el bassaire

lundi 28 janvier 2013

أسباب عذاب القبر

مفارقةٌ عجيبة، ومباينةٌ غريبة، ترى الخطّ الفاصل فيها حاجزاً من تراب، وطبقةً رقيقةً من أديم الأرض، فبينما المرء يتأمّل شواهد القبور فلا يصكّ مسامعه غير صوت الرياح وهي تسفّ الرمال، إذا ببطون القبور تموج بالدواهي والمهلكات، والعذاب والحسرات .
تلك هي الحقيقة التي لا ممارة فيها، ولا مجال لتكذيبها، أن يكون للكافرين والعصاة من المسلمين نصيبٌ من أهوال الحياة البرزخيّة وآلامها، جزاءً من ربّك على الذنوب والمعاصي التي ارتكبوها، فنعوذ بالله أن نكون منهم.

ولعذاب القبر أسباب بيّنها الله ورسوله لتحذير العباد من الوقوع فيها، نُجملها فيما يلي:

أولاً: الكفر بالخالق وجحوده، والكفر كما هو معلومٌ رأس كل خطيئة وأعظم ما عصي الله تعالى به، ولئن كانت كلّ الذنوب داخلةٌ تحت المشيئة بين العفو والمجازاة، فإن الكفر لا يغفره الله أبداً مهما قدّم صاحبه من الأعمال الحسنة، وفي القرآن الكريم: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} (النساء:48)، ومقتضى ذلك أن يكون للكافر نصيبٌ من العذاب، ومبدأ ذلك حاصلٌ في القبر، وقد دلّت الآيات على هذا المعنى بخصوصه، قال تعالى: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق* ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد} (الأنفال:50-51)، وهذا العذاب المذكور في الآية من ضرب الوجوه والأدبار دون العذاب الأكبر يوم القيامة وقبله، يؤيّده ما جاء في الآية الأخرى: {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم}(محمد:27)، يقول الإمام ابن كثير: "كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعصت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب.

وفي الحديث الشهير المروي عن البراء بن عازب رضي الله عنه، والذي يبين فيه حال العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، وفيه: (فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه) رواه أحمد، فأثبت الحديث تسبّب الكفر بعذاب القبر .

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبرُ ستة أو خمسة أو أربعة فقال: (من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟) فقال رجل: أنا، قال: (فمتى مات هؤلاء؟) قال: ماتوا في الإشراك، فقال: (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه). ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: (تعوذوا بالله من عذاب القبر) قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. رواه مسلم.

والحديث يرينا أن الدابّة التي ركب عليها النبي –صلى الله عليه وسلم- أحسّت بالعذاب الذي يتعذّب به المشركون حتى كادت أن تُلقي النبي عليه الصلاة والسلام من على ظهرها لشدّة نفورها وانزعاجها.

ثانيا: النفاق، والعمدة في إثبات ذلك قوله تعالى: { وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم} (التوبة:101)، وأغلب ما ورد من أقوال المفسّرين أن إحدى المرّتين هو عذابهم في البرزخ قبل الآخرة، كما ورد عن قتادة وابن جريح وأبي مالك وغيرهم.

ثالثا: عدم التنزه من البول والنميمة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على قبرين، فقال: (أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله)، فدعا بعسيبٍ رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال: (لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا) متفق عليه واللفظ لمسلم، والمعنى أن أحدهما كان لا يستر جسده ولا ثيابه من مماسة البول فيصيبه شيءٌ منه، ثم هو يٌصلّي بثيابٍ نجسه، فكان تركه لتمام الطهارة الحسيّة سبباً لبطلان صلاته، ولذلك استحقّ العذاب في القبر.

وأما الآخر فقد عُذّب بسبب النميمة، ولا عجب فالنميمة بما فيها من نقلٍ للكلام بين الناس على جهة الإفساد سببٌ لانعدام الثقة في المجتمع، وكم قُطِّعت من أرحام، وأثيرت من ضغائن، وهدّمت من بيوت، واشتعلت من فتن، بسبب هذه البليّة.

رابعاً: الغيبة: ورد فيها حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: بينا أنا أماشي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو آخذ بيدي، ورجلٌ عن يساره، فإذا نحن بقبرين أمامنا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، وبلى، فأيكم يأتيني بجريدة؟) فاستبقنا، فسبقته، فأتيته بجريدة، فكسرها نصفين، فألقى على ذا القبر قطعة، وعلى ذا القبر قطعة، وقال: (إنه يهون عليهما ما كانتا رطبتين، وما يعذبان إلا في البول، والغيبة ) رواه أحمد، ويُحتمل أن تكون هذه الواقعة تختلف عن الواقعة السابقة، والتي أخبر فيها النبي عليه الصلاة والسلام أن صاحب القبر عُذّب بسبب النميمة، لكن الظاهر اتحاد القصّة كما ذكر الحافظ ابن حجر.

الخامس: الغلول، وهو ما أخفي من الغنيمة عن القسمة، جاء فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: افتتحنا خيبر، ولم نغنم ذهباً ولا فضة، إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى وادي القرى، ومعه عبدٌ له يقال له مدعم، فبينما هو يحط رحل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ جاءه سهم عائر، حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس: هنيئاً له الشهادة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بل، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارا) فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي -صلى الله عليه وسلم- بشراك أو بشراكين، فقال: هذا شيء كنت أصبته، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (شراك أو شراكان من نار) رواه البخاري، والشملة هي الكساء الذي يلتحف به الرجل، والشراك هو السيور الذي يشدّ به النعال، والمقصود أن الحديث بيّن أن الغلول سببٌ من الأسباب المستوجبة للعذاب في القبر، ولذلك أوردها الإمام البيهقي في كتابه المتعلّق بإثبات عذاب القبر، وبوّب على الحديث بقوله : " باب ما يخاف من عذاب القبر في الغلول".

سادساً: عدم نصرة المظلوم، عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أٌمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجلد جلدة واحدة، فامتلأ قبره عليه ناراً، فلما ارتفع عنه قال: علام جلدتموني؟، قالوا: إنك صليت صلاة بغير طهور, ومررت على مظلوم فلم تنصره) رواه الطحاوي في مشكل الآثار، وصدق الإمام القسطلاني إذ قال: " إن كان هذا حال من لم ينصره، فكيف من ظلمه؟".

سابعا: الكبر والخيلاء، خصوصاً إذا كان في المشية واللباس الطويل ونحوهما: ودليله ما رواه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : (بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خُسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ) راوه البخاري، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (بينا رجل يتبختر في حُلّة، معجب بجمّته –أي بشعره-، قد أسبل إزاره، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) رواه مسلم، والمعنى أنه يُخسف به في القبر ويغوص في باطن الأرض بحركةٍ تُحدث جلبةً وأصواتاً لا يسمعها البشر، ويظلّ على هذه الحال من العذاب والخسف إلى يوم القيامة.

ثامناً: الكذب، ففي حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : (..فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلّوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى) قلت: (سبحان الله! ما هذان؟) فكان الجواب كما في آخر الحديث: (إنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق) رواه البخاري ومعنى يشرشر : أي يقطع، والشدق: هو جانب الفمّ.
والحديث يبيّن خطورة الكذب، ولما كانت أعضاء الكاذب من عينه وأنفه تساعده على ترويج باطله وقعت المشاركة بينهم في العقوبة كما ذكر الإمام ابن هبيرة .
تاسعا: هجر القرآن بعد تعلُّمه، والنوم عن الصلاة المكتوبة: ففي حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال في رؤياه: (أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر ها هنا، فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟) فكان الجواب كما في آخر الحديث: (أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة) رواه البخاري، ومعنى يثلغ رأسه: أي يشقّه، ويتدهده: يتدحرج.

