el bassaire

mercredi 9 janvier 2013

الاستغفار في العبادات



ورد الاستغفار في كثيرٍ من أبوب العبادات، وسأذكرها في هذا الفصل سَيْرًا على أبوب الفقه حسب ما صنَّفه الفقهاء.
(ا) أبواب الطهارة:
(1) الاستغفار عقب الخروج من الخلاء، فيندب للمسلم أن يستغفر الله تعالى بعد الانتهاء من قضاء الحاجة، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» [1].
ووجه سؤال المغفرة أنَّ الإنسان لَمَّا تَخفَّف من أذيَّة الجسم، ناسب أن يتذكَّر أذيَّة الإثم، فدعا الله أن يُخفِّف عنه أذية الإثم، كما أعانه بتخفيف أذية الجسم، وقيل في مناسبة الاستغفار في هذه الحال: إظهار العجز عن شكر النعمة في تيسير الغذاء، وإيصال منفعته، وإخراج فضلته، وإبقاء قوته في جسد العبد .. والله أعلم.
(2) الاستغفار بعد الوضوء، فيُسَن للمسلم أن يستغفر الله عند إتمام الوضوء، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ فقال "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك"، طُبع بطابع ثم رفعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة»[2].
(ب) في أبواب الصلاة:
ورد الاستغفار في أحوال ومواطن كثيرة في الصلاة من ذلك:
(1) الاستغفار عند الدخول والخروج من المسجد: فقد استحبَّ كثيرٌ من أهل العلم للمسلم أن يستغفر الله عند دخول المسجد، وعند الخروج منه، كما هو الوارد في حديث فاطمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: «ربّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك»، وإذا خرج قال: «رب اغفر ذنوبي لي أبواب فضلك»[3]
(2) الاستغفار في أول الصلاة وآخرها وأثنائها، فيُسَن للمصلِّي أن يستغفر الله تعالى في أول الصلاة وفي آخرها وفي أثنائها، ففي أول الصلاة: جاء الاستغفار في بعض الروايات التي وردت في دعاء الافتتاح منها: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في استفتاحه: «اللهم أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كلُّه بيديك، والشرّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك»[4]
وعـن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: الله أكبر عشر مرات، ثم يُسبِّح عشـر مرات، ثم يُحمد عشر مرات، ثم يُهلِّل عشرًا، ثم يستغفر عشرًا، ثم يقول: «اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني عشرًا، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من ضيق المقام يوم القيامة عشرًا»[5]
والذي يظهر: أن هذا النوع من الدعاء كان يقوله صلى الله عليه وسلم في افتتاح قيام الليل، كما ذكر ذلك ابن القيم وغيره [6].
وأما في أثنائها: فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر الله في ركوعه وسجوده، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلـم يكثـر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتـأول القرآن [7] أي: يحقق قوله تعالى: }فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ{ [النصر: 3].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقَّه وجلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسرَّه» [8]
وفي الجلوس بين السجدتين يُشرع الاستغفار، بل أوجبه بعض أهل العلم، وهو الصحيح، لحديث حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي، رب اغفر لي»[9].
وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني»[10].
ويُسَن الاستغفار قبل السلام من الصلاة في آخر التحيات، لما جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقـول: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت» [11] .
وعن أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم»[12].
ويُسَن الاستغفار عُقيب الصلاة ثلاثًا، لِما روى ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته قال: «أستغفر الله» ثلاثًا وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، قيل للأوزاعي، وهو أحد رواة الحديث: كيف الاستغفار؟
قال: يقول: «أستغفر الله، أستغفر الله» [13]
(3) ويندب الاستغفار في صلاة الاستسقاء، لقوله تعالى: }فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا{ " [نوح: 10، 11]. فدلَّت الآية على أنَّ الاستغفار وسيلة للسقيا، بدليل قوله تعالى: }يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا)، ولم تزد الآية على الاستغفار، وقد فهم هذا المعنى الصحابة رضوان الله عليهم، فقد ورد عن عمر أنه خرج إلى الاستسقاء، وصعد المنبر، واستغفر الله، ولم يزد عليه، فقالوا: ما استسقيت يا أمير المؤمنين، فقال: لقد استسقيتُ ربي بمجاديح السماء التي يستنزل بها الغيث [14]
(4) ويسن الاستغفار في صلاة الجنازة، فقد ورد الاستغفار في صلاة الجنازة للميت في أحاديث منها:
عن عبد الرحمن بن عوف بن مالك قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه، وهو يقول: «اللهم اغفر له وارحمه...» [15]
(5) الاستغفار في بداية الخطب الدينية وغيرها وهي المسماة: بخطبة الحاجة، فيُستحب للمسلم أن يستفتح خطبه وحديثه بهذه الخطبة، والمتمثلة على الحمد والتعظيم لذي الأسماء الحسنى والصفات العلى واستغفاره، والتعوذ به من الشرور، وسؤاله الهداية، والشهادة له بالتوحيد ولنبيه بالرسالة، وصفتها: " إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله... " [16]
(ج) في باب الصيام:
يُستحب للصائم الاستغفار على الدوام، وفي جميع الأوقات لعمومات الأدلَّة، ويتأكَّد عند نهاية صومه، فإذا أراد الإفطار استُحِبَّ له أن يستغفر الله تعالى، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه كان يقول عند فطره: «اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كلَّ شيء أن تغفر لي» [17]
(د) في باب الحج:
يُسَنُّ الاستغفار للحاج على الدوام، وفي جميع الأوقات وسائر الأماكن، كمِنى وعرفات ومزدلفة، لعمومات الأدلَّة، ويتأكد في ختام أعمال الحج، لقوله تعالـى: }فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ{ إلى قوله: }وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ " [البقرة: 198، 199].
ونلحظ أنَّ غالب العبادات يشرع الاستغفار في أولها وفي آخرها، والحكمة من ذلك، والله أعلم:
• إنَّ العبد لا بدَّ أن يحصل منه نوع تقصير وشرود، فمهما اجتهد فلن يبلغ الكمـال في أداء العبادة، فيأتي الاستغفار ليرفع الخرق، وليجبر الكسر، وليكمل النقص، فعلى هذا تتم الطاعة وتكتمل القربة.   
• إنَّ العبد عندما يستغفر في أول العبادات وعقيبها، إنما يُشعِر نفسه على الدوام بالتقصير في معاملته مع ربِّه، وهذا الأمر يورث العبد السعي للحصول على مرضاة الله والترقِّي في مدارج الكمال. 
• إنَّ أهم شيء يجب أن يتنبه له العبد الحذر من مداخل الشيطان، فقد يؤدِّي العبد عبادة معينة، فيأتيه الشيطان فينفخ في جيبه بالأوهام والغرور والرياء والاستعلاء الذي يهلكه، فيأتي الاستغفار الذي به يستشعر العبد استصغار نفسه، واستقلال عمله، وأنه ضعيف فقير محتاج بجوار الغنى العظيم القوي، فيبدِّد كلَّ ما ينسجه الشيطان مما فيه هلاك المسلم وتردِّيه، فلله الحمد على نعمه الكثيرة.

