el bassaire

vendredi 13 novembre 2015

باب في بيان الربا وحكمه


باب في بيان الربا وحكمه
كتاب البيوع

 

 الملخص الفقهي/  قسم العبادات

تلخيص صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان


 

باب في بيان الربا وحكمه

* هذا الموضوع من أخطر المواضيع , وهو موضوع الربا الذي أجمعت الشرائع على تحريمه وتوعد الله المتعامل به بأشد الوعيد : قال تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ فأخبر سبحانه أن الذين يتعاملون بالربا ( لا يقومون ) أي من قبورهم عند البعث ( إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) أي إلا كما يقوم المصروع حال صرعه , وذلك لتضخم بطونهم بسبب أكلهم الربا في الدنيا .

كما توعد الله سبحانه الذي يعود إلى أكل الربا بعد معرفة تحريمه بأنه من أصحاب النار الخالدين فيها , قال تعالى : وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
كما أخبر الله سبحانه أنه يمحق بركة الربا , قال تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا أي يمحق بركة المال الذي خالطه الربا فمهما كثرت أموال المرابي وتضخمت فهي ممحوقة البركة لا خير فيها , وإنما هي وبال على صاحبها , تعب في الدنيا وعذاب في الآخرة , ولا يستفيد منها . وقد وصف الله المرابي بأنه كفار أثيم , قال تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ فأخبر الله سبحانه أنه لا يحب المرابي , وحرمانه من محبة الله يستلزم أن الله يبغضه ويمقته , وتسميته كَفّارا , أي : مبالغا في كفر النعمة , وهو الكفر الذي لا يخرج من الملة ; فهو كفار لنعمة الله ; لأنه لا يرحم العاجز , ولا يساعد الفقير , ولا ينظر المعسر , أو المراد أنه كَفّار الكفرَ المخرج من الملة إذا كان يستحل الربا , وقد وصفه الله في هذه الآية بأنه أثيم ; أي : مبالغ في الإثم , منغمس في الأضرار المادية والخلقية .

وقد أعلن الله الحرب منه ومن رسوله على المرابي لأنه عدو لهما إن لم يترك الربا , ووصفه بأنه ظالم , قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ وإلى جانب هذه الزواجر القرآنية عن التعامل بالربا جاءت زواجر في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ; فقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر الموبقة ; أي المهلكة , ولعن صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه , كما أخبر صلى الله عليه وسلم أن درهما واحدا من الربا أشد من ثلاث وثلاثين زنية في الإسلام , أو ست وثلاثين زنية وأخبر أن الربا اثنان وسبعون بابا , أدناها مثل إتيان الرجل أمه

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر , وهو القمار , لأن المرابي قد أخذ فضلا محققا من محتاج , والمقامر قد يحصل له فضل وقد لا يحصل له فضل ; فالربا ظلم محقق , لأن فيه تسليط الغني على الفقير ; بخلاف القمار فإنه قد يأخذ فيه الفقير من الغني , وقد يكون المتقامران متساويين في الغنى والفقر ; فهو وإن كان أكلا للمال بالباطل , وهو محرم ; فليس فيه من ظلم المحتاج وضرره ما في الربا , ومعلوم أن ظلم المحتاج أعظم من ظلم غير المحتاج " انتهى .

وأكل الربا من صفات اليهود التي استحقوا عليها اللعنة الخالدة والمتواصلة , قال الله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
* والحكمة في تحريم الربا : أن فيه أكلا لأموال الناس بغير حق , لأن المرابي يأخذ منهم الربا من غير أن يستفيدوا شيئا في مقابله , وأن فيه إضرارا  بالفقراء والمحتاجين بمضاعفة الديون عليهم عند عجزهم عن تسديدها , وأن فيه قطعا للمعروف بين الناس , وسدا لباب القرض الحسن , وفتحا لباب القرض بالفائدة التي تثقل كاهل الفقير , وفيه تعطيل للمكاسب والتجارات والحرف والصناعات التي لا تنتظم مصالح العالم إلا بها , لأن المرابي إذا تحصل على زيادة ماله بواسطة الربا بدون تعب ; فلن يلتمس طرقا أخرى للكسب الشاق , والله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشهم قائما على أن تكون استفادة كل واحد من الآخر في مقابل عمل يقوم به نحوه أو عين يدفعها إليه , والربا خال عن ذلك ; لأنه عبارة عن إعطاء المال مضاعفا من طرف لآخر بدون مقابلة من عين ولا عمل .

