكة وعن ابن عباس أنه قال هو راجع إلى أهل طاعته دون سائر الناسقال وذهب جماعة إلى أن حكم الآية عام في جميع الخلق لأن لفظ الكل يقتضي الإحاطة بالشيء بحيث لا يشذمنه شيء ثم سلكوا في الكفار طريقين قال مجاهد تسجد ظلالهم لله عز و جل على كره منهم قال تعالى وظلالهم بالغدو
والآصال سورة الرعد 15 وقال السدي هذا يوم القيامة دليله وعنت الوجوه للحي القيوم سورة طه 111 وقيل قانتون مذللون مسخرون لما خلقوا لهتعليق ابن تيميةقلت من قال بالخصوص فإنه قد ينظر إلى سبب الآية وهو أنهم قالوا اتخذ الله ولدا وهذا إنما قالوه في الملائكة والأنبياء كالمسيح والعزير فبين سبحانه أن الذين قيل فيهم إنه اتخذهم أولادا هم عباد قانتون له كما ذكر في الأنبياء وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون سورة الأنبياء 26 28 فإن الضمير في قوله وقالوا عائد على المشركين وهم إنما قالوا ذلك في الملائكة وأما المسيح وعزير فإنما قال ذلك فيهما أهل الكتاب وسياق الآية يبين ذلك فإنه قال وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق إلى قوله سبحانه بل عباد مكرمون سورة الأنبياء 16 26وقوله تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين وقوله لهوا قد فسر بالولد والمرأة وفسر باللعب فإن هذه الآية نظير قوله وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق الآية الدخان 38 39 ونظير قوله وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا الآية سورة ص 27 ونظير قوله وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل سورة الحجر 85 ومثله قوله تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا الآية سورة المؤمنون 115فقوله وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين سورة الأنبياء 16
فنزه نفسه أن يكون فعله كفعل اللاعب العابث الذي لا يقصد غاية محمودة يريد سوق الوسائل إليها فإن هذا فعل الجاد الذي يجيء بالحق كما قال إبراهيم لما آتاه الله رشده من قبل التوراة والقرآن إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين إلى قوله أم أنت من اللاعبين قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين سورة الأنبياء 52 56 فهو لما قال ما قال قالوا جئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين الآية 55 فالذي يأتي بالحق خلاف اللاعب فإنه يقصد أن يخبر بصدق ويأمر بما ينفع وهو العدل بخلاف اللاعب العابث فإنه ليس مقصوده هذا بل اللهو واللعبولهذا قد يشتم الإنسان على وجه اللعب ويفعل به أفعال منكرة فلا ينكر ذلك كما ينكره من الجاد المحق ولهذا كان عامة اللهو باطلا ليس له منفعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل لهو يلهو به الرجل لهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبة امرأته فإنه من الحق فالحق ضد الباطل واللهو باطل ولهذا تنزه سبحانه عن أن يخلقهما باطلاوما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين فاللاعب صاحب باطل لا صاحب حق ولهذا لما دخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده الأسود بن سريع ينشده فأسكته مرتين أو ثلاثا قال من هذا الذي تسكتني له قال هذا رجل لا يحب الباطل فإن عمر كان لا يحبه ولا يصبر على صاحبه والنبي
صلى الله عليه وسلم كان أحلم وأصبر من عمر فهو أيضا لا يحب الباطل لكنه يصبر ويحتمل منه ما لم يكن محرما ولكن هو لا منفعة فيه لفاعله فإذا فعله احتمله عليه فهذا بيان قول من فسر اللاعب بالعابث وله نظائروالذين فسروا بالولد والزوجة قالوا ذلك لأن من المشركين من جعل لله ولدا وصاحبة وقالوا إنه ضاهى الحق وهم يسمون المرأة لهوا والولد لهوا وقال ابن قتيبة أصل اللهو الجماع وكنى عنه باللهو كما كنى عنه بالسروالنبي صلى الله عليه وسلم قد يجعل ملاعبة الرجل امرأته من اللهو الذي ليس بباطل والرب تعالى منزه عن اللعب مطلقا فإن الذي يلاعب امرأته إنما يفعل ذلك لحاجته إلى المرأة وحكمة ذلك بقاء النسل والله تعالى منزه عن الولادة فتضمنت هذه الآية تنزيهه عن الخلق عبثا لا لحكمة فإن ذلك لعب وعبث وتضمنت تنزيهه عن أن يتخذ ما يلهى به كالمرأة والولد ولهذا بين بعد ذلك أنه إنما خلق ذلك بالحق وأنه منزه عن الأولاد وقال بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه واللهو كله باطل في حق الله تعالى وإن كان بعضه من الحق في حق العبادوهو سبحانه وتعالى قال لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا فإن ما يلهو به اللاهي يكون عنده لا يكون بعيدا عنه ونحن
