el bassaire

jeudi 19 février 2009

رسالة في دخول الجنةهل يدخل أحد الجنة بعملهأم ينقضه قوله صلى الله عليه وسلملا يدخل أحد الجنة بعمله


بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلمسئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية عن قوله تعالى ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون سورة الأعراف 43 هل يدخل أحد الجنة بعمله أم ينقضه قوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل أحد الجنة بعمله قيل ولا أنت قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمتهالجوابالحمد للهالمثبت في القرآن ليس هو المنفي في السنةلا مناقضة بين ما جاء به القرآن وما جاءت به السنة إذ المثبت في القرآن ليس هو المنفي في السنة والتناقض إنما يكون إذا كان المثبت هو المنفي وذلك أن الله تعالى قال تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون وقال كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية سورة الحاقة 24 وقال أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون سورة السجدة 19 وقال وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون سورة الواقعة 22 24العمل سبب للثوابفبين بهذه النصوص أن العمل سبب للثواب والباء للسبب كما في مثل قوله تعالى فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات سورة الأعراف 57 وقوله وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها سورة البقرة 164 ونحو ذلك مما يبين به الأسباب
ولا ريب أن العمل الصالح سبب لدخول الجنة والله قدر لعبده المؤمن وجوب الجنة بما ييسره له من العمل الصالح كما قدر دخول النار لمن يدخلها بعمله السيء كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار قالوا يا رسول الله أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل قال لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسره لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسره لعمل أهل الشقاوة وقال إن الله خلق للجنة أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم وبعمل أهل الجنة يعملون وخلق للنار أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم وبعمل أهل النار يعملونالسبب لا يستقل بالحكموإذا عرف أن الباء هنا للسبب فمعلوم أن السبب لا يستقل بالحكم فمجرد نزول المطر ليس موجبا للنبات بل لا بد من أن يخلق الله أمورا أخرى ويدفع عنه الآفات المانعة فيربيه بالتراب والشمس والريح ويدفع عنه ما يفسده فالنبات محتاج مع هذا السبب إلى فضل من الله أكبر منهوأما قوله صلى الله عليه وسلم لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل
فإنه ذكره في سياق أمره لهم بالإقتصاد قال سددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخل الجنة بعملهوقال إن هذا الدين متين وإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدجلة والقصد تبلغواليس جزاء الله على سبيل المعاوضةفنفى بهذا الحديث ما قد تتوهمه النفوس من أن الجزاء من الله عز و جل على سبيل المعاوضة والمقابلة كالمعاوضات التي تكون بين الناس في الدنيا