* والربا في اللغة معناه الزيادة , وهو في الشرع زيادة في أشياء مخصوصة ,
وينقسم إلى قسمين : ربا النسيئة , وربا الفضل .

* بيان ربا النسيئة وربا النسيئة مأخوذ من النسء , وهو التأخير , وهو نوعان : أحدهما : قلب الدين على المعسر , وهذا هو أصل الربا في الجاهلية أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل , فإذا حل الأجل ; قال له : أتقضي أم تربي ؟ فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال , فيتضاعف المال في ذمة المدين , فحرم الله ذلك بقوله : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ فإذا حل الدين , وكان الغريم معسرا , لم يجز أن يقلب الدين عليه , بل يجب إنظاره , وإن كان موسرا كان عليه الوفاء ; فلا حاجة إلى زيادة الدين مع يسر المدين ولا مع عسره .

النوع الثاني من ربا النسيئة : ما كان في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل مع تأثير قبضهما أو قبض أحدهما ; كبيع الذهب بالذهب , والفضة  بالفضة , والبر بالبر , والشعير بالشعير , والتمر بالتمر , والملح بالملح , وكذا بيع جنس بجنس من هذه المذكورات مؤجلا , وما شارك هذه الأشياء في العلة يجري مجراها وسيأتي بيان ذلك .


* بيان ربا الفضل وربا الفضل مأخوذ من الفضل , وهو عبارة عن الزيادة في أحد العوضين .
وقد نص الشارع على تحريمه في ستة أشياء هي : الذهب , والفضة , والبر , والشعير , والتمر , والملح , فإذا بيع أحد هذه الأشياء بجنسه , حرم التفاضل بينهما قولا واحدأ ; لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعا : " الذهب بالذهب , والفضة بالفضة , والبر بالبر , والشعير بالشعير , والتمر بالتمر , والملح بالملح ; مثلا بمثل , يدا بيد " رواه الإمام أحمد ومسلم , فدل الحديث على تحريم بيع الذهب بالذهب بجميع أنواعه من مضروب وغيره , وعن بيع الفضة بالفضة بجميع أنواعها ; إلا مثلا بمثل , يدا بيد , سواء بسواء , وعن بيع البر بالبر , والشعير بالشعير , والتمر بالتمر ; بجميع أنواعها , والملح بالملح ; إلا متساوية , مثلا بمثل , سواء بسواء , يدا بيد , ويقاس على هذه الأشياء الستة ما شاركها في العلة ; فيحرم فيه التفاضل عند جمهور أهل العلم ; إلا أنهم اختلفوا في تحديد العلة . والصحيح أن العلة في النقدين الثمنية , فيقاس عليهما كل ما جعل أثمانا ; كالأوراق النقدية المستعملة في هذه الأزمنة , فيحرم فيها التفاضل إذا بيع بعضها ببعض مع اتحاد الجنس بأن تكون صادرة من دولة واحدة .


والصحيح أن العلة في بقية الأصناف الستة البر والشعير والتمر والملح هي الكيل أو الوزن , مع كونها مطعومة , فيتعدى الحكم إلى ما شاركوا في تلك العلة مما يكال أو يوزن وهو مما يطعم , فيحرم فيه ربا التفاضل .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " والعلة في تحريم ربا الفضل الكيل أو الوزن مع الطعم , وهو رواية عن أحمد " انتهى . فعلى هذا , كل ما شرك هذه الأشياء الستة المنصوص عليها في تحقق هذه العلة فيه , بأن يكون مكيلا مطعوما أو موزونا مطعوما أو تحققت فيه علة الثمنية إن كان من النقود , فإنه يدخله الربا : فإن انضاف إلى العلة اتحاد الجنس ; كبيع بر ببر مثلا , حرم فيه التفاضل والتأجيل ; لقوله صلى الله عليه وسلم : الذهب بالذهب , والفضة بالفضة , والبر بالبر , والشعير بالشعير , والتمر بالتمر , والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد وإن اتحدت العلة مع اختلاف الجنس , كالبر بالشعير ; حرم فيه التأجيل , وجاز فيه التفاضل ; لقوله صلى الله عليه وسلم : فإذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد رواه مسلم وأبو داود , ومعنى قوله : " يدا بيد " ; أي حالا مقبوضا في المجلس قبل افتراق أحدهما عن الآخر .

