el bassaire

lundi 30 décembre 2013

فصـل في تفسير قوله تعالى‏:‏ {‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ‏}‏



فصـل في تفسير قوله تعالى‏:‏
{‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ‏}‏
المفتي:شيخ الإسلام ابن تيمية


في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}‏‏ ‏[‏البينة‏:‏ 1‏]‏‏.

‏‏ فإن هذه السورة سورة جليلة القَدْر، وقد ورد فيها فضائل‏‏‏ وقد ثبت في الصحيح أن اللّه أمر نبيه أن يقرأها على أبي بن كعب‏.‏ففي الصحيحين عن أنس بن مالك، عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لأبي "إن اللّه أمرني أن أقرأ عليك القرآن‏‏‏.‏ قال‏:‏ آللّه سماني لك‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏آللّه سماك لي‏‏‏.‏ قال‏:‏ فجعل أبي يبكي"‏‏.‏

وفي رواية أخري "إن اللّه أمرني أن أقرأ عليك"‏‏ ‏{‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا‏} "‏‏‏ قال‏:‏ سماني لك‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏نعم‏‏‏.‏ فبكى‏"‏‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ "وذكرت عند رب العالمين‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏نعم‏‏.‏ فذرفت عيناه‏"‏‏ قال قتادة‏:‏ أنبئت أنه قرأ عليه‏:‏ ‏{‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ‏‏}.‏وتخصيص هذه السورة بقراءتها على أبي يقتضي اختصاصها وامتيازها بما اقتضي ذلك‏.‏وقوله‏:‏‏(‏أن أقرأ عليك‏)‏، أي قراءة تبليغ وإسماع وتلقين، ليس هي قراءة تلقين وتصحيح كما يقرأ المتعلم على المعلم، فإن هذا قد ظنه بعضهم، وجعلوا هذا من باب التواضع‏.‏وجعل أبو حامد هذا مما يستدل به على تواضع المتعلم، وليس هذا بشيء‏.‏

فإن هذه القراءة كان يقرأها على جبريل يعرض عليه القرآن كل عام، فإنه هو الذي نزل عليه القرآن‏.‏‏ وأما الناس فمنه تعلموه، فكيف يصحح قراءته على أحد منهم، أو يقرأ كما يقرأ المتعلم ‏؟‏ ولكن قراءته على أبي بن كعب كما كان يقرأ القرآن على الإنس والجن‏.‏فقد قرأ على الجن القرآن‏.،‏‏ وكان إذا خرج إلى الناس يدعوهم إلى الإسلام، ويقرأ عليهم القرآن‏.‏‏ ويقرأه على الناس في الصلاة وغير الصلاة‏.‏

قـال تعالى‏:‏ ‏{‏‏فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ‏} ‏[‏الانشقاق‏:‏20 -21‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏‏إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}‏‏ ‏[‏مريم‏:‏ 58‏]‏،وقال تعالى‏:‏‏{‏‏لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ‏} ‏[‏آل عمران‏:‏ 164‏]‏‏.‏


وذكر مثل هذا في غير موضع‏.‏فهو يتلو على المؤمنين آيات اللّه‏.‏وأبي بن كعب أمر بتخصيصه بالتلاوة عليه لفضيلة أبي واختصاصه بعلم القرآن، كما ثبت في الصحاح عن عمر أنه قال‏:‏ أبي أقرأنا وعلى أقضانا‏.‏‏ وفي الصحيح أنه قال لابن مسعود "اقرأ علي القرآن‏‏‏.‏ قال‏:‏ أقرأ عليك وعليك أنزل‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏إني أحب أن أسمعه من غيري‏"‏‏‏.‏‏ فقراءة ابن مسعود عليه في هذا الموضع لإسماعه إياه، لا لأجل التصحيح والتلقين‏.‏ وفي معنى قوله تعالى‏:‏ لم يكن هؤلاء وهؤلاء ‏{‏مُنفَكِّينَ‏}‏، ثلاثة أقوال ذكرها غير واحد من المفسرين‏:‏ هل المراد لم يكونوا منفكين عن الكفر‏؟‏ أو هل لم يكونوا مكذبين بمحمد حتى بعث، فلم يكونوا منفكين عن محمد والتصديق بنبوته حتى بعث‏؟‏ أو المراد أنهم لم يكونوا متروكين حتى يُرسَل إليهم رسول ‏؟‏

وممن ذكر هذا أبو الفرج بن الجوزي‏.‏قال‏:‏ ‏{‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}‏‏، يعني اليهود والنصارى‏.‏ ‏{‏وَالْمُشْرِكِينَ‏}‏، وهم عبدة الأوثان‏.‏‏{‏مُنفَكِّينَ‏}‏، أي‏:‏ منفصلين وزائلين‏.‏ يقال‏:‏ فككت الشيء فانفك، أي‏:‏ انفصل‏.‏والمعنى‏:‏ لم يكونوا زائلين عن كفرهم وشركهم حتى أتتهم البينة‏.‏لفظه لفظ المستقبل ومعناه الماضي‏.‏والبينة الرسول، وهو محمد صلى الله عليه وسلم بين لهم ضلالهم وجهلهم‏.‏وهذا بيان عن نعمة اللّه على من آمن من الفريقين إذ أنقذهم به‏.‏‏ ولفظ البغوي نحو هذا‏.‏‏ قال‏:‏ لم يكونوا منتهين عن كفرهم وشركهم وقال أهل اللغة‏:‏ ‏[‏منفكين‏]‏ منفصلين زائلين، يقال‏:‏ فككت الشيء فانفك، أي‏:‏ انفصل‏.‏ ‏{‏‏حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}‏‏، لفظه مستقبل ومعناه الماضي، أي‏:‏ حتى أتتهم البينة الحجة الواضحة يعني محمدًا أتاهم بالقرآن، فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم، ودعاهم إلى الإيمان‏.‏‏ فأنقذهم اللّه به من الجهل والضلالة‏.‏‏ ولم يذكر غير هذا‏.

‏‏ قال أبو الفرج‏:‏ وذهب بعض المفسرين إلى أن معنى الآية‏:‏ لم يختلفوا أن اللّه يبعث إليهم نبيًا حتى بعث، فافترقوا‏.‏وقال بعضهم‏:‏ لم يكونوا منفكين عن حُجَج اللّه حتى أقيمت عليهم البينة‏.‏قال‏:‏ والوجه هو الأول‏.‏‏ وذكر الثلاثة أبو محمد بن عطية، لكن الثالث وجهه وقواه، ولم يحكه عن غيره‏.‏‏ فقال‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏مُنفَكِّينَ‏}‏، أي‏:‏ منفصلين متفرقين‏.‏‏ تقول‏:‏ انفك الشيء عن الشيء إذا انفصل عنه‏.‏ قال‏:‏ و‏[‏ما انفك‏]‏ التي هي من أخوات ‏[‏كان‏]‏ لا مدخل لها في هذه الآية، فبين في هذه أن تكون هذه الصفة منفكة‏.

‏‏ قال‏:‏ واختلف الناس عن ماذا ‏؟‏ فقال مجاهد وغيره‏:‏ لم يكونوا منفكين عن الكفر والضلال حتى جاءتهم البينة، وأوقع المستقبل موقع الماضي في ‏{‏تأْتِيَهُمُ‏}‏؛ لأن بأس الشريعة وعِظَمِها لم يجئ بعد‏.‏وقال الفراء وغيره‏:‏ لم يكونوا منفكين عن معرفة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتوكد لأمره، حتى جاءتهم البينة فتفرقوا عند ذلك‏.‏

قال‏:‏ وذهب بعض النحويين إلى أن هذا المنفي المتقدم مع ‏[‏منفكين‏]‏، يجعلهم تلك هي مع ‏[‏كان‏]‏، ويروي التقدير في خبرها‏:‏ ‏[‏عارفين أمر محمد‏]‏، أو نحو هذا‏.‏‏ قال‏:‏ وفي معنى الآية قول ثالث بارع المعنى؛ وذلك أن يكون المراد‏:‏ لم يكونوا هؤلاء منفكين من أمر اللّه وقدرته ونظره لهم حتى يبعث إليهم رسولا منذرًا تقوم عليهم به الحجة وتتم على من آمن النعمة فكأنه قال‏:‏ ما كانوا يتركوا سدي‏.‏

قال‏:‏ ولهذا المعنى نظائر في كتاب اللّه‏.‏وقد ذكر الثعلبي ثلاثة أقوال‏.‏لكن الثالث حكاه عمن جعل مقصوده إهلاكهم بإقامة الحجة وجعل ‏[‏منفكين‏]‏ بمعنى هالكين‏.‏فقال‏:‏ لم يكونوا منفكين منتهين عن كفرهم وشركهم‏.‏وقال أهل اللغة‏:‏ زائلين‏.‏تقول العرب‏:‏ ما انفك فلان يفعل كذا، أي‏:‏ مازال‏.‏ وأصل الفك‏:‏ الفتح، ومنه فك الكتاب، وفك الخلخال‏.‏‏{‏‏حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}‏‏، الحجة الواضحة، وهو محمد أتاهم بالقرآن، فبين ضلالتهم وجهالتهم‏.‏ودعاهم إلى الإيمان‏.‏قال‏:‏ وقال ابن كَيْسان‏:‏ معناه‏:‏ لم يكن هؤلاء الكفار تاركين صفة محمد في كتابهم حتى بعث، فلما بعث تفرقوا فيه‏.‏‏ وقال‏:‏ قال العلماء في أول السورة إلى قوله‏:‏ ‏{‏‏فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ِ‏} ‏[‏البينة‏:‏ 3‏]‏، حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين‏.‏‏ ‏{‏وَمَا تَفَرَّقَ‏}‏‏:‏ حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجة عليهم‏.‏قال‏:‏ وقال بعض أئمة اللغة‏:‏ قوله ‏{‏مُنفَكِّينَ‏}‏، أي هالكين‏.‏من قولهم‏:‏ انفك صَلا المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل ولا يلتئم فتهلك‏.‏ومعنى الآية‏:‏ لم يكونوا هالكين مكذبين إلا بعد إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسول وإنزال الكتاب‏.‏وقد ذكر البغوي هذا والأول قال‏:‏ والأول أصح‏.‏

قلت‏:‏ القول الثاني الذي حكاه عن ابن كيسان هو قول الفرَّاء‏.‏ وقد قدمه المْهدَوي على الأول فقال‏:‏ ‏{‏مُنفَكِّينَ‏}‏، مِن ‏[‏انفك الشيء من الشيء‏]‏ إذا فارقه‏.‏‏ والمعنى‏:‏ لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول لمفارقتهم ما كان عندهم من خبره وصفته‏.‏‏ وكفرهم بعد البينات‏.‏‏ قال‏:‏ ولا يحتاج ‏{‏مُنفَكِّينَ‏}‏ على هذا التأويل إلى خبرويدل على ذلك قوله‏:‏ ‏{‏‏وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}‏‏ ‏[‏البينة‏:‏ 4‏]‏‏.