فإن الأجير يعمل لمن استأجره فيعطيه أجره بقدر عمله على طريق المعاوضة إن زاد أجرته وإن نقص نقص أجرته وله عليه أجرة يستحقها كما يستحق البائع الثمن فنفى صلى الله عليه وسلم أن يكون جزاء الله وثوابه على سبيل المعاوضة والمقابلة والمعادلةوالباء هنا كالباء الداخلة في المعاوضات كما يقال استأجرت هذا بكذا وأخذت أجرتي بعمليغلط من توهم ذلك من وجوهوكثير من الناس قد يتوهم ما يشبه هذا وهذا غلط من وجوهالأولأحدها أن الله تعالى ليس محتاجا إلى عمل العباد كما يحتاج المخلوق إلى عمل من يستأجره بل هو سبحانه كما قال في الحديث الصحيح إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضرونيوالعباد إنما يعملون لأنفسهم كما قال تعالى لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت سورة البقرة 286 وقال تعالى من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها سورة فصلت 46 وقال إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم سورة الزمر 7 وقال تعالى ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم سورة النمل 40
وقال تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين سورة آل عمران 97وأما العباد فإنهم محتاجون إلى من يستعملون لجلب منفعة أو دفع مضرة ويعطونه أجرة نفعه لهمالثانيالثاني أن الله هو الذي من على العامل بأن خلقه أولا وأحياه ورزقه ثم بأن أرسل إليه الرسل وأنزل إليه الكتب ثم بأن يسر له العمل وحبب إليه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيانوالمخلوق إذا عمل لغيره لم يكن المستعمل هو الخالق لعمل أجيره فكيف يتصور أن يكون للعبد على الله عوض وهو خلقه وأحدثه وأنعم على العبد به وهل تكون إحدى نعمتيه عوضا عن نعمته الأخرى وهو ينعم بكلتيهماالثالثالوجه الثالث أن عمل العبد لو بلغ ما بلغ ليس هو مما يكون ثواب الله مقابلا له ومعادلا حتى يكون عوضا بل أقل أجزاء الثواب يستوجب أضعاف ذلك العملالرابعالرابع أن العبد قد ينعم ويمتع في الدنيا بما أنعم الله به عليه مما يستحق بإزائه أضعاف ذلك العمل إذا طلبت المعادلة والمقابلة وإذا كان كذلك لم يبالغوا في الاجتهاد مبالغة من يضره الاجتهاد كالمنبت الذي لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وزال عنهم العجب وشهدوا إحسان الله بالعمل
الخامسالخامس أن العباد لا بد لهم من سيئات ولا بد في حياتهم من تقصير فلولا عفو الله لهم عن السيئات وتقبله أحسن ما عملوا لما استحقوا ثوابا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم من نوقش الحساب عذب قالت عائشة يا رسول الله أليس الله يقول فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا سور الإنشقاق 7 8 قال ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذبولهذا جاء في حديث الشفاعة الصحيح إذا طلبت الشفاعة من أفضل الخلق آدم ونوح وإبراهيم وموسى واعتذر كل منهم بما فعل قال لهم عيسى اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخرولهذا قال في الحديث لما قيل له ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بعفوه فتبين بهذا الحديث أنه لا بد من عفو الله وتجاوزه عن العبد وإلا فلو ناقشه على عمله لما استحق به الجزاء قال الله تعالى أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة سورة الأحقاف 16 وقال تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون إلى قوله ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون سورة الزمر 33 35