1/ رواه أحمد والترمذي وأبو داود بسند صحيح.  
2/ أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة بسند صحيح.  
3/ أخرجه أحمد وابن ماجة، وصححه العلامة الألباني في تخريجه لكتاب " فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للإمام إسماعيل بن إسحاق الجهضمي المالكي، وقال: صحيح لشواهده، وأوردها. 
4/ أخرجه مسلم.  
5 أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والطبراني في الأوسط.  
6/ انظر زاد المعاد لابن القيم (1/203).  
7/ متفق عليه.  
8/ أخرجه مسلم.
9/ أخرجه النسائي وابن ماجة.
10/ أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة.  
11/ أخرجه البخاري ومسلم.  
12/ متفق عليه.  
13/ رواه مسلم.  
14/ ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (11/98).  
15/ أخرجه مسلم
16/ أخرجه أحمد وابن ماجة وغيرهما، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.  
17/ أخرجه ابن ماجة، وحسنه الحافظ.

الاستغفار بعد الذنوب



يجب على العبد أن يبادر إلى التوبة والاستغفار عقب الذنب ولا يجوز له تأخير التوبة، يقول الله تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ{ [آل عمران: 135].
وقال تعالى: }وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا{ [النساء: 110].
وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي..» (أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن)
 قال ابن القيم: " إنَّ المبادرة إلى التوبة من الذنب فرضٌ على الفور، ولا يجوز تأخيرها، فمتى أخَّرها عصى بالتأخير، فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى، وهي توبته من تأخير التوبة، وقلَّ أن تخطر هذه ببال التائب، بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبقَ عليه شيءٌ آخر، وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة، ولا يُنجِّي من هذا إلاَّ توبةٌ عامةٌ مما يُعلم من ذنوبه ومما لا يعلم، فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر ممَّا يعلمه، ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جملة إذا كان متمكنًا من العلم، فإنه عاصٍ بترك العلم والعمل، فالمعصية في حقِّه أشد، وفي صحيح ابن حبان أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل»، فقال أبو بكر – رضي الله عنه: فكيف الخلاص منه يا رسول الله؟ قال: «أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم»، فهذا طلب الاستغفار مما يُعلمه أنه ذنب، ولا يعلمه العبد، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو في صلاته: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جِدِّي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، إلهي لا إله إلا أنت».
وفي الحديث الآخر: «اللهم اغفر لي ذنبي كلَّه، دقّه وجلّه، خطأه وعمده، سرَّه وعلانيته، أوله وآخره» فهذا التعميم وهذا الشمول لتأتي التوبة على ما علمه العبد من ذنوبه وما لم يعلمه 