وقد تعلّق العذاب السابق بأمرين، كان الأوّل منهما: الأخذ بالقرآن ثم رفضه، والمقصود بذلك كما ذكر بعض العلماء أن يرفض تلاوته حتى ينساه، أو أن يرفض العمل به، قال الإمام ابن هبيرة: "رفض القرآن بعد حفظه جناية عظيمة ؛ لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب رفضه ، فلما رفض أشرف الأشياء وهو القرآن عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس ".

وأما النوم عن الصلاة المكتوبة فهو ما يكون على وجه العمد والإعراض عن القيام بها في وقتها، لاسيما صلاة الصبح ، لأن الله تعالى أكّد المحافظة عليها، وفيها تجتمع الملائكة، وأما من نام من غير تفريط وإصرارعلى الترك، فهو خارج من هذا الوعيد والله أعلم.

عاشراً: أكل الربا، فقد جاء في حديث سمرة رضي الله السابق: (فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر له فاه فيلقمه حجراً فينطلق يسبح، ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً، فقلت لهما: ما هذان؟) فكان الجواب كما في آخر الحديث: (وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر، فإنه آكل الربا) رواه البخاري.

ووجه المناسبة بين الذنب والعقوبة، ما ذكره الإمام ابن هبيرة بأن آكل الربا عوقب بسباحته في النهر الأحمر وإلقامه الحجارة؛ لأن أصل الربا يجري في الذهب؛ والذهب أحمر؛ وأما إلقام الملك له الحجر؛ فإنه إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئا؛ وكذلك الربا فإن صاحبه يتخيل أن ماله يزداد؛ والله من ورائه يمحق الربا.

الحادي عشر: الزنا، فمن المشاهد المذكورة في حديث سمرة رضي الله عنه : (..فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور، فإذا فيه لغطٌ وأصوات، فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، فقلت لهما: ما هؤلاء؟ ) فكان الجواب كما في آخر الحديث: (وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني) رواه البخاري، ومعنى (ضوضوا): أي صاحوا، واللغط: هي الأصوات المختلطة التي لا تُفهم.

ويلوح للمتأمّل وجه الملاءمة بين العقوبة والذنب، فقد عوقبوا بالتنوّر لتتقابل نار الجحيم بهيجان الشهوة ونيرانها، والتي جرّأتهم على مقارفة الذنب، وحُشروا في التنّور عراة لاستحقاقهم أن يفضحوا لأن عادتهم أن يستتروا في الخلوة فعوقبوا بالهتك ، والحكمة في إتيان العذاب من تحتهم كون جنايتهم من أعضائهم السفلى.

الثاني عشر: أمر الناس بالبر وعدم الامتثال له، وفيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( رأيت ليلة أسري بي رجالاً تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ فقال : الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم ، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون ؟! ) رواه أحمد، وتُقرض بمعنى تُقطّع. وعند البيهقي في شعب الإيمان: (خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون ، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون به).

والذمّ المتوجّه في النصين السابقين لا يتعلّق بالأمر بالبرّ كما يتوهّم البعض، وإنما محطّ الإنكار مذكورةٌ في قوله عليه الصلاة والسلام: (وينسون أنفسهم)، فكان التوبيخ على المباينة الحاصلة بين الأقوال والأفعال، والاستنكار على علومهم المقرونة بترك أعمالهم، كما قال عزّ وجل: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} (البقرة:44)، وفي آيةٍ أخرى:{كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} (الصف: 3).

الثالث عشر:الإفطار في رمضان من غير عذر، وفيه حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : ( بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان ، فأخذا بضبعيَّ ، وأتيا بي جبلاً فقالا لي : اصعد . فقلت : إني لا أطيقه . فقالا : إنا سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل، إذا أنا بأصوات شديدة، فقلت : ما هذه الأصوات ؟ قال : هذا عواء أهل النار، ثم انْطُلق بي، فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً، قلت: من هؤلاء؟ قال: هم الذين يفطرون قبل تحلة صومهم) رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه، والضبعين: العضدين، والشدق: جانب الفم.

وبالجملة فإن عذاب القبر مقدّمةٌ للعذاب الأخروي، وما يُقدّره الله تعالى من العقوبة إنما هو أثر من آثار غضب الله وسخطه على عبده: " فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار، ثم لم يتب ومات على ذلك، كان له من عذاب البرزخ، بقدر غضب الله وسخطه عليه، فمستقل ومستكثر، ومصدق ومكذّب" .

سوء الخاتمة .. علاماتها وأسبابها

ليس شيءٌ أخوف لقلوب الصالحين وأشدّ إزعاجاً لهم من خاتمة المطاف ونهاية التطواف في أرجاء الحياة، ومعرفة الحالة التي سيُختم لهم عند الموت بها؟ ولأجل هذه القضيّة ذرفت عيونهم ووَجِلَت قلوبهم، وكيف لا يكون ذلك وصدى قول النبي –صلى الله عليه وسلم- : (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) في الحديث المتفق عليه، لا يزال في آذانهم ولا يفارق خواطرهم؟ وإذا كانت العبرة بالخواتيم، فخاتمة السوء هي والله البلاء العظيم والخسران المبين.

وفي كلِّ يوم تطالعنا الصحف، وتنشر الأخبار، وتتناقل الألسن: أحوال بعض المحتضرين ممّن ماتوا شرّ ميتة، وداهمهم الموت وهم على حالٍ لا تُرضي الله تعالى ولا تشرّف الأهل ولا تُبقي لهم ذكرى طيّبة يتذكّرها من بعدهم، ليقفز إلى الأذهان تساؤل في غاية الأهميّة: ما هي أسباب سوء الخاتمة؟

إن أسباب سوء الخاتمة معروضةٌ في القرآن، مذكورةٌ في السنّة، ويمكن إجمالها فيما يلي:

يأتي في طليعة هذه الأسباب جانب المعتقد، لأنّ العقيدة إذ شابها شيءٌ من الانحراف استوجبت ضلال صاحبها وزيغه عن طريق الحقّ، ومن لم يسلك سبيل الحقّ فلن يُكتب له الفلاح أبداً، ففساد المعتقد أصل كلّ بلاء، وأساس كلّ شقاء، بها يكون حبوط العمل، وسوء الخاتمة، وهلاك العاقبة، قال الله سبحانه وتعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} (سورة الفرقان: آية 23)، وقال سبحانه: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب} (سورة النور: آية 39)، ثم إن الله عز وجل قد وعد من حقّق توحيده ونقّى معتقده بالأمن التامّ في الدارين فقال: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} (الأنعام:82) فكان مقتضى ذلك أن من تبلّس بظُلمِ الشرك وظلمات الانحراف العقديّ كان أنأى الناس عن حسن الخاتمة وأبعدهم عن الهداية.

والواقع يشهد أن أهل الزيغ والضلال هم أكثر الناس شكّاً واضطراباً عند الموت وخوفاً من لقاء الله وسوء الظنٍّ به، لا يوفّقون لقول كلمة التوحيد، ولربّما نطقت ألسنتهم بالكفر الصراح والعياذ بالله.