وإذا تبين ذلك أفاد هذا الحديث ألا يعجب العبد بعمله بل يشهد نعم الله عليه وإحسانه إليه في العمل وأنه لا يستكثر العمل فإن عمله لو بلغ ما بلغ إن لم يرحمه الله ويعف عنه ويتفضل عليه لم يستحق به شيئا وأنه لا يكلف من العمل ما لا يطيق ظانا أنه يزداد بذلك أجره كما يزداد أجر الأجير الذي يعمل فوق طاقته فإن ذلك يضره إذ المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقىوأحب العمل ما داوم عليه صاحبه فإن الأعمال بالخواتيم بخلاف عمل الأجراء في الدنيا فإن الأجرة تتقسط على المنفعة فإذا عمل بعض العمل استحق من الأجرة بقدر ما عمل ولو لم يعمل إلا قليلا فمن ختم له بخير استحق الثواب وكفر الله بتوبته سيئاته ومن ختم له بكفر أحبطت ردته حسناته فلهذا كان العمل الذي داوم عليه صاحبه إلى الموت خيرا ممن أعطى قليلا ثم أكدى وكلف نفسه ما لا يطيق كما يفعله كثير من العمالفقوله صلى الله عليه وسلم سددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخل الجنة بعمله ينفي المعاوضة والمقابلة التي يولد اعتقادها هذه المفاسدوقوله بما كنتم تعملون يثبت السبب الموجب لأن يفعله العبد ولهذا قال بعضهم اعمل وقدر أنك لم تعمل وقال آخر لا بد منك وبك وحدك لا يجيء شيءلا بد من العمل ومن رجاء رحمة اللهفلا بد من العمل المأمور به ولا بد من رجاء رحمة الله وعفوه وفضله وشهود العبد لتقصيره ولفقره إلى فضل ربه وإحسان ربه إليهوقد قال سفيان بن عيينة كانوا يقولون ينجون من النار بالعفو ويدخلون الجنة بالرحمة ويتقاسمون المنازل بالأعمال
فنبه على أن مقادير الدرجات في الجنه تكون بالأعمال وأن نفس الدخول هو بالرحمة فإن الله قد يدخل الجنة من ينشئه لها في الدار الآخرة بخلاف النا رفإنه أقسم أن يملأها من إبليس وأتباعهالله يدخل الجنة بالعمل وبغيره من الأسبابلكن مع هذا فالعمل الصالح في الدنيا سبب للدخول والدرجة وإن كان الله يدخل الجنة بدون هذا السبب كما يدخل الأبناء تبعا لآبائهم وليس كل ما يحصل بسبب لا يحصل بدونه كالموت الذي يكون بالقتل ويكون بدون القتل ومن فهم أن السبب لا يوجب المسبب بل لا بد أن يضم الله إليه أمورا أخرى وأن يدفع عنه آفات كثيرة وأنه قد يخلق المسبب بدون السبب انفتح له حقيقة الأمر من هذا وغيره والله تعالى أعلمآخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليم كثيرا
رسالة في الجواب عمن يقول إن صفات الرب نسب وإضافات وغير ذلك
سؤال عمن يقول إن صفات الرب نسب وإضافات وغير ذلكبسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماأما بعد فهذا فصل مختصر من سؤال سئل عنه شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالىنص السؤالما يقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين فيمن قال إن صفات الرب لا تتعدد ولا ينفصل بعضها عن بعض إلا في مراتب العبارات وموارد الإشارات فإذا أضيف علمه إلى الإطلاع على ضمير الصغير والكبير يقال بصير وإذا ابتدر منه الرزق يقال رزاق وإذا أفاض من مكنونات علمه على قلب أحد من الناس بأسرار إلاهيته ودقائق جبروت ربوبيته يقال متكلم وليس بعضه آلة السمع وبعضه آلة البصر وبعضه آلة الكلام بل كله بكلية ذاته لا يشغله شيء عن شيءفهل هذا القول صواب أم لا أفتونا مأجورينالجوابهذه مقالة المتفلسفة والقرامطة والاتحاديةالحمد لله رب العالمين ليس هذا القول صوابا وإن كان بعضه صوابا بل هذا القول قرع باب الإلحاد وتوطئه سبيل الإتحاد فإن هذا القول هو قول غلاة نفاة الصفات الجهمية من متفلسف وقرمطي واتحادي ونحوهم وليس
هو قول المعتزلة والنجارية والضرارية والشيعة ونحوهم ممن يقول القرآن مخلوق بل هو شر من قول هؤلاء فإن هؤلاء متفقون على أنه خلق في غيره كلاما وأنه متكلم بذلك الذي خلقه في غيره وأن موسى والملائكة يسمعون ذلك الكلام المخلوق الذي هو كلام الله عند هؤلاء المبتدعةقالوا إنه لا يكون متكلما إلا بكلام يقوم به وإن الكلام إذا قام بمحل كان صفة لذلك المحل لا لغيره كسائر الصفات من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ونحوه فيقال عالم وقادر وسميع وبصير ونحو ذلكرد السلف عليهمولهذا قال من قال من السلف من قال إنني أنا الله لا إله إلا أنا سورة طه 14 مخلوق فهو بمنزلة من صدق فرعون في قوله