آداب مطلوبة للخاطب والمخطوبة




إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد ..
فإن الله -سبحانه وتعالى-  لما حرّم على عباده السفاح، شرع لهم النكاح، ووفّق من شاء من عباده للصواب، وربط بينهم بالمصاهرة والأنساب، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة، أنه هو الكريم الوهاب .
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا) رواه أحمد وهو حديث حسن .
فتيسير الخطبة من بركة المرأة، والنكاح من نعم الله العظيمة، جعل فيه منافع كثيرة، ورتّب عليه حقوقاً وأحكاما، والخطبة أولى خطوات النكاح، ومقدمة إليه ووسيلة، وليست شرطاً لصحته، فلو تم العقد بلا خطبة صح ذلك، وبعض الناس يطلقون الخطبة على ما بعد العقد وقبل الدخول، وهذا المعنى ليس الذي عليه أهل العلم، فليست الخطبة عقداً ولا هي ما بعد العقد، وإنما هي وعد بالنكاح، أما الزواج والعقد فوثيق وميثاق غليظ، له حدوده وشروطه وحقوقه وآثاره، ولا يترتب على الخطبة حق للخاطب، إلا أنه قدم في النكاح على غيره، وحكم الخطبة يختلف باختلاف حال المرأة، فإذا كانت غير متزوجة ولا معتدة ولا مخطوبة وليس بها مانع من موانع النكاح جازت خطبتها تصريحاً وتعريضا، وأما المتزوجة والمخطوبة فلا يجوز أن تُخطب، وكذلك من قام بها مانع من موانع النكاح، لأن الخطبة مقدمة لذلك، وإذا كان النكاح ممنوعاً من امرأة معينة فكذلك خطبتها، ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة أو من طلاق رجعيٍ أو من طلاق بائن، فالمرأة إذا مات عنها زوجها لا يجوز لأحد أن يصرح بخطبتها أثناء العدة، كأن يقول : ( أطلب زواجك) أو (زوجيني نفسك ) أو يقول للولي (زوجني ابنتك وما أشبه ذلك)، وتحريم خطبة المعتدة من وفاة زوجها تصريحاً، حتى لا يكون ذلك ذريعة إلى استعجال المرأة بالإجابة والكذب في انقضاء عدتها كما ذكر ابن القيم رحمه الله، ولأن العدة حق للزوج المتوفى، فلا يجوز الاعتداء عليه لا بعقد ولا بمقدماته، ولا يجوز التصريح بخطبة المبانة المعتدة، وهي التي فارقها زوجها في الحياة فراق بائن، كأن تكون مطلقة آخر ثلاث تطليقات، أو مطلقة على عوض، يعني دفعت مالاً لزوجها ليطلقها، أو من طلبت فسخ زواجها لعيب في زوجها، أو وجد هو بها عيب ففسخ النكاح، فهؤلاء الأنواع من النسوة في العدة، عدة الطلاق الثلاث، وعدة مفسوخة النكاح وكذلك المطلقة على عوض، كل هؤلاء النسوة سيدخلن في العدة، فإذا طلقها زوجها ثلاث دخلت في العدة، وإذا خالعت زوجها دخلت في العدة، وإذا فسخ الحاكم  والقاضي عقدها لعيب في زوجها أو عيب فيها بطلب الزوج فلها عدة، عدة الفسخ، هذه العدة لا يجوز فيها خطبة المرأة تصريحاً، وأما التعريض بأن يبدي لها الرغبة في الخطبة فمباح لقوله تعالى {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ }(البقرة: من الآية235). فالتعريض بالخطبة جائزٌ للمعتدة من وفاة، والبائن من طلاق أو فسخ، فله أن يقول لوليها مثلاً، إذا انقضت عدتها فأخبرونا، مثلها يُرغب فيها ونحو ذلك، هذا يسمى بالتعريض عند العلماء، ولا بأس به في الحالات المتقدمة.
ويجوز التصريح والتعريض لرجل أبان زوجته بغير الطلاق بالثلاث، كرجل اتفق وزوجته أن يطلقها مقابل مبلغ معين، وكذلك يجوز التصريح والتعريض لو فسخ العقد لعيب في الزوج أو إعسار بالصداق أو النفقة، فيجوز لهذا الزوج أن يعقد عليها ولو في العدة بمهرٍ جديدٍ، لأن العدة له، وهذا الكلام خاص بذات الزوج، أي أن الزوج إذا خالعته زوجته فدخلت في العدة جاز له هو أن يخطبها تصريحاً أو تعريضا، فهذا الكلام خاصٌ بالزوج .
ففي الفسخ لا يحل له في العدة أن يعيدها، وكذلك في الخلع لا يتمكن الزوج من إعادة زوجته في عدة الخلع بخلاف الطلاق الرجعي، لا يجوز للزوج في عدة الطلقة الثالثة أن يعيد زوجته بخلاف عدة الطلاق الرجعي، وبناء عليه يجوز لهذا الزوج في عدة الخلع أو عدة الفسخ لعيب لذات الزوج، أن يخطبها تصريحاً أو تلميحا .
وأما لو طلقها ثلاثاً فبانت منه فلا يجوز التعريض ولا التصريح لأنها تحرم عليه، ولا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة ثم يفارقها هذا الثاني .
وتحرم خطبة المطلقة الرجعية، أي من شخص آخر غير الزوج، لأنها لا تزال في عصمة المطلق طلاقاً رجعياً، فيمكن أن يسترجعها، فلذلك لا يجوز لأحدٍ أن يخطب امرأة طُلقت طلاق رجعياً، لأن في ذلك تفريقاً بينه وبين أهله وتخبيباً وإفسادا.