خلقنا السماوات والأرض وما بينهما فكيف يكون هذا لعبا بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ثم قال وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون سورة الأنبياءي 19 20 ثم رد على من أشرك به ثم حكى قول المشركين الذين قالوا اتخذ الرحمن ولدا قال سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين سورة الأنبياء 26 29 فهذه صفة الملائكة والمسيح والعزير ونحوهما أيضا هم بهذه الصفة فإنهم عباد مكرمون قال تعالى عن المسيح إن هو إلا عبد أنعمنا عليه سورة الزخرف 59 وقال لن يستنكف المسيح أن يكن عبدا لله ولا الملائكة المقربون سورة النساء 172فلما قال تعالى في البقرة وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون والذين قالوا اتخذ الله ولدا جعله إما من الملائكة وإما من الآدميين كالمسيح والعزير فقوله تعالى كل له قانتون يبين أن هؤلاء الذين قيل فيهم إنهم أولاد هم عباد له مطيعون كما ذكر في الأنبياء وغيرها وكما قال قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا سورة الإسراء 56 57 فبين أن هؤلاء المعبودين هم يعبدون الله تعالى ومثله قوله قل لو كان معه
آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سورة الإسراء 42 على أصح القولينالقنوت عند ابن تيمية عامفهذا مأخذ من جعل الآية خاصة لكن يقال الآية لفظها عام والعموم مقصود منها كما هو مقصود من قوله سبحانه بل له ما في السموات والأرض ثم قال كل له قانتون فلما كان قوله ما في السموات وما في الأرض عاما تبين أن الجميع مملوك له والمملوك لا يكون ولدا وتبين أيضا أن كلهم له قانتون مطيعون عابدون والعابد المطيع لا يكون إلا مملوكا لا يكون ولداوأيضا فإنه قد ذكر القنوت في سورة الروم مجردا عن الولد فقال تعالى ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون سورة الروم 25 ثم قال وله من في السموات والأرض كل له قانتون وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم سورة الروم 26 27 فبين أن له ما في السماوات والأرض وأن كلا له قانتون وتخصيص هذا بمن قيل إنه ولد فاسد ظاهر الفساد وكذلك تخصيصه بالمؤمنين فإن هذا مذكور لبيان عموم الملك والاقتداء وخضوع المخلوقات كلها له فلو خص به المؤمنون لكان ذلك عكس المقصودوهو مثل قوله أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها سورة آل عمران 83 فهو سبحانه
يدعوهم إلى دين الإسلام ويبين أن كل ما في السماوات والأرض مسلم لله إما طوعا وإما كرها وإذا كان لا بد من أحدهما فالإسلام له طوعا هو الذي ينفع العبد فلا يجوز أن يتخذ غير هذا الدين دينا فإنه ذكر هذا في تقرير أن كل دين سوى الإسلام باطل فقال أفغير دين الله يبغون وذكر بعد ذلك ما يصير به العبد مسلما مؤمنا فقال قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين سورة آل عمران 84 85 ذكر عبادة الله وحده والإيمان برسله كلهم كما ذكر في سورة البقرة قال أبو العالية قوله فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون سورة الحجر 92 93 قال خصلتان يسأل عنهما كل أحد ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين وكذلك ذكر سجود من في السماوات والأرض له طوعا وكرها والسجود هو الخضوع وهو القنوتوأيضا فإذا كانت الصيغة عامة لم يجز أن يراد بها الخصوص إلا مع ما يبين ذلك فأما إذا جردت عن المخصصات فإنها لا تكون إلا عامة والآية عامة عموما مجردا بل مؤكدا بما يدل على العموم وأما تخصيص المؤمنين فهذا يكون إذا مدحوا بذلك أو ذكر جزاء الآخرة وليس المقصود هنا مدح المؤمنين بطاعته وإنما المقصود بيان قدرته وملكه وخضوع كل شيء له وأنه مع هذا وهذا يمتنع أن يكون له ولد مع خضوع كل شيء له وقنوته له ويقال في الركوع من التسبيح المأثور فيه سبحان من تواضع كل شيء لعظمته سبحان من ذل كل شيء لعزته سبحان من استسلم كل شيء لقدرته
Inscription à :
Articles (Atom)