وإن اختلفت العلة والجنس ; جاز الأمران : التفاضل , والتأجيل ; كالذهب بالبر , والفضة بالشعير . ثم لنعلم أنه لا يجوز بيع مكيل بجنسه إلا كيلا ولا موزون بجنسه إلا وزنا ; لقوله صلى الله عليه وسلم : الذهب بالذهب وزنا بوزن , والفضة بالفضة وزنا بوزن , والبر بالبر كيلا بكيل , والشعير بالشعير كيلا بكيل ولأن ما خولف فيه معياره الشرعي لا يتحقق فيه التساوي , فلا يجوز بيع مكيل بجنسه جزافا , ولا بيع موزون بجنسه جزافا ; لعدم العلم بالتساوي , والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل .

* ثم إن تعريف الصرف
هو بيع نقد بنقد سواء اتحد الجنس أو اختلف , وسواء كان النقد من الذهب أو الفضة أو من الأوراق النقدية المتعامل بها في هذا الزمان ; فإنها تأخذ حكم الذهب والفضة ; لاشتراكهما معا في علة الربا , وهي الثمنية . - فإذا بيع نقد بجنسه ; كذهب بذهب , أو فضة بفضة , أو ورق نقدي بجنسه ; كدولار بمثله , أو دراهم ورقية سعودية بمثلها ; وجب حينئذ التساوي في المقدار والتقابض في المجلس .

- وإن بيع نقد بنقد من غير جنسه ; كدراهم سعودية ورقية بدولارات أمريكية مثلا , وكذهب بفضة ; وجب حينئذ شيء واحد , وهو الحلول والتقابض في المجلس , وجاز التفاضل في المقدار , وكذا إذا بيع حلي من الذهب بدراهم فضة أو بورق نقدي ; وجب الحلول والتقابض في المجلس , وكذا إذا بيع حلي من الفضة بذهب مثلا .

- أما إذا بيع الحلي من الذهب أو الفضة بحلي أو نقد من جنسه ; كأن يباع الحلي من الذهب بذهب , والحلي من الفضة بفضة ; وجب الأمران : التساوي في الوزن , والحلول والتقابض في المجلس .

* وخطر الربا عظيم , ولا يمكن التحرز منه إلا بمعرفة أحكامه , ومن لم يستطع معرفتها بنفسه ; فعليه أن يسأل أهل العلم عنها , ولا يجوز له أن يقدم على معاملة إلا بعد تأكده من خلوها من الربا ; ليسلم بذلك دينه , وينجو من عذاب الله الذي توعد به المرابين , ولا يجوز تقليد الناس فيما هم عليه من غير بصيرة ; خصوصا في وقتنا هذا الذي كثر فيه عدم المبالاة بنوعية المكاسب , وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه في آخر الزمان يكثر استعمال الربا , ومن لم يأكله , ناله من غباره .



* ومن المعاملات الربوية المعاصرة قلب الدين على المعسر إذا حل ولم يكن عنده سداد ; زيد عليه الدين بكميات ونسبة معينة حسب التأخير , وهذا هو ربا الجاهلية , وهو حرام بإجماع المسلمين , وقال الله تعالى فيه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ  ففي هذه الآية الكريمة جملة تهديدات عن تعاطي هذا النوع من الربا :

أولا : أنه سبحانه نادى عباده باسم الإيمان : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وقال : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فدل على أن تعاطي الربا لا يليق بالمؤمن .
ثانيا : قال تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ فدل على أن الذي يتعاطى الربا لا يتقي الله ولا يخافه .
ثالثا : قال تعالى : وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا أي : اتركوا , وهذا أمر بترك الربا , والأمر يفيد الوجوب , فدل على أن من يتعاطى الربا قد عصى أمر الله .
رابعا : أنه سبحانه أعلن الحرب على من لم يترك التعامل بالربا ; فقال تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أي لم تتركوا الربا ; فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي : اعلموا أنكم تحاربون الله ورسوله .
خامسا : تسمية المرابي ظالما , وذلك في قوله تعالى : فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ

* ومن المعاملات الربوية : القرض بالفائدة بأن يقرضه شيئا , بشرط أن يوفيه أكثر منه , أو يدفع إليه مبلغا من المال على أن يوفيه أكثر منه بنسبة معينة , كما هو المعمول به في البنوك , وهو ربا صريح , فالبنوك تقوم بعقد صفقات القروض بينها وبين ذوي الحاجات وأرباب التجارات وأصحاب المصانع والحرف المختلفة , فتدفع لهؤلاء مبالغ من المال نظير فائدة محددة بنسبة مئوية , وتزداد هذه النسبة في حالة التأخر عن السداد في الموعد المحدد , فيجتمع في  ذلك الربا بنوعيه ; ربا الفضل , وربا النسيئة .