وأما خطبة المرأة المتزوجة، كما يفعل الأشرار من الذين يقومون بالاتصالات والعلاقات بالنساء المتزوجات، ويعدها ويمنيها بأنها إذا تخلصت من زوجها نكحها، ويخطبها في هذه الحالة، فهذه خطبة محرمة تحريماً شديداً، وكذلك يحرم التصريح بخطبة الحامل المطلقة حتى تضع الحمل، فإذا وضعته انقضت عدتها وجاز أن تخطب، ولا يجوز كذلك خطبة المحرمة بحج أو عمرة، تصريحاً أو تعريضا، لأنه لا يجوز أن يعقد عليها في حال الإحرام، فكذلك لا تجوز الخطبة، وكذلك المرأة المخطوبة إذا علم أنها مخطوبة فلا يجوز لخاطب آخر أن يخطبها، وأما التي لا يُعلم هل هي مخطوبة أو لا، ولا يعلم هل أجاب أهلها الخاطب أم لا، فيجوز لمن لا يعلم ذلك أن يخطبها، لأن الأصل الإباحة والخاطب معذور بعدم العلم .
وآداب الخطبة عند العلماء الاستخارة والاستشارة، فإذا عزم على خطبة امرأة فينبغي أن يستخير الله تعالى، ويستشير من له خبرة، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلّم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمهم السورة من القرآن . رواه البخاري .
وإذا كانت الاستخارة في دقيق الأمور فكيف بمثل هذا الأمر الذي تتوقف عليه حياة الإنسان وطبيعتها بعد الزواج .
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدٍ: ((اذْكُرْهَا عَلَيَّ)). فَانْطَلَقَ زَيْدٌ حَتَّى أَتَاهَا وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا.
فقَالَ: يَا زَيْنَبُ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُكِ.
قَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي (وهذه المؤامرة تستأمر ربها يعني تستخريه)فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا وَنَزَلَ الْقُرْآنُ) أي بتزويج النبي -صلى الله عليه وسلم- من زينب بقوله تعالى : { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا}(الأحزاب: من الآية37) .
وفي ذلك استحباب الاستخارة يؤخذ من هذا الحديث الذي رواه مسلم للمرأة أيضا، والمشروع لمؤمن إذا همّ بشيءٍ له شأن سواء كان كبيرا أو صغيرا أن يستخير الله تعالى ليطلب تقدير الخير منه -عز وجل-، ويرفع يديه بعد الركعتين داعياًَ ربه بالدعاء المعروف، فإذا استخار وانشرح صدره لهذا، فهي علامة على أن هذا هو الذي اختاره ربه له، وإذا بقي متردداً فإن له أن يعيد الاستخارة ثانياً وثالثاً حتى يتبين له، وإلا رجّح بالاستشارة، وقال شيخ الإسلام : فإذا استخار اللهَ كان ما شَرَحَ له صدرَه، وتيسَّر له من الأمور هو الذي اختاره اللهُ له.
وبعض العلماء يقول: لا يشترط أن يحس بشيء، فإذا تبين له المصلحة في الأمر استخار وأقدم عليه، لا ينتظر رؤيا ولا إحساس ولا غير ذلك، وإذا ردت الفتاة خاطباً بعد الاستخارة فلعل هذا هو الخير، وأن يهيئ لها من هو خير منه، وكذلك إذا انسحب من الخطبة فلعل الله -عز وجل- يهيئ لها من هو خير منه ما دامت قد استخارت، فلا ينبغي أن ينكسر قلبها ولا أن تستلم لخواطر الشيطان والهم، بل ترضى وتسلم وتعلم أن ذلك قضاء من الله تعالى، والله -عز وجل- يقسم الأرزاق بين العباد، وبين ذلك تقسيم الأزواج على الزوجات.
وبعض الفتيات والشباب يستبدلون الاستخارة بالذهاب إلى المشعوذين من السحرة والعرافين لمعرفة نجم الخاطب وحظه وسعده، فإذا نصحهم العراف بالإقدام على الزواج أو بالإحجام أحجموا، سوا كان ذلك الاتصال بقناة الشعوذة والدجل والعرافة، أو بإتيان مواقعهم على الشبكة، أو بالاتصال بهم هاتفياً أو بالقدوم إليه شخصياً، فقد قال -عليه الصلاة والسلام- : ((مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم)) .
وكل تلك الصور داخلة في الإتيان، وينبغي لمن تقدم لها خاطب أن توصي أهلها بالسؤال عنه، أو تنيب ثقة من أقاربها يسأل عن دينه وأمانته وخلقه، فإن أثني عليه خير استخارت وعزمت على الزواج، وتجوز الاستخارة قبل رؤية الخاطب والمخطوبة وبعدها، فإذا استخارت أو استخار لأجل الرؤية فهو حسن، وكذلك بعدها أيضا، ومن سُئل عن خاطب أو مخطوبة فيجب عليه أن يبين ما يعرفه عنهما، وعليه أن يذكر ما فيهما من مساوئ شرعية أو عرفية مهمة وتتعلق بالنكاح والحياة الزوجية وتتأثر بها العشرة، ولا يكون ذلك غيبة محرمة إذا قصد بها النصيحة والتحذير لا الإيذاء.