أنا ربكم الأعلى سورة النازعات 24 لأنه لو كان قوله إنني أنا الله لا إله إلا أنا مخلوقا لكان كلاما للمحل الذي خلق فيه إما الشجرة وإما الهواء فيكون الشجرة أو الهواء هو القائل إنني أنا الله ومن جعل هذا ربا فهو بمنزلة من جعل فرعون ربا وإن كان الله خالق ذلك الكلام في الشجرة والهواء فقد ثبت بالحجة أنه خالق أفعال العباد وأنه أنطق كل شيء فكل ناطق في الوجود هو أنطقه وخلق نطقه فيجب أن يكون كل نطق في الوجود كلامه حتى قول فرعون أنا ربكم الأعلى وحينئذ فلا فرق بين قوله إنني أنا الله وبين خلقه على لسان فرعون أنا ربكم الأعلىوهذا اللازم تفر منه المعتزلة وغيرهم إذ هم لا يقرون بأن الله خالق أفعال العباد لكن يلزمهم بالحجة ما يخلقه الله من الكلام مثل إنطاق الجلود وتسبيح الحصى وتسليم الحجر عليه السلام وشهادة الألسنة والأيدي والأرجل فإن هذا ليس من أفعال العباد بل ذلك خلق الله فيلزمهم أن يقولوا ذلك كله كلام الله وهو باطل وهم لا يلتزمونهوإنما التزم مثل هذا الإتحادية والحلولية الذين يقولون إنه وجود المخلوقات أو هو سار في جميع المخلوقات كما قال قائلهم وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه
ومن هؤلاء من يفرق بين قول الحلاج وأمثاله أنا الحق وبين قول فرعون أنا ربكم الأعلى بأن الحلاج وأمثاله قالوا ذلك وهم فانون فالحق نطق على ألسنتهم لغيبتهم عن شهود أنفسهم وأما فرعون وأمثاله ممن هم في شهود أنفسهم فقالوه مع رؤيتهم أنفسهم وحاصله أن الله تعالى هو الذي نطق على لسان الحلاج وأمثالهوهذا شر من قول من يقول القرآن مخلوق خلقه الله في الهواء ونحوه لأن الجماد ليس له نطق يضاف إليه فوجود الكلام فيه شبهة توجب جعله كلاما لغيره أما الإنسان الحي إذا وجد منه مثل هذا الكلام مضافا إلى نفسه وجعل المتكلم به هو الله فهذا صريح بحلول الحق فيه واتحاده به كما تقوله النصارى في المسيحومعلوم أن النصارى أكفر من المعتزلة ومعلوم بالإضطرار من العقل والدين أن الله لم يتكلم على لسان بشر كما يتكلم الجنى على لسان المصروع ولكن يبعث الرسل فيبلغون كلامه والمرسل يقول لرسوله قل على لساني كذا ويقول كلامي على لسان رسولي فلان أي كلامي الذي بلغه عنيومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قال على لسان نبيه سمع الله لمن حمده أي هذا من الكلام الذي بلغه الرسول عن الله كما قال تعالى
فإنما يسرناه بلسانك سورة الدخان 57 كما يقول المرسل قد قلت لكم على لسان رسولي فلان كذا وكذاوهذا كما أن القول يضاف إلى الرسول لأنه بلغه وأداه فيضاف إلى جبريل تارة وإلى محمد صلى الله عليه وسلم أخرى كما قال في آية إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون سورة المائدة 40 42 فهذا محمد وقال في الآية الأخرى إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين سورة التكوير 19 21 فهذا جبريلوأما جمهور العلماء من أهل الفقه والحديث والتصوف والكلام فطردوا الدليل وأثبتوا لله صفات فعلية تقوم بذاته وهذا هو المعلوم الذي دل عليه العقل واللغة والشرعالناس في الصفات ثلاث مراتبفالناس ثلاث مراتب منهم من نفى قيام الصفات والأفعال به كالمعتزلة ومنهم من أثبت قيام الصفات به دون الأفعال كالكلابية ومنهم من أقر بقيام الصفات والأفعال وهم جمهور الأمة كما ذكرته الحنفية في كتبهم وكما ذكره