* ومن المعاملات الربوية ما يجري في البنوك من الإيداع بالفائدة وفي الودائع الثابتة إلى أجل , يتصرف فيها البنك إلى تمام الأجل , ويدفع لصاحبها فائدة ثابتة بنسبة معينة في المائة ; كعشرة أو خمسة في المائة .

* ومن المعاملات الربوية بيع العينة
وهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجل على شخص , ثم يعود ويشتريها منه بثمن حالّ أقل من الثمن المؤجل , وسميت هذه المعاملة بيع العينة , لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عينا ; أي نقدا حاضرا , والبيع بهذه الصورة إنما هو حيلة للتوصل إلى الربا , وقد جاء النهي عن هذه المعاملة في أحاديث وآثار كثيرة , منها قوله صلى الله عليه وسلم : إذا تبايعتم بالعينة , وأخذتم أذناب البقر , ورضيتم بالزرع , وتركتم الجهاد , سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم رواه أبو داود , وقال صلى الله عليه وسلم : يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع 
* فاحذروا من دخول الربا في معاملاتكم , واختلاطه بأموالكم , فإن أكل الربا وتعاطيه من أكبر الكبائر , وما ظهر الربا والزنى في قوم إلا ظهر فيهم الفقر والأمراض المستعصية وظلم السلطان , والربا يهلك الأموال ويمحق البركات .



* لقد شدد الله الوعيد على أكل الربا , وجعل أكله من أفحش الخبائث وأكبر الكبائر , وبين عقوبة المرابي في الدنيا والآخرة , وأخبر أنه محارب لله ولرسوله ; فعقوبته في الدنيا أنه يمحق بركة المال ويعرضه للتلف والزوال , فكم تسمعون من تلف الأموال العظيمة بالحريق والغرق والفيضان , فيصبح أهلها فقراء بين الناس , وإن بقيت هذه الأموال الربوية بأيدي أصحابها , فهي ممحوقة البركة , لا ينتفعون منها بشيء , إنما يقاسون أتعابها , ويتحملون حسابها , ويصلون عذابها , والمرابي مبغوض عند الله وعند خلقه ; لأنه يأخذ ولا يعطي , يجمع ويمنع , لا ينفق ولا يتصدق , شحيح جشع , جموع منوع , تنفر منه القلوب , وينبذه المجتمع ; وهذه عقوبة عاجلة , وعقوبته الآجلة أشد وأبقى ; كما بينها الله في كتابه , وما ذاك إلا لأن الربا مكسب خبيث , وسحت ضار , وكابوس ثقيل على المجتمعات البشرية

lundi 9 novembre 2015

أحكام التصرف في البيع

أحكام التصرف في البيع
كتاب البيوع

 

 الملخص الفقهي/  قسم العبادات

تلخيص صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان


 