ومن البلايا العظيمة التي تقف حاجزاً بين العبد وحسن الخاتمة: الإعراض عن الله تعالى، بما فيه من الاستنكاف عن لزوم الجادة وعدم التسليم للشريعة: {وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} (النساء:173)، ففيه الصدود عن نصح الناصحين ووعظ الواعظين، والاغترار بزخرف القول وبادي الرأي، وفيه اتباعٍ لأهواء النفوس ورغباتها، والاعتراض على أحكام الشريعة والتحايل عليها، وفيه الضيق والاشمئزاز من كلمات الهدى وأنوار الحق.

وقد ارتضى هؤلاء المعرضين عن أحكام الشريعة والمستكبرين عن سبيل المؤمنين طريقاً أوّله:{وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون} (النمل:24)، وصفته:{ فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون*وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون} (فصّلت: 4-5)، وإن طريقاً هذا أوّله وتلك صفته فإن مآله أن يكون كما قال ربّ العزّة: { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} (طه:124).

والمعرض عن الله تعالى يُعاقب على قلّة اكتراثه بالدين واتباعه لهواه بالشقاء والخذلان، ويُجازى على إعراضه وصدوده بإعراض الله عنه، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: (وأما الآخر فأعرضَ، فأعرض الله عنه) متفق عليه، ومن أعرض الله عنه ساءت خاتمته ولا شك.

ومن أسباب سوء الخاتمة: أن يُخالف ظاهر المرء باطنه، فيظهر للناس بمظهر الصلاح والاستقامة ولزوم العبادة، بينما يُناقض باطنه هذه الوضاءة الإيمانيّة، فتكون هذه الازدواجيّة سبباً في خاتمة السوء، يشهد لذلك حديث النبي –صلى الله عليه وسلم-: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار) متفق عليه.

ويذكر العلماء في هذا السياق أن الحديث يشير إلى أن خاتمة السوء الحاصلة تكون بسبب دسيسةٍ باطنةٍ وأعمالٍ خفيّة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيئ أو معتقدٍ باطلٍ أو شائبةٍ نيّةٍ أو نحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "واعلم أن سوء الخاتمة - أعاذنا الله تعالى منها - لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به ولله الحمد، وإنما تكون لمن له فساد في العقد، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوية، ويصطلمه – أي: يفاجئه الموت- قبل الإنابة، فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة، والعياذ بالله".

وإذا عشعشت الذنوب في القلب وتكاثر ورودها في القلب كانت سبباً في سوء الخاتمة؛ والسرّ في ذلك أن القلب يتأثّر بذنوب العباد ويتكدّر صفاؤه بها، فإذا أذنب العبد كان الذنب بمثابة النقطة السوداء التي تعلو الفؤاد، وما لم يُبادر صاحبها إلى التوبة والأوبة تزايدت مساحة تلك النقاط حتى تطغى على القلب كلّه، وهو الران المذكور في قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} (المطففين: 14).

جاء في صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً، فأي قلب أُشْربها، نُكِتَ فيه نُكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها، نُكِتَ فيه نُكتةٌ بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادّاً كالكوز مُجَخِّياً، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه)، والصفا هو الْحجر الأملس، ومعنى أسود مربادّاً: شديد السواد، والكوز: هو الإبريق، ومعنى مُجَخِّياً: أي مائلاً، والمقصود تشبيه القلب الذي لا يعي خيراً بالكوز المنحرف الذي لا يثبت الماء فيه، مهما صُبّ فيه لم يدخله شيء.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صُقِلَ قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله تعالى) رواه الترمذي.

وأسوأ أمراض القلوب التي تُفسده: الرياء، والكبر والعُجب والغرور، والغشّ والخداع، والمكر والكيد، والنفاق وخبث الطويّة، والطمع والأَثَرة والشحّ، واليأس والقنوط، وسوء الظنّ بالله تعالى والتسخّط من أقداره، واتباع الهوى، فأيٌّ من هذه الأمراض وغيرها تكون سبباً في هلاك صاحبها وخسرانه فضلاً عن سوء خاتمته؛ والقلوب لا تدرك السعادة وحسن العاقبة إلا بسلامتها مصداقاً لقول الباري جلّ وعلا: {يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون*إلا من أتى الله بقلب سليم} (الشعراء: 88 – 89).

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "إن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت، مع خذلان الشيطان له، فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الإيمان، فيقع في سوء الخاتمة، قال تعالى: {وكان الشيطان للإنسان خذولا} (الفرقان:29)".

ومن أسباب سوء الخاتمة: تسويف التوبة وتأجيل الأوبة اغتراراً بطول الأمل، وما هلك من هلك إلا بالتسويف والمماطلة فحالهم كما يقول العلماء: "تسويد القلب نقداً وجلاؤه بالطاعة نسيئةً حتى يختطفه الموت فيأتي الله بقلب غير سليم"، ومثل من يؤخّر التوبة كمثل رجلٍ نبتت في بيته نبتةٌ ضارّة، وهو يؤجّل اقتلاعها المرّة تلو الأخرى، ومع كثرة المماطلة والتأجيل أصبحت تلك النبتة الصغيرة شجرةً قويّة لا يمكنن اجتثاثها بسهولة، وهكذا المسوّف يستمريء المعاصي ويماطل في التوبة منها حتى يُشرب قلبه حبّها ولا يقوى على تركها، ولذلك جاء الأمر الإلهيّ بالاستعداد للموت:{وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} (الزمر: 54) يقول ابن المبارك: "احذر السكرة والحسرة، أن يفجأك الموت وأنت على الغرِّة، فلا يصف واصف قدر ما تلقى، ولا قدر ما ترى".

وبالجملة فإن الخواتيم ميراثُ السوابق، والدنيا خمر الشيطان؛ من سكر منها، فلا يفيق إلا في عسكر الموتى، نادمًا بين الخاسرين:{ياأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} (فاطر: 5).

من أشرط الساعة .. استحلال الخمر والإكثار من شربها

عرف عن أهل الجاهلية شربهم للخمر فكانوا يحرصون عليها، ويبذلون الجهود لتحصيلها والاستمتاع بها، والإسراف في شربها، حتى أُشربت قلوبهم محبّتها، فالخمر كانت بالنسبة لهم الملاذ الآمن من متاعب الحياة ومشاقّها، والعيش في عالم السعادة الزائفة، حيث لا حدود للأماني ولا سقف للخيال، وبلغ ولعُ العرب بها حدّاً كبيراً، ويمكن إدراك ذلك بالعودة إلى أشعار العرب قبل الجاهليّة، لنجد أحدهم يقول:

              إذا مت فادفني إلى جنب كرمة    تروي عظامي بعد موتي عروقها
              ولا تدفنـّــــــــني بالفـلاة فإنني    أخـــاف إذا ما مت أن لا أذوقـها

وبقي في أهل الجاهليّة ثُلّةٌ قليلة لم تغرّها (منافع الخمر) ولم يحجب سترها الرقيق البالي مساوئ تعاطيها، وأدركت هذه الثُلّة تأثيرها على قوّة العقل والتفكير، واتزان الشعور والإدراك، فها هو عاصم المنقري -وقد كان من سادات العرب- يُعلن بغضه لأمّ الخبائث قائلاً:  

                      رأيت الخمر منقصة وفيها       مقابح تفضح الرجل الكريما
                     فلا والله أشربـهــا حيــاتي        ولا أشفــي بها أبدا سقيـــما

ثم جاء الإسلام، فتدرّج في تحريم الخمر على عدّة مراحل معلومة ليس هذا مجالُ ذكرها، وحسبنا أن نعلم أن آخر تلك المراحل كانت التحريم القطعيّ الذي لا يزايله شكّ: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون* إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} (المائدة:90-91)، ومنذ ذلك اليوم انتهى الجميع عن معاقرتها كظاهرةٍ عامّة، وبقي من يُمارسها كحالاتٍ فرديّة خفيّة ويسيرة محدودة، تبقى في نظر الناس عملاً مستهجناً، وفعلاً دنيئاً.