البغوي وغيره من أصحاب الشافعي عن أهل السنة وكما ذكره أبو إسحاق ابن شاقلا وأبو عبد الله بن حامد والقاضي أبو يعلى في آخره قوليه وابنه أبو الحسين وغيرهم من أصحاب أحمد وذكره أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي عن الصوفية في كتاب التعرف في مذاهب التصوف وذكره من ذكره من أئمة المالكية وذهب إليه طوائف من أهل الكلام من المرجئة
والشيعة والكرامية وذهب إليه جمهول أهل الحديثمقالة أهل السنة في كلام اللهوالمقصود هنا أن الجهمية من المعتزلة ونحوهم الذين قالوا القرآن مخلوق وقد عرف مقالات السلف في تكفيرهم وتضليلهم هم خير قولا من أصحاب هذا القول المذكور في السؤال القائلين إذا فاض من مكنونات علمه على قلب أحد من الناس بأسرار إلاهيته ودقائق جبروت ربوبيته يقال متكلم فإن هذا قول من لا يجعل لله كلاما قائما به كما يقوله الذين يقولون إنه خلق كلاما بائنا منه وقد قال الإمام أحمد كلام الله من الله ليس بائنا منه والقرآن الذي أنزله هو كلامه لا كلام غيره إذ الكلام كلام من قاله مبتدئا لا كلام من قاله مبلغا مؤديا
ولهذا قال السلف والأئمة القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود فقولهم منه بدأ نبهوا به على مخالفة الجهمية الذين قالوا إنه خلقه في غيره منفصلا عنه فقال أهل السنة منه بدأ لم يبتدىء من غيره من الموجودات كما قال تعالى وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم سورة النمل 6 وقال ولكن حق القول مني سورة السجدة 13 وقال كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير سورة هود 1 ولا نجعل لله كلاما مخلوقا في غيره منفصلا عنه كما قالته المعتزلة ونحوهم من الجهميةفإن هؤلاء وإن كان قولهم من أعظم القول فريةوظلالا فهو أقل كفرا وضلالا من قول أهل القول المسئول عنه القائلين إذا فاض من مكنون علمه على قلب أحد من الناس فإن هؤلاء لم يجعلوه متكلما إلا بما جعله في القلوب من العلممقالة الفلاسفة في كلام اللهوهذا في الأصل قول المتفلسفة والصابئة ونحوهم الذين لا يجعلون لله كلاما إلا ما أفاضه على قلوب العباد من العلوم والمعارف ويجعلون تكليمه للعباد نوع تعريف يعرفهم به الأمور ويقولون إنه تتشكل في نفس الشيء أشكال نورانية هي ملائكة الله عندهم وأصوات قائمة بنفسه هي كلام الله عندهم ويزعمون أن تكليم الله لموسى هو من هذا الباب إنما هو فيض فاض عليه من العقل الفعال أو من غيره وقد يجعلون العقل الفعال هو جبريل وليس التكليم عندهم مختصا بأحد ولكنه يفيض بحسب استعداد النفوس
وعلى قولهم فجميع الخلق يكلمهم تكليما كما كلم موسى وكل كلام صادق تكلم به ذو نفس صافية فهو كلام الله كما أن القرآن كلام الله فيلزمه أن كل ما تكلم به الأنبياء فمن دونهم من الخبر الصادق والأمر بالخير هو كلام الله وأن ذلك كله من نوع القرآن وأن يكون القرآن كلام البشر ولا فرق عندهم بين قول البشر وقول الله بل يلزمهم أن جميع ما يتكلم به البشر كلام الله من أجل أن ذلك يفيض على قلوب البشر حتى الكذب والكفر فإن جهة الإفاضة واحدة في الجميع وكل ما يلزم القائلين بأن القرآن مخلوق يلزم هؤلاء وزيادة فإن أولئك يجعلونه مخلوقا خارجا عن نفس النبي وهؤلاء لا يجعلون له محلا إلا نفس النبيمتابعة الغزالي للفلاسفةوهذا القول هو قول المتفلسفة ووقع فيه طوائف من المنتسبين إلى الملل من اليهود والنصارى ومن المنتسبين إلى المسلمين ممن خلط الفلسفة بالتصوف مثل أهل الكلام المسئول عنه وأمثاله ومثل ما وقع لأبي حامد في كتاب المضنون به على غير أهله الأول والثاني ونحو ذلك من المصنفات مثل مشكاة الأنوار ومسائل النفخ والتسوية وكيمياء السعادة وجواهر القرآن