ومن الأخطاء الشائعة عند السؤال، إخفاء العيوب التي يعلم عنها المسؤول، فقد يكون المسؤول عنه مدمن مخدارت، أو له علاقات محرمة، وأهله يقولون لعلنا نستره بالزواج، لعله ينصرف عن الحرام بالزواج، لعله يترك المخدرات بالزواج، لعله يترك العلاقات المحرمة بالزواج، ويدخل هذا ببنت الناس على حاله، لا توبة ولا ترك، فهؤلاء قد غشوا من خطب منهم، لم يخبروهم، وإذا راجعوهم بعد ذلك وقالوا كيف خطبتم ابنتنا لابنكم وأنتم تعلمون حاله، كان قصار قولهم قلنا لعله يهتدي ولعله يرعوي فإذا لم يحصل ذلك فمن يتحمل هذه المسؤولية، أنه غش والله.
 ويجب البيان وأن يقول أهل الخاطب ما يعلمونه عن ابنهم من الأمور مؤثرة سلباً في النكاح، وكذلك الجيران وزملاء العمل، والذين يسألون عن شخصاً أو امرأة يجب أن يدلوا بشهادتهم لله، {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا}(يوسف: من الآية81). عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أنها جَاءَتْ إلى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: إنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ (يعني كثير الضرب للنساء وقيل كثير الأسفار والترحال ) وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ (يعني فقير لا تطيقين العيش معه )، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ))، فَكَرِهْتُهُ (لأنه أسود وهي من أشراف الناس)ثُمَّ قَالَ : ((انْكِحِي أُسَامَةَ)) فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ ) في رواية مسلم : ( فنكحته فجعل الله فيه خيراً واغتبطت ) .
وعلى المسلم أن لا يزكي أحداً إلا بما يعلم من حاله، ولا يشهد إلا بما يعرفه منه حقيقة لا تخميناً، ومن استشير في أمر نفسه في النكاح، قال العلماء : لو قال أهل المرأة له : بيّن لنا أمرك . فإن كان يعلم من نفسه شحا وإمساكا، وجب عليه أن يقول لهم : عندي شحٌ، وإن كان يعلم من نفسه عصبية وغضباً شديداً، يقول لهم : عندي غضبٌ شديدٌ، وجب عليه البيان لأن مثل هذا الحال  لا يجوز التلاعب به ولا الغش فيه، ولا التدليس ولا الكتمان، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه .
 وعلى مريد النكاح أن يبحث عن ذات الأعراق الطيبة والسلالات الحسنة، والبيوت الطيبة، ويؤثر الأدب والأخلاق والدين على ما دون ذلك، فإن هذه الصفات تتسلسل عبر الأصلاب والأرحام، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- : ((تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)) رواه البخاري ومسلم.
فاللائق بذي الدين والمروءة، أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء، لا سيما من تطول صحبته كالزوجة، ولذلك أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- في تحصيل صاحبة الدين وأن هذا غاية البغية، وقال -عليه الصلاة والسلام- : ((الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِها الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)). رواه مسلم .
فتذكره بالصلاة والصوم والعبادة وتمنعه من المحرمات وتعينه على ذكر الله، وعلى الخير وأبوابه، وتذكره إذا نسي، وتعظه وتتعاون معه على البر والتقوى.
 ولا يجوز لأهل المخطوبة ردّ الكفء إذا تقدم، لقوله -عليه الصلاة والسلام- : ((إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)) .
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ (أيْ: شَيْءٌ مِنْ قِلَّةِ الْمَالِ أَوْ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ)
قَالَ: ((إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ)) . رواه الترمذي وهو حديث حسن.
وتعظيم الجاه والمال وإيثاره على الدين، يؤدي إلى الفتنة، وإذا نظرتم إلى صاحب المال والجاه فقط سيفوتك خير كثير، والخلق الحسن عليه مدار حسن المعيشة كما أن الدين مدار أداء الحقوق .
((كان أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، قد تَبَنَّى سَالِمًا وكان مَوْلًى لامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، ثم أَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ)) رواه البخاري.
فلم يرى بأساً من أن ينكح بنته الشريفة القرشية من هذا المولى الذي أنفق عليه وتعاهده ورباه.
ومن حكمة الفتاة المسلمة، ألا تبالي بكون الشاب وسيماً أنيقاً رشيقاً غنياً ذا سيارة فارهة، وإنما تنظر في الحقائق لا في الظواهر، وصاحب الدين والخلق الذي حث الشرع عليه، هو الذي تكرم به المرأة الفاضلة في الحقيقة، والذي ينبغي أن يكون عليه مدار الرد والقبول، وأساس التخفيف لما يثقل كاهل الزوج، والحصيفة تستثمر مدة الخطبة، في تغيير السلوكيات الخاطئة عند خطيبها والعكس، هذا بعد العقد تنتقل من الخطبة إلى المعاملة المباشرة، وأما قبل العقد، فلا يجوز إلا عن بعد، كإرسال ما يقرأ ويسمع، أو من ينصحه ونحو ذلك، وبعضهم إذا عزم على الزواج بامرأة  غير ذات دين يقول لعل الله أن يهديها على يدي، وربما تحول هو إلى ما هي عليه فشقي وإياها .
ومن المخالفات، تساهل الفتيات في اختيار الزوج، فكذلك توافق على العاصي لمركزه الاجتماعي أو وظيفته، تقول : لعل الله أن يهديه، فربما سارت على ركابه أيضا، وبعض الناس يخطب إليهم الرجل الذي لا يصلي، فيقولون : لعله أن يصلي، لنا خلقه وله دينه، وليس هذا الذي ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما قال: ((ترضون خلقه ودينه))، والخلق من الدين، لكن خصه منه لأهميته في الزواج، الخلق من الدين، وإنما نص عليه مفرداً وعطفه على الدين، لمكانته في العشرة .
ويجب على الوّلي أن يتقي الله في موليته، ويراعي مصلحتها لا مصلحته، لأنه مؤتمن ومسؤول، ولا  يكلف الخاطب ما لا يطيق، فإذا كان مرضياً في دينه وخلقه، متحلياً بآداب الشريعة، أتم له الأمر، وإذا ظهر خلاف تلك المصلحة، فسخ الخطبة وجوباً، فإذا تبين له أنه ليس من مصلحة موليته هذا الإنسان فسخ الخطبة كما قال العلماء، ورد الأمر، فإذا تبين له شيء في غير مصلحة موليته عمل بذلك، لأنه مؤتمن عليها، فهو ينظر لها، هل تطيق العيش مع هذا، ما هي حاله، ما هي ظروفه، ما هو دينه، ما هي أخلاقه، ما هي حال عائلته وأسرته، ونحو ذلك مما يعرفه في ابنته، هل تكون الموافقات والائتلاف، أم سيكون في الأمر تعسير لحياتها ونكد، أو يكون عليها ضيم وظلم ونحو ذلك، فلا بد من التبصّر في الأمور، لان هنالك تفصيلات كثيرة تراعى في حال الخاطب والمخطوبة، فإذا صار التوافق والتطابق وغلب على الظن أن الأمور ستنجح، فإنه يمضي على بركة الله .
ومن العادات التي لا أصل لها في الشرع، أن يمنع الأب تزويج البنت الصغرى إذا خُطبت بحجة أن الأكبر منها لم تنكح، وهذا فيه إضرار بالصغرى، والضرر لا يزال بالضرر، فهل الحل أن تبقى الثنتان بلا نكاح، ولذلك التي يأتيها رزقها تزوج، وقد يقول نفضل أن تنكح الكبرى أولاً محافظة على نفسيتها، ولكن إذا لم يحصل، فإنه لا يقف أمام الصغرى في طريقها، خصوصاً وأننا نرى مشوار العنوسة يطول اليوم، فلا بد من الحرص على المصلحة للجميع .
نسأل الله -عز وجل- أن يبارك لنا فيما أتانا، وأن يرزقنا اتباع هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وأن يجعلنا من المستمسكين بسنته، الحريصين على هديه، ونسأله سبحانه أن يصلح أعمالنا، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم أنه هو الغفور الرحيم