ولكن الإنسان ظلومٌ جهول بطبعه، يتمادى في الغيّ ولا يرعوي عن الباطل، فلم يكتفِ في آخر الزمان بتقحّم الحرام والتوغّل فيه، حتى أصبح الحديث عن الخمر كأمرٍ معروفٍ ومعلوم يُجاهر فيه بالشرب علناً أمام الخلائق، ويبلغ الانحراف مداه بالتحايل على الشرع من خلال تسمية هذا المشروب بغير اسمه فضلاً عن ادّعاء حلّه، ليكون هذا الانحراف السلوكيّ والخلل التشريعي مظهراً جديداً تتجلّى فيه أشراط الساعة التي تحقّقت في أزماننا.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن من أشراط الساعة: أن يرفع العلم ويثبت الجهل، ويُشرب الخمر، ويظهر الزنا) رواه البخاري ومسلم، والمقصود بشرب الخمر كما ذكر الشرّاح: كثرة ذلك واشتهاره، بدليل ما جاء في الرواية الأخرى للحديث، وفيه: (ويكثر شرب الخمر) وقد رواها البخاري كذلك.

وعن التحايل في الشرع وتسمية الخمر بغير اسمها، واستحلالها وإنكار تحريمها، ورد حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ليستحلنّ طائفة من أمتي الخمر، باسم يسمّونها إياه ) رواه أحمد وابن ماجة.

وأقوى منه الحديث الذي رواه البخاري، وفيه وعيدٌ شديد في حقّ أصحاب هذه المعصية، فقد روى عبد الرحمن بن غنم الأشعري فقال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري -والله ما كذبني-: سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ليكوننّ من أمتي أقوام، يستحلّون الحِرَ والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب عَلَم، يروح عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجةٍ فيقولون: ارجع إلينا غداً. فيبيّتهم الله، ويضع العَلَم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة) رواه البخاري.

والاستحلال هنا:اعتقاد حلّ شربها، والحِرَ: الزنا، والعَلَم هو الجبل، وقوله –صلى الله عليه وسلم-: (يروح عليهم بسارحةٍ لهم) يعني يذهب إليهم الراعي بغنمهن، والتبييت: الإهلاك بالليل، ومنه قوله سبحانه وتعالى: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون} (الأعراف: 97)،والمقصود بلفظة: (ويضع العَلَم) دكّ الجبل حتى يقع على رؤوسهم.

والمعنى كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن هؤلاء المستحلين ينزل منهم أقوام إلى جنب جبل، فيواعدهم رجلٌ إلى الغد، فيهلكهم الله سبحانه وتعالى ليلاً، ويمسخ منهم آخرين قردة وخنازير، والأصل في المسخ الحقيقة لا المجاز، وإن كان معنى المجاز محتملاً، وعليه فالظاهر أن يحدث هذا المسخ على وجه الحقيقة.

والواقع يشهد بأن جزءاً كبيراً من هذه النبوءة قد تحقّق في زماننا، وإن كان السؤال الذي يرد هنا: كيف آلت الأمور إلى ذلك؟

نعلم من خلال دراسة التاريخ المعاصر أن الأمر قد بدأ بالاستعمار والاحتلال الأجنبي للشعوب المسلمة، في الفترة التي شهدت تقدّماً علميّاً وثورة صناعيّة في بلاد الغرب ، يُقابله تخلّف علميّ وانحطاط عقديّ خُلُقي في الدول التي تمّ استعمارها، ونتيجةً لذلك: نشأت أجيالٌ من المنبهرين بحضارة الغرب ممن قاموا بالربط غير الموفّق بين ضرورة التقدّم العلمي، وبين استجلاب جميع مظاهر الحضارة الغربيّة وعدم إخضاعها للفحص والتدقيق، فجعلوا طريق التقدّم الوحيد هو لبوس ثوب الغرب الذي لا تناسب مع قيمنا وشرعنا وإرثنا التاريخي والحضاري، مهما كان ضيق هذا الثوب وبغض النظر عما يحتويه من الدنس والنجس والرّجس.

ومما أسهم في شيوع هذه الظاهرة وذيوعها: الغزو الثقافي والضغط الإعلامي وآثاره التراكميّة، من خلال عرض أدبيّات (أهل الحضارة المزعومة) ومسلسلاتهم، ولا يكاد إنتاج إعلامي غربي يخلو من شرب الخمر أو ذكرها أو مدحها وإظهار أساليب صنعها، وعقد المسابقات لها، حتى استمرأ الناس النظرَ إليها وما عادوا يستقبحونها كالسابق، وبالطبع فقد تسلّل هذا الفساد الإعلامي إلى أوساطنا المجتمعيّة المسلمة، وبات أثرها التراكمي يذيب صخرة القناعات السابقة، خصوصاً عند من يُسمّون بالنُّخب الثافيّة ودعاة التغريب، ويكفي للتدليل على ذلك: الصور المعتادة في الكثير مما يُسمّى بالأفلام والمسلسلات التي تُعرض على القنوات، منها على سبيل المثال: صورة (الاستقراطي) الذي يُدخّن الغليون وبيده الأخرى كأس من المشروب المحرّم، وصورة اجتماع (التقدّمييّن) –بزعمهم، والتقدّم منهم براء- وكؤوس الخمر تُدار بينهم، وكذلك المشهد المتكرّر المألوف الذي يفجأنا في الدراما الرديئة: حين يُصاب (البطل) بمصيبةٍ في حياته، فيهرع إلى كؤوس الخمر فيعاقرها، لعلّه أن ينسى الهمّ الذي هو فيه!

وتزداد الصورةُ قتامةً حينما نرى الانتشار الواسع للخمور في الأوساط السياحيّة بحيث تًصبح في متناول أيديهم لاعتباراتٍ اقتصاديّة وسياحيّةٍ بحتة،فضلاً عن تسمية الخمور بغير اسمها، وتوصيفها بغير حقيقتها، وقد اقترعوا لها الكثير من الأسماء الجذّابة وليس (الخمر) منها، ووصوفها بأنها (مشروب روحي) ولا يخفي على لبيبٍ دلالات هذا الوصف ومقاصده.

نعم، لم تصل الأمور إلى حد (الانتشار الربوي) الذي تكلّمنا عنه في موضوعٍ سابق، لكن العجلة تتسارع، وإن نسبة 0.01% من شاربي الخمر في مجتمعٍ ما، هو حديثٌ عن آلافٍ تمارس هذا الفعل المحرّم، وهو رقمٌ مخيف بلا شك، ويستدعي من كافّة الشرفاء والمصلحين وقفةً حازمةً تحصّن مجتمعاتنا من الإفلاس القيمي الذي نجح بكل أسفٍ في التسلّل إليها.

ويكمن العلاج من خلال مسلكين:

المسلك الأوّل: بيان أن تسمية الأمور بغير اسمها لن يغيّر من الحقائق شيئاً، وسياج الشريعة محكم واضحٌ لا يمكن التلاعب به، فمتى وُجدت العلّة –وهي الإسكار كما يقول أهل الأصوليّون- ثبت الحكم حتى ولو أسمينا الخمر على سبيل التجوّز ماءً! أخذاً بحديث النبي –صلى الله عليه وسلم- الواضح الصريح: (كل شراب أسكر فهو حرام ) رواه البخاري، وحديث: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام) رواه مسلم.