‏‏ قال، وقال مجاهد‏:‏ المعنى لم يكونوا منتهين عما هم عليه‏.‏‏ وعن مجاهد أيضًا ‏:‏ لم يكونوا ليؤمنوا حتى تأتيهم البينة‏.‏‏ قال‏:‏ وقال الفراء‏:‏ لم يكونوا تاركين ذكر ما عندهم من ذكر النبي حتى ظهر‏.‏‏ فلما ظهر تفرقوا واختلفوا‏.‏‏ قلت‏:‏ هذا المعنى هو الذي قدمه‏.‏لكن الفراء وابن كَيْسَان جعلا الانفكاك مفارقتهم وتركهم لذكره وخبره والبشارة به‏.‏‏ أي‏:‏ لم يكونوا مفارقين تاركين لما علموه من خبره حتى ظهر‏.‏‏ فانفكوا حينئذ‏.‏‏ وذاك يقول‏:‏ لم يكونوا منفكين، أي‏:‏ متفرقين‏.

‏ إلا إذا جاء الرسول، لمفارقتهم ما كان عندهم من خبره‏.‏‏ وهو معنى ما حكاه أبو الفرج‏:‏ لم يختلفوا أن اللّه يبعث إليهم نبيًا حتى بعث، فافترقوا‏.‏‏ فالانفكاك انفكاك بعضهم عن بعض، أو انفكاكهم عما كان عندهم من علمه وخبره‏.‏وهذا القول ضعيف لم يرد بهذه الآية قطعًا‏.‏‏ فإن الله لهم يذكر أهل الكتاب، بل ذكر الكفار من المشركين وأهل الكتاب‏.‏‏ ومعلوم أن المشركين لم يكونوا يعرفونه ويذكرونه ويجدونه في كتبهم، كما كان ذلك عند أهل الكتاب‏.‏

ولا كانوا قبل مبعثه على دين واحد، متفقين عليه‏.‏‏ فلما جاء تفرقوا‏.‏‏ فيمتنع أن يقال‏:‏ لم يكن المشركون تاركين لمعرفة محمد وذكره والإيمان به‏.‏‏ ولم يكونوا مختلفين في ذلك، ولا متفرقين فيه حتى بعث‏.‏فهذا معنى باطل في المشركين‏.‏ولا يستقيم هذا أيضًا في أهل الكتاب‏.‏فإن اللّه إنما ذكر الكفار منهم،فقال‏:‏ ‏{‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ}‏‏ ‏[‏البينة‏:‏ 1‏]‏‏.‏‏ومعلوم أن الذين كانوا يعرفون نبوته ويقرون به ويذكرونه قبل أن يبعث لم يكونوا كلهم كفارًا،بل كان الإيمان أغلب عليهم‏.‏‏ يبين هذا أنه إذا ذكر تفرق الذين أوتوا الكتاب من بعد ما جاءتهم البينة، فإنه يعمهم فيقول‏:‏ ‏{‏‏وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ‏‏} [‏البينة‏:‏ 4‏]‏، وأنه لا يقول‏:‏ كان الكفار من أهل الكتاب متفقين على الحق حتى جاءتهم البينة‏.

‏‏ وأيضًا، فاستعمال لفظ ‏[‏الانفكاك‏]‏ في هذا غير معروف، لا يعرف في اللغة له شاهد‏.‏‏ فتسمية الافتراق والاختلاف ‏[‏انفكاكًا‏]‏ غير معروف‏.‏‏ وأيضًا، فهو لم يذكر لـ ‏{‏مُنفَكِّينَ‏}‏ خبرًا كما يقال‏:‏ ما انفكوا يذكرون محمدًا، وما زالوا يؤمنون به، ونحو ذلك‏.‏‏ وهذه التي هي من أخوات ‏[‏كان‏]‏ لا يقال فيها‏:‏ ‏[‏ما كنت منفكًا‏]‏، بل يقال‏:‏ ‏[‏ما انفككت أفعل كذا‏]‏، فهو يلي حرف ‏[‏ما‏]‏‏.‏‏ وأيضًا، فليس في اللفظ ما يدل على أن الانفكاك عن أمر محمد خاصة‏.‏وأيضًا، فهذا المعنى مذكور في قوله‏:‏ ‏{‏‏وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}‏ فلو أريد بهذه لكان تكريرًا محضًا‏.‏‏ والقول الأول أشهر عند المفسرين‏.‏ ومنهم من يذكر غيره، كالبغوي وغيره‏.‏

فإنه معروف عن مجاهد، والربيع بن أنس، كما في التفسير المعروف عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد‏:‏ ‏{‏مُنفَكِّينَ‏}‏، قال‏:‏ منافقين، لم يكونوا ليؤمنوا حتى تبين لهم الحق، وقال الربيع بن أنس‏:‏ لم يزالوا مقيمين على الشك والريبة حتى جاءتهم البينة والرسل‏‏‏ وهذا القول يتضمن مدحهم والثناء عليهم بعد مجيء البينة؛ ولهذا احتاج من قاله إلى أن يقول‏:‏ هذا فيمن آمن من الفريقين في أنه بيان لنعمة اللّه عليهم‏.‏ وجعلوا قوله‏:‏ ‏{‏‏وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}‏‏ فيمن لم يؤمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏
وهذا أيضًا ضعيف‏.‏فإن أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا قبل إرسال محمد إليهم، كما أخبـر اللّه بذلك في غير موضع‏.‏‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{ ‏‏وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }‏‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 16‏-‏17‏]‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏‏ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ‏} ‏[‏الجاثية‏:‏ 18‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ}‏‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏‏وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم ٍ‏} ‏[‏البقرة‏:‏ 213‏]‏‏.

‏‏ فأخبر أن الله هدي المؤمنين لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه‏.‏فكان الاختلاف قبل وجود أمة محمد صلى الله عليه وسلم ‏.‏‏وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}‏‏ ‏[‏النحل‏:‏124‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ {‏‏وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏} ‏[‏يونس‏:‏ 93‏]‏، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}‏‏ ‏[‏يونس‏:‏ 94‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}‏‏ ‏[‏النحل‏:‏63-64‏]‏ فقد أخبر تعالى أنه أرسل إلى أمم من قبل محمد، وأن الشيطان زين لهم أعمالهم، وهو حين يبعث محمد وليهم، وأنه أنزل إليهم الكتاب ليبين لهم الذي اختلفوا فيه‏.

‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}‏‏ ‏[‏النمل‏:‏ 76-77‏]‏، وقال لأمة محمد‏:‏‏{‏‏وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏} ‏[‏آل عمران‏:‏ 105‏]‏‏.‏فهذا بين أنهم تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات قبل محمد، وقد نهى الله أمته أن يكونوا مثلهم‏.‏وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}‏‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 14‏]‏، وقال عن اليهود‏:‏ ‏{‏‏وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}‏‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 64‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} ‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 168‏]‏‏.‏‏ وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسند من وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "تفرقت اليهود على إحدي وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة‏"‏‏‏.

‏‏ وإن كان بعض الناس كابن حزم يضعف هذه الأحاديث، فأكثر أهل العلم قبلوها وصدقوها وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم‏.‏ فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم‏"‏‏‏.‏‏ وفي الصحيحين عنه أنه قال "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم‏.‏ فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له‏.‏ الناس لنا فيه تبع غدًا لليهود، وبعد غد للنصارى‏"‏‏‏.

‏‏ وهذا معلوم بالتواتر أن أهل الكتاب اختلفوا وتفرقوا قبل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏بل اليهود افترقوا قبل مجيء المسيح، ثم لما جاء المسيح اختلفوا فيه‏.‏‏ثم اختلف النصارى اختلافا آخر‏.‏ فكيف يقال‏:‏ إن قـوله‏:‏ ‏{‏‏وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}‏‏ ‏[‏البينة‏:‏ 4‏]‏، هو فيمن لم يؤمن بمحمد منهم‏؟‏ وأيضًا، فالذين كفروا بمحمد كفار، وهم المذكورون في قوله‏:‏ ‏{‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}‏‏ ‏[‏البينة‏:‏ 1‏]‏‏.

‏‏ وهم تفرقوا واختلفوا فيما جاءت به الأنبياء قبل محمد، وكفر من كفر منهم قبل إرسال محمد‏.‏‏ وكان منهم من لم يكفر، بل كان مؤمنًا بالأنبياء كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} ‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 159‏]‏، ‏{‏‏وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} ‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 168‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}‏‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 113-114‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ}‏‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 66‏]‏‏
.
 ‏‏ وفي صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حِمَار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب‏.‏ وإن ربي قال لي‏:‏ قم في قريش فأنذرهم‏.‏ فقلت‏:‏ أي رب، إذًا يَثلَغُوا رأسي حتى يدعوه خبزة‏.‏ فقال‏:‏ إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائمًا ويقظانًا‏.‏ فابعث جندًا نبعث مثليهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك‏"‏‏، والحديث أطول من هذا‏‏ والمقصود هنا الكلام على الآية، فنقول‏:‏ القول الثالث وهو أصح الأقوال لفظًا ومعنى‏.‏‏ أما من جهة اللفظ ودلالته وبيانه، فإن هذا اللفظ هو مستعمل فيما يلزم به الإنسان يعني اختياره ويقهر عليه إذا تخلص منه‏.