باب في أحكام التصرف في البيع قبل قبضه والإقالة
* نتناول في هذا الباب إن شاء الله أحكام التصرف في المبيع قبل قبضه - ما يصح وما لا يصح - مع بيان ما يحصل به قبض المبيع ويعد قبضا صحيحا , وما لا يعد قبضا صحيحا .
* اعلم أنه لا يصح التصرف في المبيع قبل قبضه إذا كان مكيلا أو موزونا أو معدودا أو مذروعا باتفاق الأئمة , وكذا إذا كان غير ذلك على الصحيح الراجح من قولي العلماء رحمهم الله , لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من ابتاع طعاما , فلا يبعه حتى يستوفيه متفق عليه , وفي لفظ : حتى يقبضه ولمسلم : حتى يكتاله .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : " ولا أحسب غيره إلا مثله " , أي غير الطعام , بل ورد ذلك صريحا كما روى الإمام أحمد : إذا اشتريت شيئا , فلا تبعه حتى تقبضه وروى أبو داود : نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التاجر إلى رحالهم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله : " علة النهي عن البيع قبل القبض عجز المشتري عن تسلمه ; لأن البائع قد يسلمه وقد لا يسلمه , لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح , فإنه يسعى في رد البيع ; إما بجحد أو احتيال على الفسخ , وتأكد ذلك بالنهي عن ربح ما لم يضمن " انتهى .
فيجب على المسلمين أن يتقيدوا بذلك , فإذا اشترى المسلم سلعة , لم يقدم على التصرف فيها ببيع أو غيره حتى يقبضها قبضا تاما , وهذا مما يتساهل فيه كثير من الناس أو يتجاهلونه , فيشترون السلع ثم يبيعونها وهم لم يقبضوها من البائع أصلا أو قبضوها قبضا ناقصا لا يعد قبضا صحيحا , كأن يعد الأكياس أو الطرود أو الصناديق وهي في محل البائع , ثم يذهب ويبيعها على آخر , وهذا لا يعد قبضا صحيحا , يترتب علية جواز تصرف المشتري فيها .
* فإن قلت : ما هو القبض الصحيح الذي يسوغ للمشتري التصرف في السلعة ؟ فالجواب أن قبض السلع يختلف باختلاف نوعيتها , وكل نوع له قبض يناسبه , فإذا كان المبيع مكيلا فقبضه بالكيل , وإن كان موزونا فقبضه بالوزن , وإن كان معدودا فقبضه بالعد , وإن كان مذروعا فقبضه بالذرع , مع حيازة هذه الأشياء إلى مكان المشتري , وما كان كالثياب والحيوانات والسيارات فقبضه بنقله إلى مكان المشتري , وإن كان المبيع مما يتناول باليد كالجواهر والكتب ونحوها فقبضه يحصل بتناول المشتري له بيده وحيازته , وإن كان المبيع مما لا يمكن نقله من مكانه ; كالبيوت والأراضي والثمر على رءوس الشجر , فقبضه يحصل بالتخلية , بأن يمكن منه المشتري , ويخلى بينه وبينه ليتصرف فيه تصرف المالك , وتسليم الدار ونحوها بأن يفتح له بابها أو يسلمه مفتاحها .
* وقد مر من الأحاديث في النهي عن التصرف في المبيع قبل قبضه المعتبر شرعا ; لما في ذلك من المصلحة للمشتري والبائع ; من قطع النزاع , والسلامة من الخصومات التي كثيرا ما تنشب بين الناس بسبب تساهلهم في القبض وعدم تفقد المشتري للسلعة واستيفائها بالوفاء والتمام وانقطاع عهدة البائع بها , وهذا أمر ينبغي للمسلم التقيد به وتطبيقه في معاملته .
* وكثير من الناس اليوم يتساهلون في قبض السلع , ويتصرفون فيها قبل القبض الشرعي , فيرتكبون ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم , فيقعون في الخصومات والمنازعات , أو يصابون بالندامة عندما تنكشف لهم السلعة على حقيقتها وقد تورطوا فيها ; فلا يستطيعون الخلاص منها إلا بمرافعات ومدافعات , وهكذا كل من خالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فلا بد أن يندم ويقع في الحرج .
* ومما حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ورغب فيه : إقالة أحد المتعاقدين للآخر بفسخ البيع عندما يندم على العقد أو تزول حاجته بالسلعة أو يعسر بالثمن , قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أقال مسلما أقال الله عثرته يوم القيامة والإقالة معناها : رفع العقد , ورجوع كل من المتعاقدين بما كان له من غير زيادة ولا نقص , وهي من حق المسلم على أخيه المسلم عندما يحتاج إليها , وهي من حسن المعاملة , ومن مقتضى الأخوة الإيمانية .


jeudi 5 novembre 2015

الشروط في البيع

الشروط في البيع 

كتاب البيوع

 

 الملخص الفقهي/  قسم العبادات

تلخيص صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان


 


باب في أحكام الشروط في البيع
·                     الشروط في البيع كثيرة الوقوع , وقد يحتاج المتبايعان أو أحدهما إلى شرط أو أكثر , فاقتضى ذلك البحث في الشروط , وبيان ما يصح ويلزم منها وما لا يصح .
·                     والفقهاء رحمهم الله يعرفون الشرط في البيع بأنه إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة , ولا يعتبر الشرط في البيع عندهم ساري المفعول إلا إذا اشترط في صلب العقد ; فلا يصح الاشتراط قبل العقد ولا بعده .
·                     والشروط في البيع تنقسم إلى قسمين : صحيحة وفاسدة :
أولا : الشروط الصحيحة : وهي
الشروط التي لا تخالف مقتضى العقد وهذا القسم يلزم العمل بمقتضاه ; لقوله صلى الله عليه وسلم : " المسلمون على شروطهم " ولأن الأصل في الشروط الصحة , إلا ما أبطله الشارع ونهى عنه .والقسم الصحيح من الشروط نوعان :
النوع الأول : شرط لمصلحة العقد بحيث يتقوى به العقد , وتعود مصلحته على المشترط ; كاشتراط التوثيق بالرهن , أو اشتراط الضامن , وهذا يطمئن البائع , واشتراط تأجيل الثمن أو تأجيل بعضه إلى مدة معلومة , وهذا يستفيد منه المشتري , فإذا وفي بهذا الشرط , لزم البيع , وكذلك لو اشترط المشتري صفة في المبيع , مثل كونه من النوع الجيد أو من الصناعة الفلانية أو الإنتاج الفلاني ; لأن الرغبات تختلف باختلاف ذلك , فإن أتى المبيع على الوصف المشترط لزم البيع , وإن اختلف عنه ; فللمشتري الفسخ أو الإمساك مع تعويضه عن فقد الشرط , بحيث يقوم المبيع مع تقدير وجود الصفة المشترطة , ثم يقوم مع فقدها , ويدفع له الفرق بين القيمتين إذا طلب .
النوع الثاني من الشروط الصحيحة في البيع : أن يشترط أحد المتعاقدين على الآخر بذل منفعة مباحة في المبيع ; كأن يشترط البائع سكنى الدار المبيعة مدة معينة , أو أن يحمل على الدابة أو السيارة المبيعة إلى موضع معين ; لما روى جابر : " أن النبي صلى الله عليه وسلم باع جملا واشترط ظهره إلى المدينة " متفق عليه , فالحديث يدل على جواز بيع الدابة مع استثناء ركوبها إلى موضع معين , ويقاس عليها غيرها , وكذا لو اشترط المشتري على البائع بذل عمل في المبيع ; كأن يشتري منه حطبا , ويشترط عليه حمله إلى موضع معلوم , أويشتري منه ثوبا , ويشترط عليه خياطته .
ثانيا : الشروط الفاسدة : وهذا القسم أنواع :
النوع الأول : شرط فاسد يبطل العقد من أصله , ومثاله أن يشترط أحدهما على الآخر عقدا آخر , كأن يقول : بعتك هذه السلعة بشرط أن تؤجرني دارك , أو يقول : بعتك هذه السلعة بشرط أن تشركني معك في عملك الفلاني أو في بيتك , أو يقول : بعتك هذه السلعة بكذا بشرط أن تقرضني مبلغ كذا من الدراهم ; فهذا الشرط فاسد , وهو يبطل العقد من أساسه , لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة وقد فسر الإمام أحمد رحمه الله الحديث بما ذكرنا .
النوع الثاني من الشروط الفاسدة في البيع : ما يفسد في نفسه , ولا يبطل البيع ; مثل أن يشترط المشتري على البائع أنه إن خسر في السلعة ردها عليه , أو شرط البائع على المشتري أن لا يبيع السلعة ونحو ذلك فهذا شرط فاسد ; لأنه يخالف مقتضى العقد , لأن مقتضى البيع أن يتصرف المشتري في السلعة تصرفا مطلقا , ولقوله صلى الله عليه وسلم : " من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط " متفق عليه , والمراد بكتاب الله هنا حكمه ; ليشمل ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والبيع لا يبطل مع بطلان هذا الشرط ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بريرة حينما اشترط بائعها ولاءها له إن أعتقت أبطل الشرط , ولم يبطل العقد , وقال صلى الله عليه وسلم : " إنما الولاء لمن أعتق "
* إنه ينبغي للمسلم الذي يشتغل بالبيع والشراء أن يتعلم أحكام البيع وما يصح فيه من الشروط وما لا يصح ; حتى يكون على بصيرة في معاملته , ولتنقطع الخصومات والمنازعات بين المسلمين ; فإن غالبها ينشأ من جهل المتبايعين أو أحدهما بأحكام البيع , واشتراطهم شروطا فاسدة .
باب في أحكام الخيار في البيع
* دين الإسلام دين سمح شامل , يراعي المصالح والظروف , ويرفع الحرج والمشقة عن الأمة , ومن ذلك ما شرعه في البيع من إعطاء الخيار للعاقد , ليتروى في أمره وينظر في مصلحته من وراء تلك الصفقة ; فيقدم على ما يؤمل من ورائه الخير , ويحجم ويتراجع عما لا يراه في مصلحته .
*
فالخيار في البيع معناه طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الفسخ
وهو ثمانية أقسام : -
أولا : خيار المجلس أي المكان الذي جرى فيه التبايع ; فلكل من المتبايعين الخيار ما داما في المجلس , ودليله قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا تبايع الرجلان ; فكل واحد منهما بالخيار , ما لم يتفرقا وكانا جميعا " قال العلامة ابن القيم رحمه الله : " في إثبات الشارع خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين , وليحصل تمام الرضى الذي شرطه تعالى بقوله : عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ فإن العقد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة ; فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حرما يتروى فيه المتبايعان , ويعيدان النظر , ويستدرك كل واحد منهما , فلكل من المتبايعين الخيار بموجب هذا الحديث الشريف ; ما لم يتفرقا بأبدانهما من مكان التبايع , فإن أسقطا الخيار بأن تبايعا على أن لا خيار لهما أو أسقطه أحدهما سقط , ولزم البيع في حقهما أو حق من أسقطه منهما بمجرد العقد ; لأن الخيار حق للعاقد , فيسقط بإسقاطه ولقوله صلى الله عليه وسلم : ما لم يتفرقا أو يخير أحدهما الآخر ويحرم على أحدهما أن يفارق أخاه بقصد إسقاط الخيار ; لحديث عمرو بن شعيب وفيه : ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله
ثانيا : خيار الشرط بأن يشترط المتعاقدان الخيار في صلب العقد أو بعد العقد في مدة خيار المجلس مدة معلومة ; لقوله صلى الله عليه وسلم : المسلمون على شروطهم ولعموم قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
ويصح أن يشترط المتبايعان الخيار لأحدهما دون الآخر ; لأن الحق لهما , فكيفما تراضيا جاز.
- ثالثا : خيار الغبن إذا غبن في البيع غبنا يخرج عن العادة ; فيخير المغبون منهما بين الإمساك والرد ; لقوله صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار ولقوله صلى الله عليه وسلم : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه والمغبون لم تطب نفسه بالغبن , فإن كان الغبن يسيرا قد جرت به العادة فلا خيار .
وخيار الغبن يثبت في ثلاث صور :
الصورة الأولى من صور خيار الغبن : تلقي الركبان , والمراد بهم القادمون لجلب سلعهم في البلد , فإذا تلقاهم , واشترى منهم , وتبين أنه قد غبنهم غبنا فاحشا ; فلهم الخيار , لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تلقوا الجلب , فمن تلقاه فاشترى منه , فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار رواه مسلم ; فنهى صلى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب خارج السوق الذي تباع فيه السلع , وأمر أنه إذا أتى البائع السوق الذي تعرف فيه قيم السلع , وعرف ذلك فهو بالخيار بين أن يمضي البيع أو يفسخ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " أثبت النبي صلى الله عليه وسلم للركبان الخيار إذا تلقوا ; لأن فيه نوع تدليس وغش " . وقال ابن القيم : " نهى عن ذلك ; لما فيه من تغرير البائع , فإنه لا يعرف السعر , فيشتري منه المشتري بدون القيمة , ولذلك أثبت له النبي صلى الله عليه وسلم الخيار إذا دخل السوق , ولا نزاع في ثبوت الخيار له مع الغبن ; فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل , فيكون المشتري غارّا له , وكذا البائع إذا باعهم شيئا ; فلهم الخيار إذا هبطوا السوق , وعلموا أنهم غبنوا غبنا يخرج عن العادة " انتهى .
الصورة الثانية من صور خيار الغبن : الغبن الذي يكون سببه زيادة الناجش في ثمن السلعة , والناجش : هو الذي يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها , وإنما يريد رفع ثمنها على المشتري , وهذا عمل محرم , قد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ولا تناجشوا لما في ذلك من تغرير المشتري وخديعته , فهو في معنى الغش . ومن صور النجش المحرم أن يقول صاحب السلعة : أعطيت بها كذا وكذا وهو كاذب , أو يقول : اشتريتها بكذا وهو كاذب . ومن صور النجش المحرم أن يقول صاحب السلعة : لا أبيعها إلا بكذا أو كذا , لأجل أن يأخذها المشتري بقريب مما قال , كأن يقول في سلعة ثمنها خمسة : أبيعها بعشرة ; ليأخذها المشتري بقريب من العشرة .
الصورة الثالثة من صور الغبن الذي يثبت به الخيار : غبن المسترسل .
قال الإمام ابن القيم : " وفي الحديث : غبن المسترسل ربا والمسترسل : هو الذي يجهل القيمة ولا يحسن أن يناقص في الثمن , بل يعتمد على صدق البائع لسلامة سريرته , فإذا غبن غبنا فاحشا ; ثبت له الخيار " . والغبن محرم ; لما فيه من التغرير للمشتري . ومما يجري في بعض أسواق المسلمين - وهو محرم - أن بعض الناس حينما يجلب إلى السوق سلعة , يتفق أهل السوق على ترك مساومتها , ويعمدون واحدا منهم يسومها من صاحبها , فإذا لم يجد من يزيد عليه , اضطر لبيعها عليه برخص , ثم اشترك البقية مع المشتري , وهذا غبن وظلم محرم , ويثبت لصاحب السلعة - إذا علم بذلك - الخيار وسحب سلعته منهم ; فيجب على من يفعل مثل هذا التغرير أن يتركه ويتوب منه , ويجب على من علم ذلك أن ينكره على من يفعله ويبلغ المسئولين لردعهم عن ذلك .
- رابعا : خيار التدليس أي الخيار الذي يثبت بسبب التدليس , والتدليس : هو إظهار السلعة المعيبة بمظهر السليمة , مأخوذ من الدلسة بمعنى : الظلمة ; كأن البائع بتدليسه صير المشتري في ظلمة , فلم يتم إبصاره للسلعة , وهو نوعان :
النوع الأول : كتمان عيب السلعة .
والنوع الثاني : أن يزوقها وينمقها بما يزيد به ثمنها .
والتدليس حرام , وتسوغ به الشريعة للمشتري الرد , لأنه إنما بذل ماله في المبيع بناء على الصفة التي أظهرها له البائع , ولو علم أنه على خلافها لما بذل ماله فيها .
ومن أمثلة التدليس الواردة : تصرية الغنم والبقر والإبل , وهي حبس لبنها في ضروعها عند عرضها للبيع , فيظنها المشتري كثيرة اللبن دائما , قال النبي صلى الله عليه وسلم :
لا تصروا الإبل والغنم , فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسك , وإن شاء ردها وصاعا من تمر
ومن أمثلة التدليس تزويق البيوت المعيبة للتغرير بالمشتري والمستأجر , وتزويق السيارات حتى تظهر بمظهر غير المستعملة للتغرير بالمشتري , وغير ذلك من أنواع التدليس . يجب على المسلم أن يصدق ويبين الحقيقة , قال صلى الله عليه وسلم :
البيعان بالخيار ما لم يتفرقا , فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما , وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الصدق في البيع والشراء من أسباب البركة , وأن الكذب من أسباب محق البركة , فالثمن وإن قل مع الصدق يبارك الله فيه , وإن كثر الثمن مع الكذب فهو ممحوق البركة لا خير فيه .
- خامسا : خيار العيب أي الخيار الذي يثبت للمشتري بسبب وجود عيب في السلعة لم يخبره به البائع أو لم يعلم به البائع , لكنه تبين أنه موجود في السلعة قبل البيع , وضابط العيب الذي يثبت به الخيار هو ما تنقص بسببه قيمة المبيع عادة أو تنقص به عينه , وترجع معرفة ذلك إلى التجار المعتبرين , فما عدوه عيبا , ثبت الخيار به , وما لم يعدوه عيبا ينقص القيمة أو عين المبيع , لم يعتبر , فإذا علم المشتري بالعيب بعد العقد , فله الخيار بين أن يمضي البيع ويأخذ عوض العيب , وهو مقدار الفرق بين قيمة المبيع صحيحا وقيمته معيبا , وبين أن يفسخ البيع ويرد السلعة ويسترجع الثمن الذي دفعه للمشتري .
- سادسا : ما يسمى بخيار التخبير بالثمن وهو ما إذا باع السلعة بثمنها الذي اشتراها به , فأخبره بمقداره , ثم تبين أنه أخبر بخلاف الحقيقة , كأن تبين أن الثمن أكثر أو أقل مما أخبره به , أو قال : أشركتك معي في هذه السلعة برأس مالي , أو قال : بعتك هذه السلعة بربح كذا وكذا على رأس مالي فيها , أو قال : بعتك هذه السلعة بنقص كذا وكذا عما اشتريتها به ; ففي هذه الصور الأربع إذا تبين أن رأس المال خلاف ما أخبره به ; فله الخيار بين الإمساك والرد , على قول في المذهب , والقول الثاني : أنه في هذه الحالة لا خيار للمشتري , ويجري الحكم على الثمن الحقيقي , ويسقط عنه الزائد , والله أعلم .
سابعا : خيار يثبت إذا اختلف المتبايعان في بعض الأمور , كما إذا اختلفا في مقدار الثمن , أو اختلفا في عين المبيع , أو قدره , أو اختلفا في صفته , ولا بينة لأحدهما , فحينئذ يتحالفان , فيحلف كل منهما على ما يدعيه , ثم بعد التحالف لكل منهما الفسخ إذا لم يرض بقول الأخر .
ثامنا : خيار يثبت للمشتري إذا اشترى شيئا بناء على رؤية سابقة , ثم وجده قد تغيرت صفته , فله الخيار حينئذ بين إمضاء البيع وفسخه , والله أعلم .