وإلى الذين يدعون جواز شرب الخمر وتحليلها يُقال لهم: إن من استحلّ ما حرّم الله فقد خرج عن دائرة الإسلام ولا شكّ، يقول الشيخ سليمان التميمي: " (وأما استحلال) المحرمات المجمع على حرمتها أو بالعكس، فهو كفرٌ اعتقادي؛ لأنه لا يجحد تحليل ما أحل الله ورسوله، أو تحريم ما حرم الله ورسوله، إلا معاند للإسلام ممتنع من التزام الأحكام، غير قابل للكتاب والسنة وإجماع الأمة".

ويقول القاضي عياض: "وكذا أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر، أو شيئا مما حرم الله بعد علم هذا بتحريمه".

وأما المسلك الثاني: فيتمثّل في الجهود التوعويّة التي تُذكّر بمقاصد الإسلام في الحفاظ على الضروريات الخمس ومنها العقل.
فالخمر يغيّب العقل ويمنعه من التفكير السوي، ولهذا المقصد العظيم في الحفاظ على الملكات والعقول، جاء النهي الصريح عن مقارفته، والأمر الصريح بمجانبته، على نحوٍ لا يمكن تأويله أو تحريفه، ولذلك يقول الإمام القرطبي: "قول الله سبحانه وتعالى: {فاجتنبوه} يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا يُنتفع معه بشيء بوجه من الوجوه، لا بشربٍ، ولا ببيعٍ، ولا تخليل، ولا مداواة، ولا غير ذلك"، وأخرج ابن ماجة من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تشربوا الخمر؛ فإنها مفتاح كل شر).

ثم يأتي التذكير بما ورد من الترهيب والوعيد الشديد بحق المتعاملين مع الخمر، كمثل حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: (من شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة) رواه مسلم، وحديث جابر رضي الله عنه، وفيه: (وإن على الله لعهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال: عرق أهل النار) رواه مسلم، وكذلك حديث أبي الرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (لا يدخل الجنة مدمن خمر) رواه ابن ماجة.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من شرب الخمر لم تقبل له صلاةٌ أربعين صباحاً، فإن تاب: تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب: تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب: تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب لم يتب الله عليه، وسقاه من نهر الخبال) قيل: يا أبا عبد الرحمن: وما نهر الخبال؟ قال: نهر من صديد أهل النار. رواه الترمذي.

فإن لم يلقَ هذا النصح والتذكير عند أهل الهوى صدى نتيجةً لضعف وازعهم الديني والأخلاقي، وعدم اكتراثهم بالحقائق الشرعيّة، فلا أقل من تذكيرهم بالآثار الاقتصاديّة والاجتماعيّة المدمّرة لشرب الخمور، وأثره في التفكّك الأسري وما ينتج عنه من ضياع الأولاد وزيادة حالات الطلاق، فضلاً عن الأضرار الصحيّة التي أثبتت الدراسات الحديثة وجودها عند مدمني هذه المشروبات المحرّمة، وما يذكره الأطباء من سلسلةٍ طويلة من الأمراض المزمنة والسرطانات الفتّاكة، ألا يُقال بعد ذلك كلّه: الخمر أم الخبائث؟!

من أشراط الساعة...استحلال المعازف وظهور المغنيات

لهوٌ ولغو، ومكاءٌ وتصدية، ورقية الزنا، وباعث النفاق في القلب، وصوت الشيطان، كلّها أوصافٌ وأسماءٌ تعلّقت بالغناء المصاحب لآلات اللهو والطرب، تلك الأسلحة الفتّاكة التي يستخدمها إبليس لحصد ضحاياه من البشر وسوقهم إلى المعاصي بمختلف أنواعها، والمجموعة في قوله تعالى: { واستفزز من استطعت منهم بصوتك} (الإسراء:64).

وثمّة ثالوثٌ للغواية لا يكاد ينفكُّ واحدٌ منها عن الآخر: الموسيقى التي تُسكر القلوب، والخمور التي تُغيّب العقول، ومزامير الشيطان النسائيّة التي تفتن الأرواخ بأصواتها، وتُخدّر المشاعر بسمومها، وقد عقد الشيطان بين هذه الأمور الثلاثة عقداً لا ينفسخ، وأحكم بينها برباطٍ لا ينفصم، وما فسد الناس إلا حين أطلقوا لغرائزهم العنان فتساهلوا في السمع، وأطلقوا لأبصارهم العنان، وجعلوا جلسات الطرب وقوداً لشهواتهم، وحطباً لملذّاتهم.

أما الخمر ففقد تكلّمنا عنه باستفاضةٍ في موضوع آخر، وبيّنا ارتباطها بأشراط الساعة التي جعلها النبي –صلى الله عليه وسلم- مقدّماتٍ يُستدلّ بها على قرب نهاية الحياة والغروب الأخير لشمسها، وبقي الحديث عن مسألة المعازف واستحلالها، والمغنّيات وانتشارهنّ.

وفي هذا السياق تأتي عددٌ من الأحاديث التي توضّح العلاقة بين المغنّيات والمعازف، وبين أشراط الساعة، يتقدّمها حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ليكوننّ من أمتي أقوام، يستحلّون الحِرَ والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب عَلَم، يروح عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجةٍ فيقولون: ارجع إلينا غداً. فيبيّتهم الله، ويضع العَلَم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة) رواه البخاري، فالعَلَم هو الجبل، ومعنى: (يروح عليهم بسارحةٍ لهم) يعني يذهب إليهم الراعي بغنمهن، والمقصود بالتبييت: الإهلاك بالليل، ووضع العَلَم: هو الأمر الكوني الإلهي بسقوط الجبل على رؤوسهم.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه،أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا استحلّت أمتي ستاً فعليهم الدمار: إذا ظهر فيهم التلاعن، وشربوا الخمور، ولبسوا الحرير، واتخذوا القِيَان، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء) رواه الطبراني في المعجم الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان.

والظاهر من قوله –صلى الله عليه وسلم-: (إذا استحلّت أمتي ستاً) أن الاستحلال له معنيان، أن يكون على وجه الاعتقاد بحلّه، أو الإكثار من فعل هذه المذكورات، وكلاهما محتملٌ في الحديث، والإمام ابن العربي يشير إلى هذين المعنيين بقوله: "يُحتمل أن يكون المعنى يعتقدون ذلك حلالاً، ويُحتمل أن يكون ذلك مجازاً على الاسترسال، أي: يسترسلون في شربها كالاسترسال في الحلال".

أما التلاعن: فهو أن يلعن الناسُ بعضهم بعضاً –وهو الأمر المنتشر في أيّامنا هذه للأسف الشديد-، وأما اكتفاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء: فهو عدول الناس عمّا أباحه الله من الزواج إلى ارتكاب فاحشة اللواط بين الرجال والسحاق بين النساء، وأما القِيَان، فهو جمع قَينة، وتُطلق في الأصل على الأمة التي تقوم بالمهن المختلفة، ولذلك يقول العلماء: " القينة الماشطة، والقينة المغنية، والقينة الجارية، وكل صانع عند العرب قَيْن"، إلا أن الأغلب في الأحاديث أن يُقصد به التي تقوم بالغناء أو العزف.

وعن عمران بن حصين رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يكون في أمتي قذفٌ ومسخٌ وخسفٌ)، قيل: يا رسول الله ومتى ذاك؟ قال:(إذا ظهرت المعازف، وكَثُرت القِيَان، وشُربت الخمور) أخرجه الترمذي في كتاب الفتن.