‏‏ يقال‏:‏ انفك منه، كالأسير والرقيق المقهور بالرق والأسر‏.‏يقال‏:‏ فككت الأسير فانفك، وفككت الرقبة‏.‏قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ}‏‏ ‏[‏البلد‏:‏ 12-13‏]‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري "عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني‏"‏‏‏.‏وفي الصحيح أيضًا ‏:‏ أن عليا لما سئل عما في الصحيفة فقال‏:‏ فيها العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر‏.‏‏ ففكه‏:‏ فصله عمن يقهره ويستولي عليه بغير اختياره، والتفريق بينهما‏.

‏‏ ويقال‏:‏ فلان ما يفك فلانًا حتى يوقعه في كذا وكذا، والمتولي لا يفك هذا حتى يفعل كذا يقال لمن لزم غيره واستولي عليه إما بقدرة وقهر، وإما بتحسين وتزيين وأسباب، حتى يصير بها مطيعًا له‏.‏‏ ويقال للمستولَي عليه‏:‏ هو ما ينفك من هذا، كما لا ينفك الأسير والرقيق من المستولِي عليه‏.‏‏ فقوله‏:‏ ‏{‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ}‏‏ ‏[‏البينة‏:‏ 1‏]‏، أي‏:‏ لم يكونوا متروكين باختيار أنفسهم يفعلون ما يهوونه لا حَجْر عليهم، كما أن المنفك لا حَجْر عليه‏.‏

وهو لم يقل‏:‏ ‏[‏مفكوكين‏]‏ بل قال‏:‏ ‏{‏مُنفَكِّينَ‏}‏‏.‏‏ وهذا أحسن، فإنه نفي لفعلهم‏.‏‏ ولو قال‏:‏ ‏[‏مفكوكين‏]‏، كان التقدير‏:‏ لم يكونوا مسيبين مخلين، فهو نفي لفعل غيرهم‏.‏والمقصود أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون ولا ينهون، ولا ترسل إليهم رسل، بل يفعلون ما شاؤوا مما تهواه الأنفس‏.‏والمعنى‏:‏ أن الله ما يخليهم ولا يتركهم‏.‏

فهو لا يفكهم حتى يبعث إليهم رسولا‏.‏‏ وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏‏أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}‏‏ ‏[‏القيامة‏:‏36‏]‏، لا يؤمر ولا ينهى‏.‏أي‏:‏ أيظن أن هذا يكون‏؟‏ هذا ما لا يكون البتة‏.‏بل لابد أن يؤمر وينهى‏.‏وقريب من ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ}‏‏ ‏[‏الزخرف‏:‏3-5‏]‏‏.‏وهذا استفهام إنكار، أي‏:‏ لأجل إسرافكم نترك إنزال الذكر، ونعرض عن إرسال الرسل‏.‏‏ ومن كره إرسالهم‏؟‏ فإن الأول تكذيب بوجودهم، والثاني يتضمن بغضهم وكراهة ما جاؤوا به‏.‏

قال تعالى‏:‏‏{‏‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}‏‏‏ ‏[‏محمد‏:‏9‏]‏، وقال عن مؤمن آل فرعون‏:‏‏{‏‏وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ}‏‏ ‏[‏غافر‏:‏ 34‏]‏‏.‏‏ وأما من كذب بهم بعد الإرسال، فكفره ظاهر‏.‏ولكن من ظن أن الله لا يرسل إليه رسولا، وأنه يترك سدي مهملا لا يؤمر ولا ينهى، فهذا أيضًا مما ذمه الله، إذا كان لابد من إرسال الرسل وإنزال الكتب، كما أنه أيضًا لابد من الجزاء على الأعمال بالثواب والعقاب وقيام القيامة‏.‏ولهذا ينكر سبحانه على من ظن أن ذلك لا يكون، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} ‏ ‏[‏ص‏:‏27-28‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} ‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 115‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} ‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 85 -86‏]‏، وقال‏:‏ ‏{ ‏‏وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } ‏[‏الجاثية‏:‏ 22‏]‏‏.

‏‏ وقال عن أولي الألباب‏:‏ ‏{‏‏الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}‏‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 191‏]‏، ونحوه في القرآن مما يبين أن الأمر والنهى، والثـواب والعقـاب، والمعاد، مما لابد منه‏.‏‏ وينكر على من ظن أو حسب أن ذلك لا يكون‏.‏‏ وهو يقتضي وجوب وقوع ذلك، وأنه يمتنع ألا يقع‏.‏‏ وهذا متفق عليه بين أهل الملل المصدقين للرسل من المسلمين وغيرهم من جهة تصديق الخبر، فإن الله أخبر بذلك، وخبره صدق‏.

‏‏ فلابد من وقوع مخبره، وهو واجب بحكم وعده وخبره‏.‏فإنه إذا علم أن ذلك سيكون، وأخبر أنه سيكون، فلابد أن يكون‏.‏‏ فيمتنع أن يكون شيء على خلاف ما علمه وأخبر به، وكتبه، وقدره‏.‏‏ وأيضًا، فإنه قد شاء ذلك، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن‏.‏‏ ولابد أن يقع كل ماشاءه‏.‏لكن هل يقال‏:‏ إن المشيئة موجبة‏؟‏ فيه نزاع‏.‏‏ وكذلك يقال‏:‏ إن ذلك وجب لإيجابه له على نفسه، أو لاقتضاء حكمته ذلك، فيه أيضًا نزاع‏.‏‏ وما أقسم ليفعلنه، فلابد أن يقع‏.‏‏ والقسم متضمن معنى الخبر، ومعنى الحض والطلب‏.‏ لكن في ثبوت الثاني في حق الله نزاع بين الناس، كقوله‏:‏ ‏{‏‏لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}‏‏ ‏[‏ص‏:‏ 85‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏‏وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ}‏‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 167‏]‏‏.

‏‏ والذين قالوا إن حكمته، أو حكمه، أو مشيئته، توجب ذلك يقولون‏:‏ إن ذلك قد يعرف بالعقل‏.‏فيقولون‏:‏ إنه قد يعرف بالعقل أنه لابد من إرسال الرسل‏.‏ وأن ذلك واجب في حكمه وحكمته‏.‏‏ وهذا قول كثير من الطوائف، أو أكثرهم‏.‏‏ ومنهم من يقول‏:‏ لا يعلم شيء من ذلك إلا بالخبر، وهذا قول الجهمية والأشعرية‏.‏وذاك قول المعتزلة، والكَرَّامية، والحنفية، أو أكثرهم‏.‏وأما أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، فمنهم من يقول بهذا، ولكن جمهور الفقهاء مع السلف يثبتون الحكمة والتعليل‏.‏وإنما ينفي ذلك منهم من وافق الجهمية المجبرة‏.‏كالأشعري ومن وافقه‏.‏وكذلك جمهورهم يثبتون للأفعال صفات بها كانت حسنة أو سيئة قبيحة‏.‏لا يجعلون حسنها وقبحها ترجيحًا لأحد الأمرين بلا مرجح بل لمحض المشيئة، كما تقوله الجهمية ومن وافقهم‏.

‏‏ هذا قول الأئمة والجمهور، كما أن الأئمة والجمهور على إثبات القدر والإيمان به، وأن الله خالق كل شـيء، وأنه ما شـاء كان، وما لم يشـأ لم يكن‏.‏لا يقــولون بقــول من أنكر القدر من المعتزلة ونحوهم، ولا بقول من أنكر حكمة الرب من الجهمية المجبرة ونحوهم‏.‏فلا يقولون بقول القدرية النفاة للقدر، ولا بقول القدرية المجبرة الذين يستلزم قولهم إنكار الأمر والنهى، والوعد والوعيد، والجزاء بالثواب والعقاب، لا سيما من أفصح منهم بذلك، أو قال‏:‏ إن من شهد القدر سقط عنه الأمر والنهى والوعد والوعيد‏.‏‏ فآمنوا بما جاءت به الرسل في الجملة، وأوجبوا ما أوجبه الله، وحرموا ما حرمه الله، وآمنـوا بالجنـة والنار، واجتهـدوا في متابعة الرسل‏.

‏‏ لكن أخطؤوا حيث نفوا القدر، وظنوا أن إثباته يناقض الأمـر والنهى والوعـد والوعيـد، وأنـه لا يتم إيمانهم بـأن الله عـادل صادق حتى يكذبوا بالقـدر، وبإخراج أهـل الكبائر مـن النار ظنًـا منهم أن الله أخبر بأن كل مـن كـان له ذنب يستحق بـه العذاب لا يخرجه من النار،ولا يرحمه أبدًا‏.‏فلم يجوزوا أن يعذب بذنبه ثم يرحم، بل عندهم من كان له ذنب يستحق به العذاب لم يرحم أبدًا وهم وإن كانوا لم يتعمدوا تكذيب الرسل فقولهم هذا يتضمن مخالفة الأخبار المتواترة عند أهل العلم بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في خروج أهل الذنوب من النار،وشفاعة الشفعاء فيهم‏.‏ويتضمن أنهم آيســوا الخلـق من رحمة الله مع تكذيبهـم بعمـوم خلق الله، ومشيئته وقدرته حيث زعموا أن من الحوادث ما لا يقدر عليه ولا يشاؤه، ولا يخلقه‏.‏وتشبهوا بالمجوس من هذا الوجه، حتى قيل‏:‏ القدرية مجوس هذه الأمة‏.‏ وقابلهم أولئك، فتوقفوا في خبر الله مطلقًا، حتى أنكروا صِنْفَي العموم، فلم يعلموا بخبره ما أخبر به من الوعد والوعيد‏.‏‏ فلا يجزمون بالنجاة للصِّنف الذين يعلم الله أنهم آمنوا وعملوا الصالحات، وكانوا من أعظم الناس طاعة لله، إذا كان لأحدهم سيئة واحدة صغيرة‏.