حث النبي -صلى الله عليه وسلم- جابراً على النكاح، فقال : ((تَزَوَّجْتَ))؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: ((بِكْرًا، أَمْ ثَيِّبًا))؟ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا.
قَالَ: ((أَفَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ))؟
قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ) رواه البخاري .
وفي رواية أنه قال: (يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوُفِّيَ وَالِدِي أَوْ اسْتُشْهِدَ وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ وَلَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ). رواه البخاري.
وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بكراً وثيباً، وحث على خطبة الولود الودود، فعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: ((لا)).
ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ. فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فنهاه، فَقَالَ:
((تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ [أَي الَّتِي تُحِبّ زَوْجهَا] الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ)) . رواه أبو داود وهو حديث حسن صحيح .
والولود إذا لم تكن ودوداً لم يرغب الزوج فيها، والودود إذا لم تكن ولوداً لم يحصل المطلوب وهو تكثير الأمة، بكثرة التوالد، ويعرف ذلك في الأبكار من أقاربهن، لان الغالب سراية طباع الأقارب بعضهن إلى بعض، فإذا كان لدى أمها عدد من الأولاد، وكذلك عمتها وخالتها وأختها وجدتها، عرف أنها تكون في الغالب مثلهن في كثرة الولد .
ويستحب للخاطب النظر إلى المخطوبة، بحضور محرمها ودون خلوة بها، من غير تدليس في زينةٍ أو تجمل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا))؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: ((فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا)). رواه مسلم .
أي: صِغَراً, وَقِيلَ: زُرْقَة, وَفِي هَذَا دَلَالَة لِجَوَازِ ذِكْر مِثْل هَذَا لِلنَّصِيحَةِ, وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب النَّظَر إِلَى وَجْه مَنْ يُرِيد أن يتَزَوُّجهَا .
وعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ لَهُ امْرَأَةً أَخْطُبُهَا.
فَقَالَ: ((اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا)). ]أي: يوفِّق ويؤلِّف، وتحدث بينكما المحبة والمودة[.
قال: فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فَخَطَبْتُهَا إِلَى أَبَوَيْهَا وَأَخْبَرْتُهُمَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عن النظر )، فَكَأَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ، فَسَمِعَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ وَهِيَ فِي خِدْرِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَكَ أَنْ تَنْظُرَ فَانْظُرْ وَإِلَّا فَأَنْشُدُكَ ]أَيْ أَسْأَلك بِاَللَّهِ أَنْ لَا تفعل ذلك [. كَأَنَّهَا أَعْظَمَتْ ذَلِكَ قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فَتَزَوَّجْتُهَا) رواه ابن ماجه وهو حديث صحيح .
 فيستحب أن يراها وتراه، قال جمهور العلماء : ينظر إلى وجهها وكفيها، فيعرف الجمال في الوجه، وخصوبة البدن أو السمنة ونحوه في اليدين، وقال بعضهم : إذا لم يكفي ذلك جاز النظر إلى وجهها ويديها ورأسها، فهذا على حسب الحاجة، إذا لم يكفي ذلك في اتخاذ القرار، وإذا استطاع أن ينظر إليها باتفاق مع وليها فله ذلك، فهل يجوز له أن ينظر إليها نظر غفلة وهي لا تشعر، إذا كان صادقاً في الخطبة غير متلاعب ولا متلصصٍ في أعراض المسلمين، عَنْ جَابِرِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ).
قَالَ: فَخَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِي إِلَى نِكَاحِهَا، فَتَزَوَّجْتُهَا).رواه أبو داود وهو حديث حسن .
قال بعض العلماء : ينبغي أن يكون نظره إليها قبل الخطبة حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء، بخلافه بعد الخطبة، وهذا تشكو منه بعض الفتيات، فإن لم يتيسَّر النظر ولم يمكن بعث من يثق به من النساء للنظر إليها ثم الإخبار بخلقها وخُلقها، وقد اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْخَاطِبِ أَنْ يُرْسِل امْرَأَةً لِتَنْظُرَ الْمَخْطُوبَةَ ثُمَّ تَصِفَهَا لَهُ وَلَوْ بِمَا لاَ يَحِل لَهُ نَظَرُهُ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ (يعني أن تصف الشعر ونحو ذلك من صفات الجسد)، فَيَسْتَفِيدَ بِالْبَعْثِ مَا لاَ يَسْتَفِيدُ بِنَظَرِهِ،(فهذا ما أجاب عنه الجمهور الذين قالوا : ينظر إلى الوجه والكفين)، بقية الجسد، قالوا لا بأس أن يرسل من النساء من ينظر إليها ليخبره لبقية الوصف، وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ تحريم وَصْفِ امْرَأَةٍ الأجنبية للِرَجُلٍ الأجنبي، لان هذا للحاجة، وهذه عشرة عمر، وسينبني عليها حياة بين زوجين، فلا بد أن يكون هنالك من القناعة التي كمالها في النظر المباشر أكثر من الوصف، ونظر الغير لا يغني عن نظر النفس، فقد تكون المرأة جميلة عند شخص وغير جميلة عند آخر، وقد يرى الإنسان  المرأة على حال غير حالها الطبيعية، كما إذا وضعت المكياجات والزينة، أما إذا نظرت إليها امرأة أخرى في مدرستها و كليتها ونحو ذلك فإنها ربما نقلت إليه ما كان في الحقيقة أدق .
وأما إرسال الفتاة صورتها فهو خطير جداً، وقد انبنى على ذلك من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، وحصل به من أنواع الشقاق وكذلك الخلافات والجرائم ما حصل، قال الشيخ محمد ابن صالح العثيمين رحمه الله : لا ترسل صورتها بالشبكة، لأنه قد يشاركه غيره في النظر إليها(وهذا أبلغ منه أن لا تظهر له عبر الشبكة لأن هذه الصور تحفظ)، لأن الصورة لا تحكي الحقيقة تماما، فكم من صورة رآها الإنسان فإذا شاهد المصوَّر وجده مختلفا تماما،وربما تبقى الصورة عند الخاطب ويعدل عن الخطبة، فقد يلعب بها كما شاء. انتهى كلامه رحمه الله .