ومعنى المسخ في الأصل: قلب الخِلْقَة من شيء إلى شيء، أو تحويل الصورة إلى أقبح منها، والمسخ قد يكون بقلب الصورة على وجه الحقيقة، كما حدث في بني إسرائيل حين مُسخوا قردةً وخنازير، ويمكن أن يكون كذلك مسخ القلوب وتطبّعها بأخلاق الحيوانات، فتذهب الغيرة كما هو الحال مع الخنازير، ويفشو التقليد كما هو الحال مع القردة، وتظهر الدناءة كحال الضباع، إلى غير ذلك مما هو مشهورٌ ومعلوم، وهذا النوع من المسخ الأخلاقي تعدّدت صوره في واقعنا المعاصر، وهو الأمر الذي يُفسّر انسلاخ الحياء والدياثة والتقليد الأعمى والدناءة والخبث الذي ابتُلي به فئامٌ من العصاة.

ولا يستطيع أحدٌ إنكار ما آلت إليه الأمور، بما يتطابق مع مضامين الأحاديث السابقة، فالمعازف قد انتشرت واستشرت في جميع مناحي الحياة وعمّت بها البلوى، ولا يكاد المرء يسلم من سماعها راضياً كان أم مُكرهاً، علاوةً على هذا الانتشار المخيف فقد تزايد المستحلّون لها والمفتون بجوازها والمجادلون في حرمتها؛ مغالطةً منهم ولبساً للحقّ بالباطل.

أما ظهور "القَيْنات المعاصرة" فليسوا من الجواري، ولكن من ممتهنات الفنّ والطرب من المغنّيات، وما يُمارسنه في القنوات الفضائيّة وعلى خشبات المسارح والحفلات الصاخبة فأمرٌ يطول شرحه، ولا يتسع المقام لذكره، ولا شك أن الحرمة في زماننا آكد من قبل نظراً لتوسّع مظاهر الفسق والتحلّل الأخلاقي، والتصوير الفاضح ووجود الراقصات، في زمنٍ لا يُقام فيه وزنٌ لعالمٍ فاضل، وباحث محقق ، ومخترعٍ عظيم، في مفارقة عجيبة تذيب القلب كمداً وتملؤه أسى ولوعة.

والله سبحانه وتعالى حينما يقول: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا أولئك لهم عذاب مهين} (لقمان:)، فلا شكّ أن الغناء يدخل في ذلك دخولاً أوليّاً، لأنه مما يصد ويُلهي عن ذكر الله.

وكلام العلماء في تحريم الغناء خصوصاً من النساء مستفيضٌ في كتبهم، فالإمام الشافعي يقول:"وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها، فهو سفيه ترد شهادته"، بل صحّ عنه قوله:"هو دياثة، فمن فعل ذلك كان ديوثا".

وعن فضيل بن عياض أنه قال: "الغناء رقية الزنا"، وقال الضحاك: "الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب"، وقال يزيد بن الوليد: "يا بني أمية إياكم والغناء فإنه يزيد الشهوة ويهدم المروءة وأنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السُّكْر".

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدّب ولده قائلاً: "ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن جلّ وعز، فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهو بها، ينبت النفاق في القلب كما يُنبت الماء العشب".

وأخيرا: فقد جاء أحدهم إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فسأله عن الغناء، فقال له: "أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة، فأين يكون الغناء؟" قال الرجل: يكون مع الباطل، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: "اذهب، فقد أفتيتَ نفسك".
 

samedi 26 janvier 2013

كتاب الطهارة



قضاء الحاجة:
لقد أباح الله لعباده الطيبات من الرزق، وحذرهم من الإسراف فقال تعالى: {كُلُوا واَشْرَبُوُا وَلا تُسْرِفُوا} [الأعراف:31] ويلزم من الأكل والشراب احتياج الإنسان إلى الاستفراغ، فجاء الإسلام ليعلمنا مكارم الأخلاق في جميع الأحوال، قال بعض الصحابة: لقد علمنا رسول الله ً كل شيء حتى كيفية قضاء الحاجة.
ونذكر من الآداب التي حثَّ عليها الشارع ما يلي:
التواري والبعد عن الناس: لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رملٍ فليفعل، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم».
التعوّذ قبل أن يدخل محل قضاء الحاجة: فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من الخُبثِ والخبائث» والخبث جمع خبيث من الجن، والخبائث جمع خبيثة من الجن. تنحية ما فيه ذكر الله: كالمصحف والخاتم وغيرهما، لما روي أن النبي ً كان يضع خاتمه عند قضاء الحاجة، وكان مكتوباً فيه: محمد رسول الله. الاستتار حال قضاء الحاجة: لحديث: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض». تجنب المواضع التي نُهي عن قضاء الحاجة فيها: وقد جمعها من قال: ملاعِنها نهرٌ وسُبْلٌ ومسجدٌ ** ومسقط أثمارٍ وقبر ومجلس

وذلك لما ورد عن جابر -رضي الله عنه- قال: نهى رسول الله ً أن يبال في الماء الجاري وقال: «اتقوا الملاعِن الثلاث: البراز في الموارد، والظل، وقارعة الطريق».
ونهى عن البول بأبواب المساجد، ونهى عن الجلوس على القبر لحرمته، والبول عليه منافٍ لحرمته. ويكره للرجل أن يبول قائماً إلاّ من عذر: لحديث عائشة قالت: «من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه إنما كان يبول قاعداً». يكره استقبال القبلة واستدبارها: لحديث: «إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبلن القبلة ولا يستدبرها». يكره الكلام حال قضاء الحاجة: لحديث: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط (أي يطلبانه) كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك» ويكره أيضاً الأكل والشرب عند ذلك؛ لمنافاته للأدب. وجوب الاستنجاء بعد قضاء الحاجة بالماء إن أمكن: وإن لم يجد استجمر بثلاثة أحجار، أو ما يقوم مقامها من المناديل والورق والقراطيس الخالية من أسماء الله، أو أسماء الأنبياء قال أنس: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي أداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء» ولحديث: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهنَّ فإنها تجزي». يندب بعد ذلك حمد الله تعالى، فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول إذا خرج من الخلاء: «غفرانك»، وروي أنه كان يقول: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني». ويجب على المسلم أن يبالغ في التنزه من البول، والتخلص منه، لحديث: «إذا بال أحدكم فلينتر ذَكَرَهُ ثلاثاً».
.الوضوء:
الوضوء شطر الإيمان أي نصفه، وهو شرط في صحة الصلاة فرضه الله تعالى بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6]. وقد ورد في فضله الأحاديث النبوية منها: «إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه، حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة» وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «تحشر أمتي يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء».
.فروض الوضوء:
وهي عشرة: غسل الفرجين من النجاسة: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم حين سُئل: هل يجزئ المرأة أن تستنجي بغير الماء؟ قال: «لا إلا أن لا تجد الماء». وحكم الرجل كحكم المرأة في الأحكام الشرعية كلها إلا ما خصه الدليل، وهو من فروض الوضوء على الأحوط، ويستثنى من ذلك إذا كان الفرج طاهراً ولم يخرج منه خارج فإن المتوضئ يبتدئ بالمضمضة والاستنشاق ولا يحتاج إلى غسل الفرجين، وهذا مذهب الأئمة زيد والقاسم والهادي ٍ فإنهم لم يقولوا بغسل الفرجين إلا عند النجاسة، أو عند وجود الخارج منه، وهو الصحيح. النية: لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» وهي القصد والإرادة، ومحلها القلب. ومعنى النية: قصد القربة بالوضوء، وأنه للصلاة. التسمية: فرض على الذاكر، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه» وأما من نسي التسمية في الوضوء حتى خرج من الوضوء فوضوءه صحيح لحديث: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
المضمضة والاستنشاق: لملازمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليها طيلة حياته، ولقوله: «تمضمضوا واستنشقوا والأذنان من الرأس»، وقوله: «بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائماً» ؛ ولأن الفم والأنف داخلان في الوجه وهما جزء منه، وهنا أودُّ الإشارة إلى عظمة الدين الحنيف في تشديده على نظافة الفم والأنف، وقد عرف في هذا العصر أن الأنف والفم يحملان جراثيم عديدة، وأوساخ تفتك بالأسنان والجسم، وتسبب الأمراض العديدة، والأطباء اليوم يوصون بالتشديد على نظافة الفم والأنف، وقد سبقهم الإسلام إلى ذلك فجعل غسل الفم والأنف من فرائض الوضوء، فحصل من ذلك النظافة والسلامة من الآفات. غسل الوجه: كما دلت عليه الآية، وحدّ الوجه من مقاصّ الشعر إلى منتهى الذقن، ويجب تخليل اللحية والشارب بالماء، لحديث ابن عمر قال: كان رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم إذا توضأ خلل لحيته بالماء غسل اليدين مع المرفقين: للآية ولفعله صلى الله عليه وآله وسلم فقد جاء في الحديث: أنه كان يدير الماء على مرفقيه عند الوضوء، وينبغي لمن كان في أصبعه خاتم أن يديره في أصبعه لكي يصل الماء إلى البشرةِ، وهو مروي عن زيد بن عليٍ، وجعفر بن محمد -عليهما السلام- وكذلك من كان عليها صباغ صناعي في أصابع يديها ورجليها من النساء فعليها أن تزيله؛ لأنه مانع من وصول الماء إلى البشرة.
مسح جميع الرأس: لقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6] وكما في آية التيمم قال تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [المائدة:6]، ولم ينقل عن أحد جواز مسح بعض الوجه في التيمم، بل دلالة الآية على مسح جميع الوجه، مع أن فعل المسح متعدٍ بالباء وآية الوضوء كذلك في الدلالة على وجوب مسح جميع الرأس، ويجب مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما مع الرأس، للحديث: «الأُذنان من الرأس» ومعنى ذلك أنه يجب مسحهما مع الرأس. غسل الرجلين مع الكعبين: للآية الكريمة: {وَأَرْجَلَكم} وهي مروية بالنصب عطفاً على الأيدي، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ويلٌ للأعقاب من النار» وقد ورد في جميع الروايات أنه ً كان يغسل رجليه بالماء، ولم ينقل عنه أنه مسح البتة، بل شدد في وجوب استقصائهما بالغسل كما في الحديث السابق. وأما المسح على الخفين، فقد أجمع أهل البيت على أنه منسوخ بآية المائدة التي في الوضوء، وهي متأخرةٌ، يعني سورة المائدة، وورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: (سبق الكتاب الخفين)، وروى الإمام زيد بن علي عليه السلام عن أبيه عن جده الحسين السبط عليه السلام أنه قال: نحن بني فاطمة لا نمسح على الخفين، ولا عمامة ولا كمة ولا خمار ولا جهاز. الترتيب: للآية؛ لأنها عقبت القيام إلى الصلاة بغسل الأعضاء مرتبة، وذلك بـ(الفاء) التي تفيد الترتيب، فذكرت الوجه مقدماً على اليدين وهو يعني الترتيب، ولقوله ًحين سعى بين الصفا والمروة: «أبدأُ بما بدأ الله به» إشارة إلى قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة:158].
فذكر الله تعالى الصفا قبل المروة، وقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يغسل أعضاءه مرتبة. تخليل الأصابع والأظفار والشجج: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لابن عباس: «إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك».
.سنن الوضوء:
والفرق بين فروض الوضوء وسننه، أن الفرض واجب ولا يصح الوضوء إلا به، ومن أخلَّ بشيء منه أعاد الوضوء.
وأما سننه فهي ما أمر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل الندب، وينبغي المحافظة عليها؛ لأن في فعلها زيادة في الأجر والثواب، ولا يبطل الوضوء بتركها وهي:- غسل الكفّين قبل الشروع في الوضوء: لحديث الحسين بن علي عليهما السلام قال: دعا أبي علي بوضوء فقرّبته له، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم تمضمض ثلاثاً، واستنثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك، ثم مسح برأسه مسحة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك.
الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة: لحديث علي عليه السلام في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «..ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً؛ يمضمض وينثر من الكف الذي يأخذ منه الماء». غسل كل عضو ثلاث مرات: لما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم توضأ مرةً مرةً وقال: «هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصلاة إلا به»، ثم توضأ مرتين مرتين وقال: «من توضأ مرتين مرتين أعطاه الله أجره مرتين» ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي». مسح الرقبة مرة واحدة: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من توضأ ثم مسح على سالفتيه وقفاه أمن من الغُلِّ يوم القيامة». السواك عند الوضوء: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». وفيه من الفوائد الصحيّة ما يجعل المسلم يحافظ عليه دائماً من تنظيف الأسنان وتنقيتها من فضلات الطعام والروائح الكريهة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب».