‏‏ ولا بالعذاب للصنف الذين يعلم الله أنهم أفجر أهل القبلة وشرها؛ بل يجوزون مع علم الله بهذا وبهذا أن يعذب أهل الحسنات الكبيرة على سيئة صغيرة عذابًا ما يعذبه أحدًا من أهل القبلة، وأن يدخل فجار أهل القبلة الجنة مع السابقين الأولين‏.‏‏ وبسط الكلام على هؤلاء وهؤلاء له مقام آخر‏.

‏‏ والمقصود هنا أن هذه السورة دلت على ما تدل عليه مواضع أخر من القرآن‏.‏ من أن الله يرسل الرسل إلى الناس تأمرهم وتنهاهم يرسلهم مبشرين ومنذرين، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}‏‏ ‏[‏الأنعام‏:‏48‏]‏، ينذرون الذين أساؤوا عقوبات أعمالهم، ويبشرون الذين آمنوا وعملوا الصاحات بالنعيم المقيم، و ‏{‏‏أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا}‏‏ ‏[‏الكهف‏:‏2-3‏]‏‏.

‏‏ فقوله‏:‏ ‏{‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}‏‏ ‏[‏البينة‏:‏ 1‏]‏، بيان منه أن الكفار لم يكن الله ليدعهم ويتركهم على ما هم عليه من الكفر، بل لا يفكهم حتى يرسل إليهم الرسول بشيرًا ونذيرًا ‏{‏‏لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}‏‏ ‏[‏النجم‏:‏ 31‏]‏ ومما يبين ذلك‏:‏ أن ‏[‏حتى‏]‏ حرف غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها‏.‏كما في قوله‏:‏ ‏{‏‏حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر}ِِ‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 178‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏‏حَتَّىَ يَطْهُرْنَ}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 222‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏‏حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} ‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 230‏]‏، ونظائر ذلك‏.‏

فلو أريد أنهم لم يكونوا منتهين ويؤمنون حتى يتبين لهم الحق لزم أن يكونوا كلهم بعد مجيء البينة قد انتهوا وآمنوا‏.‏فإن اللفظ عام فيهم‏.‏‏ وكذلك لو كان المراد أنهم كانوا متفقين على تصديق الرسول حتى بعث، لزم أن يكونوا كلهم كانوا يعرفونه قبل إرساله إليهم، وأنهم كلهم بعد إرساله تفرقوا واختلفوا‏.‏وكلاهما باطل‏.‏فكثير منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ولم يكونوا يعرفون ما في الكتب من بعثه ومن أمور أخر‏.‏‏ ولما بعث، فقد آمن به خلق كثير منهم، ولم يتفرقوا كلهم عن الإيمان به‏.‏وحينئذ، فالآية لم تتضمن مدحهم مطلقًا‏.‏كما ظن من ظن أن معناها أنهم لم ينتهوا ولم يؤمنوا حتى يتبين لهم الحق‏.‏‏ ولا تتضمن ذمهم مطلقًا، كما ظن من ظن أنهم لما جاءهم الرسول تفرقوا واختلفوا بعد ما كانوا متفقين على التصديق، بل تضمنت مدح من آمن منهم بالرسول، وذم من لم يؤمن، والإخبار أنه لابد من إرسال الرسول إليهم، فيؤمن به بعضهم ويكفر بعض‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 253‏]‏ ثم إن الذين آمنوا بالرسل لابد أن يمتحنهم ليُمَيِّز بين الصادق والكاذب، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} ‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏2- 3‏]‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏‏أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ}‏‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 4‏]‏‏.

‏‏ فالناس إذا أرسل إليهم أحد رجلين؛ إما رجل آمن بهم في الظاهر، فلابد أن يمتحن حتى يتبين الصادق من الكاذب‏.‏‏ وإما رجل عمل السيئات ولم يؤمن، فلا يفوت الله، بل هو آخذه سبحانه وتعالى‏.‏‏ ولهذا انقسم الناس في الرسل إلى ثلاثة أقسام‏:‏ مؤمن باطن وظاهر، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإيمان مبطن للكفر‏.‏ومن حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حصل هذا الانقسام، وأنزل الله تعالى في أول البقرة أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين‏.‏وأما حين كان بمكة وكان المؤمنون مستضعفين، فلم يكن أحد يحتاج إلى النفاق، بل كان من المؤمنين من يكتم إيمانه من كثير من الناس‏.‏ومنهم من يتكلم بالكفر مكرهًا مع طمأنينة قلبه بالإيمان‏.‏وهذا مؤمن باطنًا وظاهرًا‏.‏فإنه وإن أظهر الكفر لبعض الناس لما أكره عليه، أو كتم عنه إيمانه، فهو يتكلم بالإيمان في خلوته ومع من يأمنه، ويعمل بما يمكنه، وما عجز عنه فقد سقط عنه‏.‏ولهذا قال العلماء منهم أحمد بن حنبل ‏:‏لم يكن يمكنهم نفاق،إنما كان النفاق بالمدينة‏.



‏‏ ولكن كان بمكة من في قلبه مرض، كما قال في السورة المكية‏:‏ ‏{‏‏وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا}‏‏ ‏[‏المدثر‏:‏31‏]‏ وهو سبحانه قد ذكر أن المظهرين للإيمان ما كان ليدعهم حتى يميز الخبيث من الطيب ويمتحنهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ‏} ‏[‏آل عمران‏:‏ 179‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 16‏]‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ‏} ‏[‏البقرة‏:‏ 214‏]‏، وأمثال ذلك‏

 فكذلك الذين كفروا، لم يكن ليتركهم حتى يبعث إليهم الرسول بالآيات البينات‏.‏
فهذا معنى قوله‏:‏ ‏{‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}‏‏ ‏[‏البينة‏:‏ 1‏]‏‏.‏وهم إذا جاءتهم البينة، منهم من يؤمن، ومنهم من يكفر‏.‏‏ وإذا قيل‏:‏ إن الآية تتضمن بعد ذلك المعنى الآخر، وهو أنهم لم يكونوا ليهتدوا ويعرفوا الحق ويؤمنوا حتى تأتيهم البينة؛ إذ لا طريق لهم إلى معرفة الحق إلا برسول يأتي من الله أيضًا، أو لم يكونوا منتهين متعظين وإن عرفوا الحق - حتى يأتيهم من الله من يذكرهم، فهذا المعنى لا يناقض ذاك‏.‏‏ بخلاف قول من قال‏:‏ لم يكن المشركون وأهل الكتاب تاركين لمعرفة محمد ولذكره، ولم يكونوا متفرقين فيه، بل متفقين على الإيمان به، حتى جاءتهم البينة، فتركوا الإيمان به وتفرقوا‏.‏‏ فإن هذا غير مراد قطعًا‏.‏‏ ومما يبين ذلك قوله‏:‏ ‏{‏‏حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ‏}، ولم يقل‏:‏ ‏[‏حتى أتتهم‏]‏‏.‏‏ وأولئك لما لم يفهموا معنى الآية ظنوا أن الموضع موضع الماضي، وأن المراد‏:‏ ما انفكوا عما كانوا عليه إما من كفر، وإما من إيمان حتى أتتهم البينة‏.‏‏ فلما قيل‏:‏ ‏{‏‏حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}‏‏ أشكل عليهم‏.‏‏ وقال بعضهم‏:‏ لما تأتهم كلها‏.‏‏ وأما على المعنى الصحيح، فالموضع موضع المضارع، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ‏} ‏[‏آل عمران‏:‏ 179‏]‏‏.

‏‏ فإن المراد‏:‏ ما كانوا مفكوكين متروكين حتى تأتيهم البينة‏.‏‏ وهـو سبحانـه قال‏:‏ ‏{‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا}‏‏‏.‏‏ و‏[‏لم‏]‏ وإن كانت تقلب المضارع ماضيًا فـذاك إذا تجـرد، فقيـل‏:‏ ‏[‏لم يـأت‏]‏، و‏[‏لم يـذهب‏]‏ فمعناه‏:‏ ‏[‏مـا أتي‏]‏ و‏[‏مـا ذهب‏]‏ وأما إذا قيل‏:‏ ‏[‏لم يكن يفعل هذا‏]‏، و ‏{‏‏لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ْ‏} ‏[‏النساء‏:‏ 137‏]‏، فالمقصود معنى الفعل الدائم مطلقًا‏.‏‏ وإذا قيل‏:‏ ‏[‏لم يكن فلان آتيًا حتى يذهب إليه فلان‏]‏، بخلاف ما إذا قلت‏:‏ ‏[‏لم يكن فلان قد أتي حتى ذهب إليه فلان‏]‏‏.‏‏ ولو قيل‏:‏ ‏[‏ما كان فلان فاعلا لهذا حتى يكون كذا‏]‏ كان نحو ذاك، بخلاف ما إذا قيل‏:‏ ‏[‏ما كان فلان قد فعل حتى أتى فلان‏]‏ فنفي المضارع الذي خبره اسم فاعل، وهو الدائم‏.‏‏ والمراد‏:‏ لم يكونوا في الحال والاستقبال متروكين حتى تأتيهم البينة‏.‏ولو قيل هنا‏:‏ ‏[‏حتى أتتهم البينة‏]‏، لم يكن موضعه‏.‏وكذلك لو أراد الانتهاء عن الكفر والإيمان، لقيل‏:‏‏{‏‏حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}‏‏ أي‏:‏لم يكونوا يعرفون الحق حتى يأتيهم نبي يعرفهم،أو لم يكونوا متعظين عاملين حتى يأتي من يعظهم ويذكرهم‏.‏فليس هذا موضع الماضي، بخلاف ما لو قيل‏:‏ ‏[‏مازالوا كافرين حتى أتاهم‏]‏‏.‏فالآية تتضمن الإخبار عن وجوب إثبات البينة، وامتناع الانفكاك بدونها‏.‏‏ لم يقصد بها مجرد الخبر عن عدم الانفكاك ثم ثبوته في الماضي‏.‏وهو كما لو قيل‏:‏ ‏[‏لم يكونوا ينفكوا حتى تأتيهم البينة‏]‏، لكن هنا ذكر اسم الفاعلين، فقيل‏:‏ ‏[‏منفكين‏]‏‏.