فمن الخطأ ما تفعله بعض الخطّابات لديهن مجموعات من صور النساء، يعرضنها على من يريد الزواج، فينظر الرجل إلى عشرين وثلاثين وخمسين صورة ليختار منهن، وإنما الذي ينبغي أن تُرشح له فتاة بعينها، ممن يثق بهن من النساء، فيطلب النظر إليها، ولا بأس أن يأتي ولي المرأة بصورتها للخاطب قبل أن يراها، فإذا وافق مبدئياً رآها، وهذا قد يفيد في تلاشي مواطن الإحراج، عندما يراها ثم لا يريدها .
وقال بعض العلماء، يسأل عن جمالها قبل أن يسأل عن دينها، حتى إذا ردها ردها لأجل عدم الجمال، بينما إذا سأل عن دينها أولاً فقيل له : ذات دين، ثم سأل عن الجمال فلم يعجبه، ردها بعدما عرف أنها صاحبة دين، وفي هذا من الحرج ما فيه، فلذلك يبدأ بمعرفة جمالها، ويسأل عن دينها بعدها مباشرة .
وقد قال -صلى الله عليه وسلم- : ((إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ)) .
وهذا يعني أنه يجوز له تكرار النظر إذا كان صادقاً غير متلاعب إذا لم يكفي النظر الأول، حتى لا يندم على النكاح، وهذا يتقيد بقدر الحاجة، فلو اكتفى بنظره لا يجوز أن يواصل الثانية، فلو زارهم في بيتهم فخرجت المرأة فنظر إليها فأعجبته، وجب عليه أن يطرق ويغض البصر ويأمر وليها بأمرها بالانصراف، لأن الحاجة تقدر بقدرها فتتقيد بها، وشروط جواز النظر إلى المرأة المخطوبة التي ذكرها الفقهاء ستة :
أولاً : أن يكون بلا خلوة، وبلا شهوة، فإن نظر لشهوة فإنه يحرم؛ لأن المقصود الآن هو الاستعلام لا الاستمتاع.
ثانياً : وأن يغلب على ظنه أنهم سيجيبونه، فإذا غلب على ظنه أنهم سيرفضون فلا يجوز له النظر، لأنه قد يحاول النظر بغير علمهم
ثالثاً : وأن ينظر إلى ما يظهر غالباً. فقد تقدم تفصيله .
رابعاً : وأن يكون عازماً على الخطبة، أما إذا كان يريد أن يجول في النساء، فهذا حرام فقد يقول، أخطب هذه وأراها، ثم أخطب الثانية وأراها، ثم أخطب الثالثة وأراها، ثم أخطب العاشرة وأراها ثم أقوّم الجميع وأختار أجملهن وأتزوجها، وهذا حرام لا يجوز، وفيها جولان على النساء بغير حق، وهذا شيء لا ينتهي، فربما يختار من عشرين، وربما يقول من خمسين، وربما يرى مئة .
وكذلك الشرط الخامس : ألا تظهر المرأة متبرجة أو متطيبة، كما تفعله بعض الفتيات في الخطبة، فلا يجوز لها أن تتطيب، ولا أن تتبرج عنده، لأنها أجنبية، وظهورها في ذلك مفسده، ثم أن تزوجها فوجدها على غير البهاء الذي تصنعت به، والمكياج الذي دلسّت به، ماذا سيحصل في نفسه؟، وقد تكون الفتاة قصيرة قِصَراً فاحشاً فتعمد إلى لبس الكعب العالي على فستان طويل، وهذا نوع تغرير، ومن هذه الشاكلة وعلى هذه الأمثلة كثير،  وربما أظهروا له فتاة أخرى ثم إذا جاء العقد صار على امرأة أخرى، وهذا من أسوأ التغرير والتدليس والغش والخداع، وهو حرام لا يرضاه الله، ومع الأسف إن قضية الغش والتدليس قد وصلت إلى مواصل عظيمة في حياة الناس، وبعض الآباء يمنع الخاطب من رؤية المخطوبة وهي تتبرج في الأسواق، ويقول : عاداتنا لا تسمح بذلك، سبحان الله، وعاداتكم تسمح بأن تتبرج بنتكم في الأسواق وتسافر بغير محرم، وتخلو بالسائق الأجنبي، وتنظر في القنوات، وفيها من أنواع الفضائح ما فيها، وتتساهلون باتصالات بنتكم، وتجعلون في يديها من وسائل ذلك بلا رقيب ولا حسيب، فإذا جاء الخاطب من باب الله النكاح، يريد الرؤية على سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلتكم عاداتنا لا تسمح، فأين عقولكم؟ {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ *أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ*إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} (القلم:36) (القلم:37) (القلم:38) .
وكذلك فإن نظر المخطوبة إلى خاطبها كحكم نظره إليها، لأنها يعجبها منه ما يعجبه منها، ولذلك قال بعض العلماء، أنها أولى منه بذلك منه إليها، يعني أحق بالنظر إليه، لأنه يمكن مفارقة من لا يرضاها، بخلافها هي، قال ابن عابدين رحمه الله : هي أولى منه في ذلك لأنّه يمكنه مفارقة من لا يرضاها بخلافها .
روى عبد الرزاق عن عمر رضي الله عنه قال: يعمد أحدكم إلى ابنته، فيزوجها القبيح !! إنهن يحببن ما تحبون.
ولا يجوز للخاطب مصافحة المخطوبة ولا أن يمسها، لأنها أجنبية، وهذه المصافحة ليست من حاجة الخطبة ولا النكاح .
ولا يجوز له أن يخلو بها ولا أن يخرج معها، وبعض الناس يتساهل في ذلك، ثم تنجب بعد الدخول بثلاثة أشهر .
وبعضهم يطيل المدة ما بين العقد والدخول، وهذا غير مستحب لأنه يحصل فيه كثير من الخلاف، وهذه القضية تعتمد في كثير من الأحيان على حال الخاطب وعلى تيسر أموره واستعداده للنكاح.
وتحرم خطبة الرجل على خطبة غيره بغير أذنه، لأن النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ((لا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ)) .
فإذاً لا يجوز أن يتقدم إذا كان هنالك خاطب، إلا في حالات: إذا رُدّ الأول، أو ترك هو، أو أذن له، فهذه ثلاثة حالات وإلا فلا يجوز .
والدبلة بدعة نصرانية، فلا يجوز القيام بها، وبعضهم ينحت الصائغ اسمه واسمها على الخواتم فيتبادلانها، وهذه من عادات النصارى المحرّمة .
ولا بأس أن يعرض الولي على الرجل الصالح ابنته، فيفاتحه هو ولا ينتظر أن يفاتحه خاطب .
وكذلك فإن إجراءات الفحص الطبي لا حرج فيها، ولا يجبر أحد على خطبة امرأة لا يريدها،وإذا تراجع في الخطبة وانفسخت الخطبة فإن ما قدمه الخاطب من الهدايا للمخطوبة حكمه حكم الهبة، لا يرجع فيها إذا كان تبرعاً محضاً، وأما إذا نصّ أنها من المهر أو جزء من المهر، فإنه يرجع بنصفه إذا كان قبل الدخول.
وقراءة الفاتحة عند الخطبة بدعة، ولكن يقرأ خطبة الحاجة المعلومة بالآيات التي وردت في ثلاث مواضع من كتاب الله تعالى .
نسأل الله أن يصلح أحوالنا، وأن يتوب علينا، ونسأله أن يرزقنا حسن النية وصلاح الذرية، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، اللهم أنا نسألك أن تقضي ديوننا وتستر عوراتنا، وأن تؤمن روعاتنا، اجعلنا في بلادنا آمنين مطمئنين، واغفر لنا أجمعين، وألف بين قلوبنا، واسلك بنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واجعل الجنة مثوانا يا رحمن يا رحيم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين .



اثر ذنوب




يقول  نبينا صلى الله  عليه و سلم "أن الذي الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" عندما قرأت هذا الحديث تذكرت قول أحد المشايخ  عندما قال لو علمتم ما فاتكم من الرزق بسبب المعاصي  و الذنوب  لفتنانتم انفسكم حسرات.

يقول إبن القيم الجوزية للمعصي من الآثار القبيحة المذمومة و المضرة بالقلب و البدن في الدنيا و الاخرة ما لا يعلمه الا الله، فمنها حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب و المعصية تطفئ ذلك النور، لما جلس إمام الشافعي بين يدي مالك و قرا عليه  أعجبه ما رأى من وفور فطنته  و توقد ذكائه  و فهمه فقال "إن أرى الله قد ألقى على. قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعاصي".
و منها حرمان  الرزق و كما أن تقوى  الله مجلبة  للرزق فترك التقوى مجلبة للفقر، فما استجلب رزق الله بمثل ترك المعاصي.

و منها وحشة يجدها العاصي في قلبه و بين الله لا توازنها و لا تقارنها لذة أصلا، و منها الوحشة التي تحصل بينه و بين الناس و لا سيما أهل الخير منهم  فإنه يجد وحشة بينه و بينهم و كلما قويت تلك الوحشة بعد منهم و من مجانستهم و حرم بركة الإنتفاع بهم و قرب من حزب  الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمان.

و منها تعسير أموره عليه فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقا دونه أو متعسر عليه و هذا كما أن  إتقى الله جعل له من أموره يسرا، و منها أن المعاصي توهن القلب و البدن أما وهنها للقلب فالأمر ظاهر بل لا تزال توهنه حتى  تزيل حياته بالكلية، و أما وهنها للبدن فإن المؤمن قوته من قلبه و كلما قوي قلبه قوي بدنه.

و منها أن المعاصي تقصر العمر و تمحق بركته ولا بد البر كما يزيد في العمر فالفجور يقصره، فالحياة في الحقيقة حياة القلب و عمر الإنسان مدة حياته فليس عمره إلا أوقات حياته بالله فتلك ساعات عمره فالبر و التقوى و الطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره و لا عمر له سواها. يوم يقول "يال ليتني قدمت لحياتي "  الفجر 24.
و منها أن المعاصي تزرع أمثالها و تولد بعضها بعض حتى يعز على العبد مفرقتها و الخروج منها، كما قال بعض السلف أن من عقوبة السيئة بعدها و أن من ثواب الحسنة  بعدها