.مستحبات الوضوء:
الدعاء حال الوضوء: بعد أن ينتقل من محل قضاء الحاجة إلى محل لا نجاسة فيه لغسل أعضاء الوضوء، والدعاء مشروع لقوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60] والوضوء عبادة شرعت فيه التسمية وهي من أفضل الذكر، والدعاء فيه فضل عظيم، وهو من جملة الذكر، وهو مروي من طريق أهل البيت النبوي، فعن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه كان إذا وضع طهوره أمامه يقول: (بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم يغسل فرجه فيقول: اللهم حصّن فرجي برحمتك من معاصيك، ثم يتمضمض فيقول: اللهمَّ لَقِّنِّي حجتي يوم ألقاك، ثم يستنشق فيقول: اللهم لا تحرمني رائحة الجنة برحمتك، ثم يغسل وجهه فيقول: اللهم بيّض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، ثم يغسل يده اليمنى فيقول: اللهم أعطني كتابي بيميني واغفر ذنبي، ثم يغسل يده اليسرى فيقول: اللهم لا تؤتني كتابي بشمالي وتجاوز عن سيء أفعالي، ثم يمسح رأسه فيقول: اللهم غَشِّنِي برحمتك وأتمم عليَّ نعمتك، ثم يجيل يده على رقبته فيقول: اللهم قني الأغلال في يوم الحساب، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين فيقول: اللهم ثبت قدميَّ على الصراط المستقيم يوم تزلّ الأقدام، يا ذا الجلال والإكرام. الدعاء بعد الوضوء: لحديث: «ما من مسلم يتوضأ ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، واغفر لي إنك على كل شيء قدير، إلا كتبت في رقٍ ثم ختم عليها، ثم وضعت تحت العرش حتى تدفع إليه بخاتمها يوم القيامة». تجديد الوضوء بعد كل مباح: كالأكل والشرب والعمل، لقوله ً: «الوضوء على الوضوء نور على نور». أخذ حفنة من الماء وإرسالها على الجبهة: لما روي عن علي عليه السلام أنه توضأ فأخذ غرفة بيده فأسالها على جبهته، وهو لا يفعل إلا ما هو مأثور.
إسباغ الوضوء: وهو إكماله لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط».
.نواقض الوضوء:
كل ما خرج من الفرجين: من بول أو غائط، أو ريح أو مذي أو غيره، ولا خلاف في البول والغائط والريح أنها ناقضة، وأما المذي فلقول علي عليه السلام: كنت رجلاً مَذَّاءً فأمرت المقداد أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «فيه الوضوء». والمني ناقض لخروجه من مخرج البول؛ ولأنه يوجب الغسل، والوضوء مترتب على الغسل، ولاتصاله أيضاً بناقض آخر وهو المذي.
النوم المزيل للعقل: على أي صفة كان من قعود أو اضطجاع أو سجود أو غيرها، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «العينان وكاء السه فمن نام فليتوضأ»، وفي رواية: «فإذا نامت العينان استطلق الوكاء»؛ لأن الإنسان إذا استغرق في نومه تراخت أعضاؤه وخرج منه الخارج وهو لا يشعر، والإغماء والجنون أكثر تأثيراً في زوال العقل، فكانا ناقضين بالأولى. الدم السائل: لقول علي عليه السلام: قلت: يا رسول الله، آلوضوء كتبه الله علينا من الحدث فقط؟ فقال: «بل من سبع: من حدث، وتقطار بول، ودسعة تملأ الفم، وقيء ذارع، ودم سائل، وقهقهة في الصلاة، ونوم مضطجع». القيء الخارج من المعدة: لحديث علي عليه السلام السابق، ولما روي عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «قاء فتوضأ». وقال معدان راوي الحديث: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك، قال: صدقت وأنا صببت له وضوءه. والمراد بالدسعة في الحديث السابق هي الدفعة التي تملأ الفم فقط،والقيء الذارع هو القيء الغالب وهو أكثر من الدسعة. كبائر المعاصي: لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:27] ولحديث أبي هريرة أن رجلاً صلى وهو مسبل إزاره، فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإعادة الوضوء والصلاة. ولحديث أنس قال: كان يأمرنا ً بإعادة الوضوء من الغيبة وأذى المسلم، وإنما كانت المعاصي ناقضة للوضوء؛ لأن العبد قد تأهب واستعد للوقوف بين يدي رب العالمين، ليؤكد على توحيد الله سبحانه وتعالى وتمجيده والثناء عليه، راجياً من مولاه الإعانة والهداية إلى صراطه المستقيم، ومتوسلاً بإخلاص توحيده وطاعته.وقد كان علي بن الحسين عليه السلام إذا توضأ اصفر لونه وارتعدت فرائصه، فسُئل عن ذلك؟ فقال: أتدرون بين يدي من سأقف؟ وهكذا كان زين العابدين، وغيره من أئمة أهل البيت ٍ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. فأما من يجاهر بعصيان رب العالمين أثناء استعداده للمثول أمامه، فلاشك أنه لا يستحي من ربه فلا ينال الرضا والقبول من الله سبحانه وتعالى، ولو أن رجلاً يطلب حاجة من ملك وذهب إلى قصره وحظي بمقابلة الملك في وقت معلوم، وعند ذلك الوقت تأهب للقائه، وسمح له بالدخول، وفي أثناء دخوله شتم بعض حرس الملك واعتدى على بعض أملاكه عمداً.. فهل سيرضى عنه الملك، ويقضي حاجته بعد ذلك؟! أعتقد أنه سيُحرَم من بر الملك وإحسانه بسبب ما اقترفته يداه، فكذلك من توضأ ثم تجرأ على انتهاك حرمات الله، فإنه سيحق عليه غضب الله، ويفسد وضوءه كما صرَّح بذلك الحديث السابق.
.ما يكره في الوضوء:
الإسراف بالماء حال الوضوء: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لسعد بن معاذ حين رآه يتوضأ: «لا تُسرف، فقال سعد: أو في الماء إسراف يا رسول الله؟‍‍‍! فقال: نعم وإن كنت على نهر جار» ومن الإسراف، الزيادة على الثلاث الغسلات. الشك والوسوسة في الوضوء: لأن ذلك من عمل الشيطان، ومنشأه الجهل بتعاليم الشريعة السمحة، والعُجب والتنطع الذي يوقع الإنسان في الحرج، وقد لا يسلم من الوزر والمخالفة لهدي من بعثه الله رحمة للعالمين.
.مسألتان:
لا ينقض الوضوء مسّ الذكر: لما روي أن رجلاً سأل رسول الله ً عن مسِّ الذكر هل ينقض الوضوء؟ فقال ً: «هل هو إلا بضعة منك». وقال علي عليه السلام: «ما أبالي أنفي مسست أم أذني أو ذكري» وهذا إجماع أهل البيت ٍ وجمهور الصحابة. وأما حديث بسرة: «من مسَّ ذكره فليتوضأ» فقد قال الحافظ ابن حبان -رحمه الله- بعد أن روى حديث بسرة من طريق مروان: عائذاً بالله أن نحتج بحديث مروان بن الحكم وذووه في شيء من كتبنا؛ لأنا لا نحتج بغير الصحيح من سائر الأخبار، وإن طابق مذهبنا. وقال الإمام يحيى بن حمزة والقاضي زيد وأبو جعفر في حديث بسرة: ظلمات بعضها فوق بعض؛ لأن الراوي امرأة، وعنها مروان وهو من هو في خبثه وسوء عمله، وممن لعنه رسول الله ً مع أبيه الحكم بن أبي العاص الطريد، ومما يقدح في الحديث المذكور أن بسرة روت شيئاً يختص بالرجال، وأيضا قد عارضه حديث علي بن طلق وهو أصح. لا ينقص الوضوء مسّ المرأة: لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يُقبِّل بعض نسائه ولا يتوضأ. وأما قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة:6] فالمقصود بالملامسة هو الجماع، وكنى الله عن الجماع بالملامسة تعليماً لخلقه الأدب، كقوله تعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة:236].
.الغُسْل:
جاءت الشرائع السماوية هاديةً للإنسان إلى مصالحه ومنافعه الدينية والدنيوية، فما من فريضة من فرائض الإسلام إلا ولها حكمة ظاهرة ومنافع محسوسة، فقد شرع الله الغسل من الجنابة، وجعله من الأمانات التي كلّف الإنسان بحملها، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «اتقوا الله وأحسنوا في الغسل فإنها من الأمانة التي حملتم بها والسرائر التي استودعتم»، وقد قيل: إنه لم يبقَ من شريعة إبراهيم عند العرب قبل البعثة إلا الغُسل من الجنابة، وحرمة الحرم، وبعض مناسك الحج، وكم في الغُسل من الفوائد الصحية والروحية، وهو مع ذلك عبادة وقربة وامتثال لأمر الله سبحانه.
.موجبات الغسل:
خروج المني لشهوة: والشهوة هي اللذة سواء كان خروجه في يقظة أو احتلام، قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6]، والمرأة إذا رأت شيئاً في منامها وظهر الماء إلى خارج الفرج وجب عليها الغسل بالاتفاق. انقطاع الحيض والنفاس: ولا خلاف في وجوب ذلك على الحائض والنفساء. الجِمَاع: وإن لم يكن معه إنزال المني، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا أجهد الرجل زوجته وجلس بين شعبها الأربع وجب الغسل وإن لم ينزل». وقال عليٌّ عليه السلام: «إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل». وقال: «كيف يجب الحد ولا يجب الغسل». موت المسلم: وهو واجب بالإجماع. الإسلام: فإذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل، لما روي أن النبي ً كان يأمر من أسلم أن يغتسل».