وما يشير إليه أحيانا في الإحياء وغيره فإنه كثيرا ما يقع في كلامه ما هو مأخوذ من كلام الفلاسفة ويخلطه بكلام الصوفية أو عباراتهم فيقع فيه كثير من المتصوفة الذين لا يميزون بين حقيقة دين الإسلام وبين ما يخالفه من الفلسفة الفاسدة وغيرها لا سيما إذا بني على ذلك واتبعت لوازمه فإنه يفضي إلى قول ابن سبعين وابن عربي صاحب الفصوص وأمثالهما ممن يقول بمثل هذا الكلام وحقيقة مذهبهم يؤول إلى التعطيل المحض وأنه ليس للعالم رب مباين له بل الخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالقمقالة ابن عربي في الفصوصكما قال صاحب الفصوص ومن أسمائه الحسنى العلي على من وما تم إلا هو أو عن ماذا وما هو إلا هو فعلوه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هوإلى أن قال فهو الأول والآخر والظاهر والباطن فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره وما ثم من يراه غيره وما ثم يبطن عنه سواه فهو ظاهر لنفسه باطن عنه وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثاتإلى أن قال ومن عرف ما قررناه في الأعداد وأن نفيها عين
إثباتها علم أن الأمر الخالق المخلوق وأن الأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة لا بل هو العين الواحدة وهوالعيون الكثيرة فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر سورة الصافات 102 فالولد عين أبيه فما رأى يذبح سوى نفسه وفداه بذبح عظيم فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان وظهر بصورة ولد من هو عين الوالد وخلق منها زوجها سورة النساء 1 فما نكح سوى نفسهإلى أن قال فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا وليس ذلك لأحد إلا لمسمى الله خاصةوقال ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص والذم ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق من أولها إلى آخرها فكلها حق له كما هي صفات المحدثات حق للحق
وقال أيضا ومكروا مكرا كبارا سورة نوح 22 لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو لأنه ما عدم إلى البداية فيدعى إلى الغاية ادعوا إلى الله فهذا عين المكرإلى أن قال فقالوا في مكرهم لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا سورة نوح 23 فإنهم لو تركوهم تركوا من الحق على قدر ما تركوا من صفات هؤلاء فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله كما قال في المحمدين وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه سورة الإسراء 23 أي حكم فالعالم يعلم من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية فما عبد غير الله في كل معبودوقال أيضا فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمنه بأن الله قد قضى ألا يعبد إلا إياه وما حكم الله بشيء إلا وقع فكان عيب موسى أخاه هارون لما وقع من إنكاره
وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيءوقال أيضا ولما كان فرعون في مرتبة التحكم وأنه الخليفة بالسيف وإن جار في العرف الناموسي لذلك قال أنا ربكم الأعلى سورة النازعات 24 أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم ولما علمت السحرة صدقه فيما قال لم ينكروه وأقروا له بذلك وقالوا له إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فاقض ما أنت قاض فالدولة لك فصح قوله أنا ربكم الأعلىإلى أمثال ذلك من هذا الكلام الذي يسميه أصحاب مذهب الوحدة ويقولون إن الوجود واحدكما يقوله ابن عربي صاحب الفتوحات وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني وأمثالهم عليهم من الله ما يستحقونه فإنهم لا يجعلون للخالق سبحانه وجودا مباينا لوجود المخلوق وهو جامع كل شر في العالم ومبدأ ضلالهم من حيث لم يثبتوا للخالق وجودا مباينا لوجود المخلوق وهم يأخذون من كلام الفلاسفة شيئا ومن الكلام الفساد من كلام المتصوفة والمتكلمين شيئا ومن كلام القرامطة والباطنية شيئا فيطوفون على أبواب المذاهب ويفوزون بأخس المطالب ويثنون على ما يذكر من
تأثر الغزالي بإخوان الصفا وأمثالهمالتصوف المخلوط بالفسلفة كما يوجد في كلام أبي حامد ونحوه مما هو مأخوذ من رسائل إخوان الصفا وأمثالهم ممن يريد أن يجمع بين ما جاءت به الكتب الإلهية والرسل المبلغون عن الله عز و جل وما تقوله الصابئة المتفلسفون في العلم الإلهي فيذكرون أحاديث موضوعة وربما حرفوا لفظها كما يذكرون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل فقال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقابوهذا الحديث موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بالحديث ولفظة أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل وروى لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل فمعناه أنه خاطبه في أول أوقات خلقه فغيروا لفظه وقالوا أول ما خلق الله العقل ليوافق ذلك مذهب المشائين من المتفلسفين أتباع أرسطو القائلين أول الصادرات عنه العقل
وقد بسطنا الكلام في بيان فساد ذلك شرعا وعقلا وبينا أن بين هؤلاء وبين الرسل من المباينة أعظم مما بين اليهود والنصارى وبين المسلمين وأن اليهود والنصارى إذا لم يتفلسفوا كانوا أقرب إلى الحق من هؤلاء فإن تفلسف اليهودي والنصراني كان كفره من جهتينوهذه الكتب المضافة إلى أبي حامد مثل الكتابين المضنون بهما على غير أهلهما وأمثالهما ما زال أئمة الدين ينكرون ما فيهما من الباطل المخالف للكتاب والسنة ثم من الناس من يكذب نسبة هذه الكتب إليه ومنهم من يقول وهو أشبه رجع عن ذلك كما ذكر في كتب أخرى ذم الفلاسفة وتكفيرهم وذكر عبد الغافر الفارسي في تاريخ نيسابور أنه استقر أمره على مطالعة البخاري ومسلم فكان آخر أمره الرجوع إلى الحديث والسنة والله أعلمكلام الغزالي في كتاب المضنونفهذا الكلام المذكور في السؤال يوجد نحوه في مثل هذه الكتب التي يجعلها أهلها من كتب الحقائق والأسرار كما قال صاحب كتاب المضنون فصل يتخيل بعض الناس كثرة في ذات الله تعالى من طريق تعدد الصفات وقد صح قول من قال في الصفات لا هي هو ولا غيره
وهذا التخيل يقع من توهم التغاير ولا تغاير في الصفات مثال ذلك أن إنسانا تعلم صورة الكتابة وله علم بصورة بسم الله التي تظهر تلك الصورة على القرطاس وهذه صفة واحدة وكمالها أن يكون المعلوم تبعا لها فإنه إذا حصل العلم بتلك الكتابة ظهرت الصورة على القرطاس بلا حركة يد وواسطة قلم ومدادفهذه الصفة من حيث إن المعلوم انكشف بها يقال له علم ومن حيث إن الألفاظ تدل عليها يقال لها كلام فإن الكلام عبارة عن مدلول العبارات ومن حيث إن وجود المعلوم تبع لها يقال لها القدرة ولا تغاير ههنا بين العلم والقدرة والكلام فإن هذه صفة واحدة في نفسها ولا تكون هذه الإعتبارات الثلاث واحدةوكل من كان أعور لا ينظر إلا بالعين العوراء ولا يرى إلا مطلق الصفة