‏‏ وهو سبحانه لما ذكر أنه لابد من إرسال الرسل إلى الذين كفروا من المشركين وأهل الكتاب لتقوم عليهم الحجة بذلك، ذكر بعد هذا أن أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسل، ما تفرقوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة، وقامت عليهم الحجة‏.‏فبينات الله وحجته قامت على هؤلاء وهؤلاء‏.‏‏ وهو لم يعذب واحدًا من الحزبين إلا بعد أن جاءتهم البينة، وقامت عليهم الحجة، كما في قصة موسي ومن أرسل إليه‏.‏‏ فإن الله لم يدع فرعون وقومه حتى أرسل إليهم موسي، ولم يعذبهم إلا بعد إقامة الحجة‏.‏ثم لما آمن بنو إسرائيل بالكتب والرسل، لم يتفرقوا ويختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة‏.‏‏ فلم يكونوا معذورين في ذلك‏.‏ولهذا نهيت أمة محمد عن التشبه بهم، فقيل‏:‏ ‏{‏‏وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ ٍ} ‏[‏آل عمران‏:‏105‏]‏‏.‏‏ والناس الذين بعث إليهم محمد، هم كذلك‏.‏فمن كان كافرًا لم يكن منفكًا حتى تأتيه البينة، ومن آمن بمحمد من الأمم ثم تفرقوا واختلفوا، فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة‏.

‏‏ وما أمر الجميع ‏{‏‏إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ‏} ‏[‏البينة‏:‏5‏]‏‏.‏‏ والآية تضمنت مدح الرب وذكر حكمته وعدله وحجته في أنه لا يدعهم حتى يرسل إليهم رسولًا، كما قال لأهل الكتاب‏:‏ ‏{‏‏قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ‏} الآية ‏[‏المائدة‏:‏ 19‏]‏، لم تتضمن مدحهم على بقائهم على الكفر حتى يأتي الرسول‏.‏‏ فإن هذا غايته ألا يعاقبوا عليه حتى يأتي الرسول، لا أن يحمدوا عليه حتى يأتي الرسول‏.‏فإن هذا لا يقوله عاقل، ولم يقله أحد، لا سيما وأهل الكتاب قد قامت عليهم الحجة بأنبياء قبله‏.‏‏ ونظير هذا في اللفظ قوله‏:‏ ‏{‏‏وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ}‏‏ ‏[‏النحل‏:‏ 7‏]‏‏.‏ ليس المراد‏:‏ ما كنتم بالغيه في الماضي، بل هذه حالهم دائمًا‏.

‏‏ فقوله‏:‏ ‏{‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ }ٍٍ‏ يقتضي أن هذه حالهم دائمًا‏.‏‏ وتضمنت السورة ذكر أصناف الخلق، وما أمر الله به جميع العباد،وأن ذلك أمر لابد منه لابد من إرسال الرسل،وإنزال الكتب،وبيان السعداء أهل الجنة، والأشقياء أهل النار‏.‏‏ فقوله‏:‏ ‏{‏‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً‏}،، جملة، فيه بيان إرسال الرسول إلى الجميع‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏‏وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ‏} ‏[‏البينة‏:‏ 4‏]‏، فيه إقامة الحجة على أهل الشرائع، وذم تفرقهم واختلافهم، وأن ذلك بعد أن جاءتهم البينة‏.‏‏ وهاتان الجملتان نظيرهما قوله‏:‏ ‏{‏‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ‏}، ثم قال‏:‏ ‏{‏‏وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏213‏]‏‏.‏‏ ومثل ذلك قوله تعالى‏:‏ {ششَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}‏‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 13‏]‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏‏وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ‏} ‏[‏الشورى‏:‏ 14‏]‏، وقوله‏:‏‏{‏‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ‏}، في سورة ‏[‏هود‏:‏110‏]‏‏.‏ثم ذكر ما أمر به الجميع بقوله‏:‏ ‏{‏‏وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}‏‏ ‏[‏البينة‏:‏5‏‏ ثم ذكر عاقبة الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، وعاقبة الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏.

فَصْل في تفسير قوله تعالى:‏ ‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏}‏



فَصْل في تفسير قوله تعالى:‏ ‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏}‏
المفتي: شيخ الإسلام ابن تيمية


قوله تعالى في أول ما أنزل‏:‏ ‏{‏‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏} ‏[‏العلق‏:‏ 1‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏‏اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ‏} ‏[‏العلق‏:‏ 3‏]‏‏.‏

ذكر في الموضعـين بالإضافـة التي توجب التعريف، وأنه معـروف عند المخاطبـين، إذ الرب تعالى معروف عند العبد بدون الاستدلال بكونه خلق‏.‏وأن المخلوق مع أنه دليل وأنه يدل على الخالق، لكن هو معروف في الفطرة قبل هذا الاستدلال؛ ومعرفته فطرية، مغروزة في الفطرة، ضرورية، بديهية، أولية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏اقْرَأْ‏}‏ وإن كان خطابًا للنبى صلى الله عليه وسلم أولا، فهو خطاب لكل أحد، سواء كان قوله‏:‏ ‏{‏‏اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ‏} هـو خطاب للإنسـان مطلقًـا، والنبى صلى الله عليه وسلم أول مـن سمع هـذا الخطاب، أو من النوع، أو هو خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم خصوصًا، كما قد قيــل في نظائــر ذلك‏.‏‏ مثل قوله‏:‏ ‏{‏‏مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}‏‏ ‏[‏النساء‏:‏ 79‏]‏، قيل‏:‏ خطاب له، وقيل‏:‏ خطاب للجنس، وأمثال ذلك‏.
‏‏ فإنه وإن قيل‏:‏ إنه خطاب له، فقد تقرر أن ما خوطب به من أمر ونهي فالأمة مخاطبة به ما لم يقـم دليل التخصيص وبهذا يبين أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ}‏‏ ‏[‏يونس‏:‏ 94‏]‏، يتناول غيره، حتى قال كثير من المفسرين‏:‏ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد به غيره‏.‏

أي‏:‏ هم الذين أريد منهم أن يسألوا لِمَا عندهم من الشك، وهو لم يرد منه السؤال إذ لم يكن عنده شك ولا شك أن هذا لا يمنع أن يكون هو مخاطبًا ومرادًا بالخطــاب، بل هذا صريــح اللفـظ، فلا يجوز أن يقال‏:‏ إن الخطاب لم يتناولــه‏.‏‏ ولأن ليس في الخطــاب أنـه أمر بالسؤال مطلقًا، بل أمر به إن كان عنده شك، وهذا لا يوجب أن يكون عنـده شك‏.‏ولا أنـه أمـر بـه مطلقًا، بل أمر بـه إن كـان هــذا موجـودًا، والحكـم المعلق بشــرط عـدم عنـد عدمه‏.

‏‏ وكذلك كثير من المفسيرين يقول في قوله‏:‏ ‏{‏‏الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 147‏]‏، وفي قوله‏:‏ ‏{‏‏وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَّ‏} ‏[‏الأحزاب‏:‏ 48‏]‏، ونحو ذلك‏:‏ إن الخطاب لرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره‏.‏

أي‏:‏ غيره قد يكون ممتريا ومطيعًا لأولئك فنهي، وهو لا يكون ممتريًا ولا مطيعًا لهم‏.ولكن بتقدير أن يكون الأمر كذلك فهو أيضًا مخاطب بهذا، وهو منهي عن هذا‏.‏‏ فالله سبحانه قـد نهاه عما حرمـه مـن الشرك، والقـول عليه بـلا علم، والظلم، والفواحش‏.‏‏ وينهي الله له عن ذلك وطاعته لله في هذا استحق عظيم الثواب، ولولا النهي والطاعة لما استحق ذلك‏.‏ولا يجب أن يكون المأمور المنهي ممن يشك في طاعته ويجوز عليه أن يعصى الرب، أو يعصيه مطلقًا ولا يطيعه، بل الله أمر الملائكة مع علمه أنهم يطيعونه، ويأمر الأنبياء مع علمه أنهم يطيعونه، وكذلك المؤمنون كل ما أطاعوه فيه قد أمرهم به مع علمه أنهم يطيعونه‏.‏
ولا يقال‏:‏ لا يحتاج إلى الأمر، بل بالأمر صار مطيعًا مستحقًا لعظيم الثواب‏.‏ولكن النهي يقتضي قدرته على المنهي عنه، وأنه لو شاء لفعله، ليثاب على ذلك إذا تركه‏.‏وقد يقتضي قيام السبب الداعى إلى فعله فينهي عنه، فإنه بالنهي وإعانة الله له على الامتثال يمتنع مما نهي عنه إذا قام السبب الداعى له إليه ، وكذلك قد قيل في قوله‏:‏ ‏{‏‏سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 211‏]‏‏:‏ إنه أمر للرسول، والمراد به هو والمؤمنون‏.‏
وقيل‏:‏ هو أمر لكل مكلف‏.
‏‏ فقوله في هذه السورة‏:‏ ‏{‏اقْرَأْ‏}‏ ، كقوله في آخرها‏:‏ ‏{وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ‏} ‏[‏العلق‏:‏ 19‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏‏فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}‏‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 9 ـ 11‏]‏، هذا متناول لجميع الأمة‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏‏يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}‏‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 1- 2‏]‏، فإنه كان خطابا للمؤمنين كلهم‏.‏‏ وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ}‏‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 1- 2‏]‏ لما أُمِرَ بتبليغ ما أنزل إليه من الإنذار‏.‏وهذا فرض على الكفاية‏.، فواجب على الأمة أن يبلغوا ما أنزل إليه وينذروا كما أنذر‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}‏‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 122‏]‏ والجن لما سمعوا القرآن، ‏{‏‏وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ}‏‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 29‏]‏‏.‏ وإذا كان كذلك، فكل إنسان في قلبه معرفة بربه‏.‏فإذا قيل له‏:‏ ‏{‏‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏}، عرف ربه الذي هو مأمور أن يقرأ باسمه، كما يعرف أنه مخلوق، والمخلوق يستلزم الخالق ويدل عليه‏.‏
وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، وبين أن الإقرار والاعتراف بالخالق فطرى ضرورى في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة‏.‏
وهذا قول جمهور الناس، وعليه حُذَّاق النظار، أن المعرفة تارة تحصل بالضرورة، وتارة بالنظر، كما اعترف بذلك غير واحد من أئمة المتكلمين‏.‏ وهذه الآية أيضًا تدل على أنه ليس النظر أول واجب، بل أول ما أوجب الله على نبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏}‏‏، لم يقل‏:‏ ‏[‏انظر واستدل حتى تعرف الخالق‏]‏‏.‏وكذلك هو أول ما بلغ هذه السورة، فكان المبلغون مخاطبين بهذه الآية قبل كل شيء ولم يؤمروا فيها بالنظر والاستدلال وقد ذهب كثير من أهل الكلام إلى أن اعتراف النفس بالخالق وإثباتها له، لا يحصل إلا بالنظر‏.
‏‏ ثم كثير منهم جعلوا ذلك نظـرًا مخصوصًا، وهو النظر في الأعراض، وأنها لازمـة للأجسام، فيمتنع وجود الأجسام بدونها‏.‏ قالوا‏:‏ وما لا يخلو عن الحوادث، أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث‏.‏ثم منهم من اعتقد أن هذه المقدمة بينة بنفسها، بل ضرورية، ولم يميز بين الحادث المعين والمحدود وبين الجنس المتصل شيئًا بعد شيء؛ إما لظنه أن هذا ممتنع، أو لعدم خطوره بقلبه‏.‏لكن، وإن قيل هو ممتنع، فليس العلم بذلك بديهيًا‏.‏وإنما العلم البديهي أن الحادث الذي له مبدأ محدود كالحادث والحوادث المقدرة من حين محدود فتلك ما لايسبقها فهو حادث‏.‏‏ وما لا يخلو منها لم يسبقها فهو حادث‏.‏فإنه إذا لم يسبقها كان معها أو متأخرًا عنها‏.‏‏ وعلى التقديرين فهو حادث‏.‏‏ وأما إذا قدر حوادث دائمة شيئًا بعد شيء، فهذا إما أن يقال‏:‏ هو ممكن، وإما أن يقال‏:‏ هو ممتنع‏.‏‏ لكن العلم بامتناعه يحتاج إلى دليل، ولم تُعْلَم طائفة معروفة من العقلاء قالوا‏:‏ إن العلم بامتناع هذا بديهي ضرورى، ولا يفتقر إلى دليل‏.‏بل كثير من الناس لا يتصور هذا تصورًا تامًا، بل متى تصور الحادث قدر في ذهنه مبـدأ، ثم يتقدم في ذهنـه شيء قبـل ذلك، ثم شيء قبل ذلك، لكـن إلى غايــات محــدودة بحسب تقدير ذهنه، كما يقدر الذهن عددًا بعد عدد، ولكن كل ما يقدره الذهن فهو منته‏.
‏‏ ومن الناس من إذا قيل له‏:‏ ‏[‏الأزل‏]‏ أو‏:‏ ‏[‏كان هذا موجودًا في الأزل‏]‏، تصور ذلك‏.‏وهذا غلط، بل ‏[‏الأزل‏]‏ ما ليس له أول، كما أن ‏[‏الأبد‏]‏ ليس له آخر، وكل ما يومئ إليه الذهن من غاية فـ ‏[‏الأزل‏]‏ وراءها‏.‏وهذا لبسطه موضع آخر‏.‏والمقصود هنا أن هؤلاء الذين قالوا‏:‏ معرفة الرب لا تحصل إلا بالنظر، ثم قالوا‏:‏ لا تحصل إلا بهذا النظر، هم من أهل الكلام الجهمية القدرية ومن تبعهم‏.‏‏ وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وجمهور العلماء من المتكلمين وغيرهم على خطأ هؤلاء في إيجابهم هذا النظر المعين، وفي دعواهم أن المعرفة موقوفة عليه‏.‏‏ إذ قد علم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لم يوجب هذا على الأمة ولا أمرهم به، بل ولا سلكه هو ولا أحد من سلف الأمة في تحصيل هذه المعرفة‏.‏‏ ثم هذا النظر هذا الدليل للناس فيه ثلاثة أقوال‏:‏ قيل‏:‏ إنه واجب، وإن المعرفة موقوفة عليه، كما يقوله هؤلاء‏.‏‏ وقيل‏:‏ بل يمكن حصول المعرفة بدونه،لكنه طريق آخر إلى المعرفة‏.‏وهذا يقوله كثير من هؤلاء ممن يقول بصحة هــذه الطريقــة لكن لا يوجبها؛ كالخطأبي والقاضى أبي يعلى، وأبي جعفر السمنانى قاضى الموصل شيخ أبي الوليد الباجي وكان يقول‏:‏ إيجاب النظر بقية بقيت على الشيخ أبي الحسن الأشعري من الاعتزال‏.‏‏وهؤلاء الذين لا يوجبون هذا النظر‏.‏‏ ومنهم من لا يوجب النظر مطلقا كالسِّمْناني، وابن حزم وغيرهما‏.‏‏ ومنهم من يوجبه في الجملة، كالخطَّأبي، وأبي الفَرَج المقْدِسي‏.‏‏ والقاضى أبـو يعلى يقول بهذا تارة، وبهذا تارة، بل ويقول تارة بإيجاب النظر المعين، كما يقوله أبو المعالى وغيره‏.‏ثم من الموجبين للنظر من يقول‏:‏ هو أول الواجبات، ومنهم من يقول‏:‏ بل المعرفة الواجبة به، وهو نزاع لفظى‏.‏‏ كما أن بعضهم قال‏:‏ أول الواجبات القصد إلى النظر، كعبارة أبي المعالى‏.‏‏ ومن هؤلاء من قال‏:‏ بل الشك المتقدم كما قاله أبو هاشم‏.‏ وقد بسط الكلام على هذه الأقوال وغيرها في موضع آخر، وبين أنها كلها غلط مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، بل وباطلة في العقل أيضًا‏.

‏‏ وهذه الآية مما يستدل به على ذلك، فإن أول ما أوجب الله على رسوله وعلى المؤمنين هو ما أُمر به في قوله‏:‏ ‏{‏‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏‏}.‏‏ والذين قالوا‏:‏ المعرفة لا تحصل إلا بالنظر، قالوا‏:‏ لو حصلت بغيره لسقط التكليف بها، كما ذكر ذلك القاضى أبو بكر، وغيره

فيقال لهم‏:‏ وليـس فيما قص الله علينا من أخبار الرسل أن منهم أحدًا أوجبها، بل هي حاصلة عند الأمم جميعهم‏.‏ ولكن أكثر الرسل افتتحوا دعوتهم بالأمر بعبادة الله وحده دون ما سواه كما أخبر الله عن نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وقومهم كانوا مقرين بالخالق لكن كانوا مشركين يعبدون غيره، كما كانت العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

ومن الكفار من أظهر جحود الخالق، كفرعون حيث قال‏:‏ ‏{‏‏يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ}‏‏ ‏[‏القصص‏:‏ 38‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى‏} ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏، وقال لموسى‏:‏ ‏{‏‏لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ}‏‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 29‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا}‏‏ ‏[‏غافر‏:‏ 36-37‏]‏‏.

‏‏ ومع هذا، فموسى أمره الله أن يقول ما ذكره الله في القرآن، قال‏:‏ ‏{‏‏وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} ‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 10 - 21‏]‏‏.‏

قال فرعون إنكارًا وجحدًا‏:‏ ‏{‏‏وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ}‏‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 23‏]‏، قال موسى‏:‏‏{‏‏رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا} ‏ الآيات ‏[‏الشعراء‏:‏ 24 ـ 28‏]‏‏.‏
وقد ظن بعض الناس أن سؤال فرعون ‏{‏‏وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ}‏‏، هو سؤال عن ماهية الرب، كالذي يسأل عن حدود الأشياء فيقول‏:‏ ما الإنسان‏؟‏ ما الملك‏؟‏ ما الجنى‏؟‏ ونحو ذلك‏.‏ قالوا‏:‏ ولما لم يكن للمسؤول عنه ماهية، عدل موسى عن الجواب إلى بيان ما يعرف به وهو قوله‏:‏ ‏{‏‏رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}‏‏‏.

‏‏ وهذا قول قاله بعض المتأخرين وهو باطل‏.‏فإن فرعون إنما استفهم استفهام إنكار وجَحْد، لم يسأل عن ماهية رب أقر بثبوته، بل كان منكرًا له جاحدًا؛ ولهذا قال في تمام الكلام‏:‏ ‏{‏‏لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ}‏‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 29‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا}‏‏‏.‏‏ فاستفهامه كان إنكارًا وجحدًا، يقول‏:‏ ليس للعالمين رب يرسلك، فمن هو هذا‏؟‏ إنكارًا له‏.‏
فبين موسى أنه معروف عنده وعند الحاضرين، وأن آياته ظاهرة بينة لا يمكن معها جحده‏.‏‏ وأنكم إنما تجحدون بألسنتكم ما تعرفونه بقلوبكم، كما قال موسى في موضع آخر لفرعون‏:‏ ‏{‏‏لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ‏} ‏[‏الإسراء‏:‏ 102‏]‏ ، وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}‏‏ ‏[‏النمل‏:‏ 14‏]‏‏.
‏‏ ولم يقل فرعون‏:‏ ومن رب العالمين‏؟‏ فإن ‏[‏من‏]‏ سؤال عن عينه يسأل بها من عرف جنس المسؤول عنه أنه من أهل العلم وقد شك في عينه، كما يقال لرسول عُرف إنه جاء من عند إنسان‏:‏ من أرسلك‏؟‏ وأما ‏[‏ما‏]‏ فهي سؤال عن الوصف‏.‏يقول‏:‏ أى شيء هو هذا‏؟‏ وما هو هذا الذي سميته رب العالمين‏؟‏ قال ذلك منكرًا له جاحدًا‏.‏‏ فلما سأل جحدا أجابه موسى بأنه أعرف من أن ينكر، وأظهر من أن يُشك فيه ويرتاب‏.‏‏ فقال‏:‏ ‏{‏‏رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ}‏‏.‏ولم يقل‏:‏ ‏[‏موقنين بكذا وكذا‏]‏، بل أطلق، فأى يقين كان لكم بشيء مـن الأشـياء، فأول اليقين اليقين بـهذا الرب، كما قالت الرسل لقومهم‏:‏‏{‏‏أَفِي اللّهِ شَكٌّ‏} ‏[‏إبراهيم‏:‏ 10‏]‏ وإن قلتم‏:‏ لا يقين لنا بشيء من الأشياء، بل سلبنا كل علم، فهذه دعوى السفسطة العامة، ومدعيها كاذب ظاهر الكذب‏.‏
فإن العلوم من لوازم كل إنسان، فكل إنسان عاقل لابد له من علم؛ ولهذا قيل في حد ‏[‏العقل‏]‏‏:‏ إنه علوم ضرورية، وهي التي لا يخلو منها عاقل‏.‏‏ فلما قال فرعون‏:‏ ‏{‏‏إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ‏} ‏[‏الشعراء‏:‏ 27‏]‏، وهذا من افتراء المكذبين على الرسول لما خرجوا عن عاداتهم التي هي محمودة عندهم نسبوهم إلى الجنون‏، ‏ولما كانوا مظهرين للجحد بالخالق، أو للاسترابة والشك فيه‏.‏

هذه حال عامتهم ودينهم، وهذا عندهم دين حسن، وإنما إلههم الذي يطيعونه فرعون، قال‏:‏ ‏{‏‏إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ}‏‏ فبين له موسى أنكم الذين سلبتم العقل النافع، وأنتم أحق بهذا الوصف فقال‏:‏ ‏{‏‏رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}‏‏ فإن العقل مستلزم لعلوم ضرورية يقينية، وأعظمها في الفطرة الإقرار بالخالق‏.‏ فلما ذكر أولًا أن من أيقن بشيء فهو موقن به، واليقين بشيء هو من لوازم العقل، بين ثانيًا أن الإقرار به من لوازم العقل‏.‏

ولكن المحمود هو العلم النافع الذي يعمل به صاحبه، فإن لم يعمل به صاحبه قيل‏:‏ إنه ليس لـه عقـل‏.‏ويقال أيضًا لمـن لم يتبع مـا أيقـن بـه‏:‏إنـه ليس له يقين‏.‏‏ فـإن اليقين أيضًا يراد به العلم المستقر في القلب ويراد به العمل بهذا العلم‏.‏فلا يطلق‏:‏ ‏[‏الموقن‏]‏ إلا على من استقر في قلبه العلم والعمل‏.‏وقوم فرعون لم يكن عندهم اتباع لما عرفوه،فلم يكن لهم عقل ولا يقين‏.‏وكلام موسى يقتضي الأمرين‏:‏ إن كان لك يقين فقد عرفته، وإن كان لك عقل فقد عرفته‏.‏‏ وإن ادعيت أنه لا يقين لك ولا عقل لك، فكذلك قومك، فهذا إقرار منكم بسلبكم خاصية الإنسان ومن يكون هكذا، لا يصلح له ما أنتم عليه من دعوى الإلهية‏.‏ مع أن هذا باطل منكم، فإنكم موقنون بـه، كمـا قــال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}‏‏ ‏[‏النمل‏:‏ 14‏]‏‏.‏‏ ولكم عقل تعرفونه به، ولكن هـواكم يصدكم عن اتباع موجب العقل، وهو إرادة العلو في الأرض والفساد‏.‏ فأنتم لا عقل لكم بهذا الاعتبار، كما قال أصحاب النار‏:‏ ‏{‏‏لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ‏[‏الملك‏:‏ 10‏]‏، وقال تعالى عن الكفار‏:‏ ‏{‏‏أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}‏‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 44‏]‏‏.‏قـال تعالى عـن فرعـون وقومـه‏:‏ ‏{‏‏فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}‏‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 54‏]‏ والخفيف‏:‏ هو السفيه الذي لا يعمل بعلمه، بل يتبع هواه‏.‏‏ وبسط هذا له موضع آخر‏.‏‏ والمقصود هنا أنه ليس في الرسل من قال أول ما دعا قومه‏:‏ إنكم مأمورون بطلب معرفة الخالق، فانظروا واستدلوا حتى تعرفوه‏.‏‏ فلم يكلفوا أولا بنفس المعرفة، ولا بالأدلة الموصلة إلى المعرفة، إذ كانت قلوبهم تعرفه وتقر به، وكل مولود يولد على الفطرة، لكن عرض للفطرة ما غيَّرها، والإنسان إذا ذكر ذكر ما في فطرته‏.
‏‏ ولهذا قال الله في خطابه لموسى‏:‏‏{‏‏فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى‏} ‏[‏طه‏:‏ 44‏]‏،ما في فطرته من العلم الذي به يعرف ربه،ويعرف إنعامه عليه،وإحسانه إليه،وافتقــاره إليه، فذلك يدعوه إلى الإيمان،‏{‏أَوْ يَخْشَى‏}‏ ما ينذره به من العذاب،فذلك أيضا يدعوه إلى الإيمان‏.‏‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ‏} ‏[‏النحل‏:‏ 125‏]‏، فالحكمة تعريف الحق، فيقبلها من قبل الحق بلا منازعة‏.‏‏ ومن نازعه هواه وعظ بالترغيب والترهيب‏.‏فالعلم بالحق يدعو صاحبه إلى اتباعه؛ فإن الحق محبوب في الفطرة، وهو أحب إليها‏.‏‏ وأجل فيها، وألذ عندها من الباطل الذي لا حقيقة له؛ فإن الفطرة لا تحب ذاك‏.‏‏ فإن لم يدعه الحق والعلم به خوف عاقبة الجحود والعصيان، وما في ذلك من العذاب فالنفس تخاف العذاب بالضرورة فكل حى يهرب مما يؤذيه بخلاف النافع فمن الناس من يتبع هواه، فيتبع الأدنى دون الأعلى‏.‏
كما أن منهم من يكذب بما خوف به، أو يتغافل عنه، حتى يفعل ما يهواه‏.‏فإنه إذا صدق به واستحضره لم يبعث نفسه إلى هواها، بل لابد من نوع من الغفلة والجهل حتى يتبعه؛ ولهذا كان كل عاص لله جاهلا، كما قد بسط هذا في مواضع إذ المقصود هنا التنبيه على أن قوله‏:‏ ‏{‏‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}‏‏، فيه تنبيه على أن الرب معروف عند المخاطبين، وأن الفطر مقرة به‏.‏وعلى ذلك، دل قوله‏:‏ ‏{‏‏وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ}‏‏ الآية ‏[‏الأعراف‏:‏ 172‏]‏، كما قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع‏.‏
وكذلك قول الرسل‏:‏ ‏{‏‏أَفِي اللّهِ شَكٌّ}‏‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 10‏]‏، هو نفي، أى ليس في الله شك‏.‏ وهو استفهام تقرير يتضمن تقرير الأمم على ما هم مقرون به من أنه ليس في الله شك، فهذا استفهام تقرير‏.‏
فإن حرف الاستفهام إذا دخل على حرف النفي كان تقريرًا، كقوله‏:‏ ‏{‏‏أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}‏‏ ‏[‏الشرح‏:‏ 1‏]‏، ‏{‏‏أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ‏} ‏[‏البلد‏:‏ 8‏]‏، ‏{‏‏أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}‏‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 70‏]‏، ومثله كثير‏.‏}} بخلاف استفهام فرعون، فإنه استفهام إنكار، لا تقرير؛ إذ ليس هناك إلا أداة الاستفهام فقط، ودل سياق الكلام على أنه إنكار‏.

‏‏ فإن قيل‏:‏ إذا كانت معرفته، والإقرار به ثابتًا في كل فطرة فكيف ينكر ذلك كثير من النظار نظار المسلمين وغيرهم وهم يَدَّعون أنهم الذين يقيمون الأدلة العقلية على المطالب الإلهية، فيقال أولا‏:‏ أول من عرف في الإسلام بإنكار هذه المعرفة هم أهل الكلام الذي اتفق السلف على ذمه من الجهمية والقدرية‏.‏‏ وهم عند سلف الأمة من أضل الطوائف وأجهلهم‏.‏‏ ولكن انتشر كثير من أصولهم في المتأخرين الذين يوافقون السلف على كثير مما خالفهم فيه سلفهم الجهمية‏.‏‏ فصار بعض الناس يظن أن هذا قول صدر في الأصل عن علماء المسلمين، وليس كذلك، إنما صدر أولا عمن ذمه أئمة الدين وعلماء المسلمين‏.

‏‏ الثاني‏:‏ أن الإنسان قد يقوم بنفسه من العلوم والإرادات وغيرها من الصفات ما لا يعلم أنه قائم بنفسه، فإن قيام الصفة بالنفس غير شعور صاحبها بأنها قامت به‏.‏فوجود الشيء في الإنسان وغيره غير علم الإنسان به‏.‏‏ وهذا كصفات بدنه، فإن منها ما لا يراه كوجهه وقفاه‏.‏ومنها ما يراه إذا تعمد النظر إليه كبطنه وفخذه وعضديه‏.‏‏ وقد يكون بهما آثار من خيلان وغير خيلان، وغير ذلك من الأحوال، وهو لم يره ولم يعرفه، لكن لو تعمد رؤيته لرآه‏.‏ومن الناس من لا يستطيع رؤية ذلك لعارض عرض لبصره من العشى أو العمى، أو غير ذلك‏.‏‏ كذلك صفات نفسه قد يعرف بعضها، وبعضها لا يعرفه‏.‏‏ لكن لو تعمد تأمل حال نفسه لعرفه‏.‏ومنها ما لا يعرفه ولو تأمل لفساد بصيرته وما عرض لها‏.‏والذي يبين ذلك‏:‏ أن الأفعال الاختيارية لا تتصور إلا بإرادة تقوم بنفس الإنسان‏.‏وكل من فعل فعلا اختياريًا وهو يعرفه فلابد أن يريده، كالذي يأكل ويشرب ويلبس وهو يعرف أنه يفعل ذلك، فلابد أن يريده‏.‏فالفعل الاختياري يمتنع أن يكون بغير إرادة‏.‏وإذا تصور الفعل الذي يفعله وقد فعله لزم أن يكون مريدًا له وقد تصوره‏.‏وإذا كان مريدًا له وقد تصوره امتنع ألا يريد ما تصوره وفعله‏.‏‏ فالإنسان، إذا قام إلى صلاة يعلم أنها الظُّهر، فمن الممتنع أن يصلى الظهر وهو يعلم هذا لم ينسه ولا يريد صلاة الظهر‏.‏‏ وكذلك الصيام إذا تصور أن غدًا من رمضان وهو مريد لصوم رمضان امتنع ألا ينوي صومه‏.‏وكذلك إذا أهل بالحج وهو يعلم أنه مهل به امتنع ألا يكون مريدًا للحج‏.‏

وكذلك الوضـوء إذا علم أنه يتوضـأ للصـلاة وهو يتوضأ امتنع ألا يكون مريدًا للوضوء‏.‏ومثل هذا كثير؛ نجد خلقًا كثيرًا من العلماء دع العامية يستدعون النية بألفاظ يقولونها ويتكلفون ألفاظًا، ويشكون في وجودها مرة بعد مرة، ويخرجون إلى ضرب من الوسوسة التي يشبه أصحابها المجانين‏.‏‏ والنية‏:‏ هي الإرادة، وهي القصد، وهي موجودة في نفوسهم لوجودها في نفس كل من يصلى في ذلك المسجد والجامع، ومن توضأ في تلك المطهرة‏.‏أولئك يعلمون هذا من نفوسهم ولم يحصل لهم وسواس، وهؤلاء ظنوا أن النية لم تكن في قلوبهم يطلبون حصولها من قلوبهم‏.

‏‏ وهم يعلمون أن التلفظ بها ليس بواجب، وإنما الفرض وجود الإرادة في القلب وهي موجودة ومع هذا يعتقدون أنها ليست موجودة‏.‏‏ وإذا قيل لأحدهم‏:‏ ‏[‏النية حاصلة في قلبك‏]‏ لم يقبل لما قام به من الاعتقاد الفاسد المناقض لفطرته‏.‏وكذلك حب الله ورسوله موجود في قلب كل مؤمن، لا يمكنه دفع ذلك من قلبه إذا كان مؤمنًا‏.‏وتظهر علامات حبه لله ولرسوله إذا أخذ أحد يسب الرسول ويطعن عليه، أو يسب الله ويذكره بما لا يليق به‏.‏

فالمؤمن يغضب لذلك أعظم مما يغضب لو سب أبوه وأمه‏.‏‏ ومع هذا، فكثير من أهل الكلام والرأى أنكروا محبة الله، وقالوا‏:‏ يمتنع أن يكون محبًا أو محبوبًا، وجعلوا هذا من أصول الدين، وقالوا‏:‏ خلافًا للحلولية، كأنه لم يقل بأن الله يحب إلا الحلولية‏.‏‏ ومعلوم‏:‏ أن هذا دين الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين، وأهل الإيمان أجمعين وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، كما قد بسطناه في مواضع‏.‏فهذه المحبة لله ورسوله موجودة في قلوب أكثر المنكرين لها، بل في قلب كل مؤمن وإن أنكرها لشبهة عرضت له‏.‏‏ وهكذا المعرفة موجودة في قلوب هؤلاء‏.‏‏ فإن هؤلاء الذين أنكروا محبته هم الذين قالوا‏:‏ معرفته لا تحصل إلا بالنظر، فأنكروا ما في فطرهم وقلوبهم من معرفته، ومحبته‏.‏ثم قد يكون ذلك الإنكار سببًا إلى امتناع معرفة ذلك في نفوسهم وقد يزول عن قلب أحدهم ما كان فيه من المعرفة والمحبة فإن الفطرة قد تفسد فقد تزول، وقد تكون موجودة ولا ترى ‏{‏‏فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}‏‏ ‏[‏الحج‏:‏ 46‏]‏‏.

‏‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}‏‏ ‏[‏الروم‏:‏ 30-31‏]‏‏.
‏‏ وفي الصحيحين، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء‏"‏‏، ثم يقول أبو هريرة‏:‏ اقرؤوا إن شئتم‏:‏ ‏{‏‏فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}‏‏ ‏[‏الروم‏:‏ 30‏]‏‏.

‏‏ والفطرة تستلزم معرفة الله، ومحبته، وتخصيصه بأنه أحب الأشياء إلى العبد وهو التوحيد‏.‏وهذا معنى قول‏:‏ ‏[‏لا إله إلا الله‏]‏، كما جاء مفسرًا‏:‏ ‏(‏كل مولود يولد على هذه الملة‏)‏، وروى‏:‏ ‏[‏على ملة الإسلام‏]‏‏.‏ وفي صحيح مسلم، عن عياض بن حمار؛ أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "يقول الله تعالى‏:‏ إنى خلقت عبادى حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وَحَرْمَتْ عليهم ما أَحْلَلْتُ لهم، وأَمَرَتْهُمْ أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا‏"‏‏‏.‏فأخبر أنه خلقهم حنفاء، وذلك يتضمن معرفة الرب، ومحبته، وتوحيده‏.‏
فهذه الثلاثة تضمنتها الحنيفية، وهي معنى قول‏:‏ ‏(‏لا إله إلا الله‏)‏‏.‏‏ فإن في هذه الكلمة الطيبة التي هي ‏{‏‏كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء‏} ‏[‏إبراهيم‏:‏ 24‏]‏، فيها إثبات معرفته والإقرار به‏.‏وفيها إثبات محبته، فإن الإله هو المألوه الذي يستحق أن يكون مألوهًا؛ وهذا أعظم ما يكون من المحبة‏.‏وفيها أنه لا إله إلا هو‏.‏ففيها المعرفة، والمحبة، والتوحيد‏.‏‏ وكل مولود يولد على الفطرة، وهي الحنيفية التي خلقهم عليها‏.‏ولكن أبواه يفسدان ذلك فيهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، ويشركانه‏.‏ كذلك يجهمانه فيجعلانه منكرًا لما في قلبه من معرفة الرب ومحبته وتوحيده‏.، ‏‏ ثم المعرفة يطلبها بالدليل، والمحبة ينكرها بالكلية‏.‏والتوحيد المتضمن للمحبة ينكره من لا يعرفه، وإنما ثبت توحيد الخلق، والمشركون كانوا يُقرون بهذا التوحيد وهذا الشرك‏.‏فهما يُشرّكانه، ويُهودانه، ويُنصرانه، ويُمجسانه‏.‏
وقد بسط الكلام على هذا الحديث وأقوال الناس فيه في غير هذا الموضع‏.‏‏ وأيضا، مما يبين أن الإنسان قد يخفي عليه كثير من أحوال نفسه، فلا يشعر بها‏.‏ إن كثيرًا من الناس يكون في نفسه حب الرياسة كامن لا يشعر به، بل إنه مخلص في عبادته وقد خفيت عليه عيوبه، وكلام الناس في هذا كثير مشهور؛ ولهذا سميت هذه‏:‏ ‏[‏الشهوة الخفية‏]‏‏.‏قال شداد بن أوس‏:‏ يا بقايا العرب، إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية‏.‏قيل لأبي داود السجستاني‏:‏ ما الشهوة الخفية‏؟‏ قال‏:‏ حب الرياسة‏.‏‏ فهي خفية تخفي على الناس، وكثيرًا ما تخفي على صاحبها‏.
‏‏ بل كذلك حب المال والثروة، فإن الإنسان قد يحب ذلك ولا يدرى‏.‏بل نفسه ساكنة ما دام ذلك موجودًا، فإذا فقده ظهر من جزع نفسه وتلفها ما دل على المحبة المتقدمة‏.‏‏ والحب مستلزم للشعور، فهذا شعور من النفس بأمور وجب لها‏.‏‏ والإنسان قد يخفي ذلك عليه من نفسه‏.‏لا سيما والشيطان يغطى على الإنسان أمورًا‏.‏‏ وذنوبه أيضًا تبقى رينًا على قلبه قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ‏} ‏[‏المطففين‏:‏ 14- 15‏]‏ ‏.‏
وفي الترمذى وغيره عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال "إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء"‏‏.‏فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه‏.‏ فذلك الران الذي قال الله‏"‏‏ ‏{‏‏كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}‏‏ قال الترمذى‏:‏ حديث حسن صحيح‏.
‏ومنـه قولــه تعالــى‏:‏ ‏{‏‏وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 88‏]‏ وقـال‏:‏‏{‏‏إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}‏‏ ‏[‏الأعراف‏:‏102‏]‏‏.‏فالمتقون إذا أصابهم هذا الطيف الذي يطيف بقلوبهم يتذكرون ما علموه قبل ذلك، فيزول الطيف ويبصرون الحق الذي كان معلومًا،ولكن الطيف يمنعهم عن رؤيته‏.
‏قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ‏} ‏[‏الأعراف‏:‏ 202‏]‏‏.‏‏ فإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في غيهم، ‏{‏‏ثٍمَّ لا يٍقًصٌرٍونّ}‏‏، لا تقصر الشياطين عن المدد والإمداد، ولا الإنس عن الغى‏.‏فلا يبصرون مع ذلك الغى ما هو معلوم لهم، مستقر في فطرهم، لكنهم ينسونه‏.‏ولهذا كانت الرسل إنما تأتى بتذكير الفطرة ما هو معلوم لها، وتقويته، وإمداده، ونفي المغير للفطرة‏.‏فالرسل بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها، لا بتغيير الفطرة وتحويلها، والكمال يحصل بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة‏.‏