فيقول هو هو وإذا التفت إلى الإعتبارات الثلاث يقال هي غيره ومن اعتبر مطلق الصفة مع الإعتبارات فقد نظر بعينين صحيحتين اعتقد أنها لا هو ولا غيرهوالكلام في صفات الله تعالى وإن كان مناسبا لهذا المثال فإنه مباين له بوجه آخر وتفهيم هذه المعاني بالكتابة غير يسيرفهذا الكلام من جنس الكلام المذكور في السؤال وكلاهما يرجع إلى ما تزعمه المتفلسفة من أن الصفات ترجع إلى العلم إذا أثبتوهمقالة ابن حزموقد يقرب من هؤلاء ابن حزم حيث رد الكلام والسمع والبصر وغير
ذلك إلى العلم مع أنه لا يثبت صفة لله هي العلم ويجعل أسماءه الحسنى إنما هي أعلام محضة فالحي والعالم والقادر والسميع والبصير ونحوه كلها أسماء أعلام لا تدل على الحياة والعلم والقدرةالرد على النفاةوهذا يؤول إلى قول القرامطة الباطنية ونحوهم نفاة أسماء الله تعالى الذين يقولون لا يقال حي ولا عالم ولا قادر وهذا كله من الإلحاد في أسماء الله وآياته قال تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سورة الأعراف 180وإذا كان من الإلحاد إنكار اسمه الرحمن كما قال تعالى وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن سورة الفرقان 60 وقال قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى سورة الإسراء 110 وقال تعالى وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب سورة الرعد 30 إلى غير ذلك
فإذا كان اسمه الرحمن قد أنزل فيه ما انزل فكيف إنكار سائر الأسماء ومعلوم أن اللفظ إذا كان علما محضا لم ينكره أحد ولو كانت أعلاما لم يفرق بين الرحمن والعليم والقديرالرد على الغزاليوما ذكره صاحب كتاب المضنون مع المتفلسفة من أن العلم بالممكنات هو المقتضى لوجودها معلوم البطلان بأدنى تأمل فإن العلم نوعان علم نظري وعلم عملي فأما النظري وهو العلم بما لا يفعله العالم كعلم الله بنفسه وكعلمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فهذا ليس مقتضيا لوجود المعلوم بالضرورة واتفاق العقلاء وإن كان قد يكون سببا لبعض الأعمالوأما العلم العملي كعلم الله بمخلوقاته وكعلمنا بمفعولاتنا فهذا العلم وحده ليس موجبا لوجود المعلوم بلا قدرة ولا إرادة وعمل فإنا إذا تصورنا ما نريد فعله لم يكن مجرد تصورنا ما نريد ولم نقدر عليه لم يكن وإذا كنا قادرين على ما نتصوره ولا نريده لم يكن بل لا بد علمنا به وإرادتنا له وقدرتنا عليهفلو قال قائل علم الله ليس كعلمناقيل له وذات الله ليست كذاتنا ولا قدرته وإرادته كقدرتنا وإرادتناوهذا السؤال قد بسط الشيخ الكلام عليه وقد اختصر منه وقال في وسط الكلام على هذا السؤالإثبات ابن تيمية وأهل السنة الماهية لله تعالىبل لكل موجود حقيقة تخصه يتميز بها عما سواء ويباين بها غيره وهذه الحقيقة هي حقيقة الربوبية وبنفيها ضل الجهمية من المعتزلة والفلاسفة
والقرامطة والإتحادية وأمثالهم وهي الماهية التي أثبتها ضرار وأبو حنيفة وغيرهما من الكوفيين وخالفهم في ذلك معتزلة البصرة وعلى إثباتها أئمة السنة والجماعة من السلف والخلف ولهذا ينفون العلم بماهيه الله وكيفيته فيقولون لا تجري ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال ومن نفاها من المنتسبين إلى السنة وغيرهم قال ليس له ماهية فتجري في مقال ولا له كيفيه فتخطر ببالوالأول هو المأثور عن السلف والأئمة كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع ويدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول والله سبحانه أعلم

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire