el bassaire

mardi 8 mars 2016

ثمن الدم

ثمن الدم
  فقه السنة/ فالح بن محمد بن فالح الصغير

الْحُكْم الْخَامِس ثَمَن الدَّم, وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِهِ فَقِيلَ: أُجْرَة الْحِجَامَة, وَقِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِره, وَالْمُرَاد تَحْرِيم بَيْع الدَّم كَمَا حُرِّمَ بَيْع الْمَيْتَة وَالْخِنْزِير, وَهُوَ حَرَام إِجْمَاعًا أَعْنِي بَيْع الدَّم وَأَخْذ ثَمَنه.
الحكم السادس: كسب الحجام، قال النووي في شرح صحيح مسلم:
أَمَّا (كَسْب الْحَجَّام) وَكَوْنه خَبِيثًا وَمِنْ شَرّ الْكَسْب فَفِيهِ دَلِيل لِمَنْ يَقُول بِتَحْرِيمِهِ. وَقَد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَسْب الْحَجَّام؛ فَقَالَ الأَكْثَرُونَ مِن السَّلَف وَالْخَلَف: لا يَحْرُم كَسْب الْحَجَّام, وَلا يَحْرُم أَكَلَهُ لا عَلَى الْحُرّ وَلا عَلَى الْعَبْد, وَهُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب أَحْمَد, وَقَالَ فِي رِوَايَة عَنْهُ قَالَ بِهَا فُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ: يَحْرُم عَلَى الْحُرّ دُون الْعَبْد, وَاعْتَمَدُوا هَذِهِ الأَحَادِيث وَشِبْههَا, وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِحَدِيثِ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِحْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّام أَجْره. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيّ [برقم 2279] وَمُسْلِم [برقم 1202]. وَحَمَلُوا هَذِهِ الأَحَادِيث الَّتِي فِي النَّهْي عَلَى التَّنْزِيه وَالارْتِفَاع عَنْ دَنِيء الأَكْسَاب, وَالْحَثّ عَلَى مَكَارِم الأَخْلاق وَمَعَالِي الأُمُور. وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُفَرِّق فِيهِ بَيْن الْحُرّ وَالْعَبْد؛ فَإِنَّهُ لا يَجُوز لِلرَّجُلِ أَنْ يُطْعِم عَبْده مَا لا يَحِلّ.
وقال ابن حجر:
قَوْله : ( بَاب خَرَاج الْحَجَّام ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس . " اِحْتَجَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْطَى الْحَجَّام أَجْره " وَزَادَ مِنْ وَجْه آخَر " وَلَوْ عَلِمَ كَرَاهِيَة لَمْ يُعْطِهِ " وَهُوَ ظَاهِر فِي الْجَوَاز , وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوع بِلَفْظِ " وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ وَعُرِفَ بِهِ أَنَّ الْمُرَاد بِالْكَرَاهَةِ هُنَا كَرَاهَة التَّحْرِيم . وَكَأَنَّ اِبْن عَبَّاس أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ كَسْب الْحَجَّام حَرَام . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء بَعْد ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ حَلَال وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيث وَقَالُوا : هُوَ كَسْب فِيهِ دَنَاءَة وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ , فَحَمَلُوا الزَّجْر عَنْهُ عَلَى التَّنْزِيه . وَمِنْهُمْ مَنْ اِدَّعَى النَّسْخ وَأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا ثُمَّ أُبِيحَ وَجَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ, وَالنَّسْخ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ. وَذَهَبَ أَحْمَد وَجَمَاعَة إِلَى الْفَرْق بَيْن الْحُرّ وَالْعَبْد فَكَرِهُوا لِلْحُرِّ الِاحْتِرَاف بِالْحِجَامَةِ , وَيَحْرُم عَلَيْهِ الْإِنْفَاق عَلَى نَفْسه مِنْهَا وَيَجُوز لَهُ الْإِنْفَاق عَلَى الرَّقِيق وَالدَّوَابّ مِنْهَا وَأَبَاحُوهَا لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا , وَعُمْدَتهمْ حَدِيث مُحَيِّصَةَ أَنَّهُ " سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَسْب الْحَجَّام فَنَهَاهُ , فَذَكَر لَهُ الْحَاجَة فَقَالَ : اِعْلِفْهُ نَوَاضِحك " أَخْرَجَهُ مَالِك وَأَحْمَد وَأَصْحَاب السُّنَن وَرِجَاله ثِقَات , وَذَكَرَ اِبْن الْجَوْزِيّ أَنَّ أَجْر الْحَجَّام إِنَّمَا كُرِهَ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي تَجِب لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِم إِعَانَة لَهُ عِنْد الِاحْتِيَاج لَهُ, فَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا. وَجَمَعَ اِبْن الْعَرَبِيّ بَيْن قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَسْب الْحَجَّام خَبِيث" وَبَيْن إِعْطَائِهِ الْحَجَّام أُجْرَته بِأَنَّ مَحَلّ الْجَوَاز مَا إِذَا كَانَت الأُجْرَة عَلَى عَمَل مَعْلُوم, وَيُحْمَل الزَّجْر عَلَى مَا إِذَا كَانَ عَلَى عَمَل مَجْهُول. وَفِي الْحَدِيث إِبَاحَة الْحِجَامَة, وَيَلْتَحِق بِهِ مَا يُتَدَاوَى مِنْ إِخْرَاج الدَّم وَغَيْره, وَفِيهِ الأُجْرَة عَلَى الْمُعَالَجَة بِالطِّبِّ

أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 

فتاوى المعاملات المالية – الإجارة

فتاوى المعاملات المالية – الإجارة

في حكم أخذ الأجرة على الحجامة
السؤال: ما حكم أخذ الأجرة على الحجامة؟
الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فكسب الحجام حلال وهو محمول على الكراهة التنزيهية كما هو عند الجمهور استدلالاً بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ»(١)، وفي رواية أبي داود: «وَلَوْ عَلِمَهُ خَبِيثًا لَمْ يُعْطِهِ»([٢])، كما استدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا أَصَابَ الْحَجَّامُ فَاعْلِفُوهُ النَّاضِحَ»(٣) وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا حَجَّامًا فَحَجَمَهُ وَسَأَلَهُ: كَمْ خَرَاجُكَ؟ فَقَالَ: ثَلاَثَة آصُعٍ، فَوَضَعَ عَنْهُ صَاعًا وَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ(٤)، وفي حديث علي رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَأَمَرَنِي فَأَعْطَيْتُ الْحَجَّامَ أَجْرَهُ»(٥)، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ»([٦])، أمَّا حديث أبي مسعود رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَسْبِ الحَجَّامِ»(٧)، وحديث رافع بن خديج أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ»(٨) فهو محمول على الكراهة التنزيهية لدناءة العمل وخسته لا على المحرم، إذ يسمى راذل المال ودنيء المال خبيثا كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قال النووي: "هذه الأحاديث التي في النهي على التنزيه والارتفاع عن دنيء الأكساب والحثِّ على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولو كان حراما لم يفرِّق فيه بين الحر والعبد، فإنه لا يجوز للسيد أن يُطعم عبده ما لا يحِلُّ"(٩)، وعليه فإنَّ دفْعَ التعارض يكون بحمل النهي على الكراهة التنزيهية جمعًا بين الأدلة.
هذا، ولا يلحق بدلالة الاقتران على «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ»(١٠)فإنهما على التحريم لأنَّ الكلب نجس الذات وما حُرِّم لذاته حرم ثمنه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:«وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ»(١١) ولأنَّ الزنا محرم وبذل العوض عليه وأخذه في التحريم مثله لأنَّه وسيلة إلى محرم والوسائل لها حكم المقاصد، ودلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين لأنَّ الاقتران في النَّظم لا يستلزم منه الاقتران في الحكم إذ قد يُجمع الكلام بين القرائن في اللفظ ويفرق بينهما في المعاني بحسب الأغراض والمقاصد، وهذا إنَّما يُعلم ذلك بدلائل الأصول وباعتبار معانيها.
هذا، والحجامة معدودة من فنون الطبِّ، وفيها نفعُ وصلاحُ الأبدان، ويجوز فيها ما لا يجوز في الطبِّ كما يُشترط فيها ما لاَ يُشترط فيه في الجملة، قال ابن قدامة في «مختصر منهاج القاصدين» (١٧):" ولا يتعجب من قولنا: إنَّ الطبَّ والحساب من فروض الكفايات...(١٢) بل الحجامة فإنَّه لو خلا البلد عن حجام لأسرع الهلاك إليهم، فإنَّ الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله".
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.

(١) أخرجه البخاري في «البيوع» باب ذكر الحجام (٢١٠٣)، ومسلم في «السلام» (١٢٠٢)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) أخرجه أبو داود في «الإجارة» باب في كسب الحجَّام (٣٤٢٣)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) أخرجه أحمد (١٧٢٦٨)، من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٣٩٠). وفسَّره بعضهم بالرقيق (العبيد) الذين يكونون في الإبل، فالغلمان نُضَّاح، والإبل نواضح [«النهاية» لابن الأثير:٥/ ٦٩].
(٤) أخرجه الترمذي في الشمائل المحمدية (١/ ٣٠١) رقم(٣٤٦)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني في «مختصر الشمائل المحمدية» (٣١٢).
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» (٦٩٢)، وابن ماجه في التجارات باب كسب الحجام (٢١٦٣)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وصححه الألباني في «مختصر الشمائل المحمدية» (٣١٠).
(٦) أخرجه البخاري في «الطب» باب الحِجَامَة مِنَ الدَّاء (٥٦٩٦)، ومسلم في المساقاة (١٥٧٧)، واللفظ له، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(٧) أخرجه ابن ماجه في التجارات باب كسْب الحجَّام (٢١٦٥)، من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو رضي الله عنه. وصححه العراقي في تخريج الإحياء (٢/ ١٤٣)، والألباني في «صحيح الجامع» (٦٩٧٦).
(٨) أخرجه مسلم في المساقاة والمزارعة (١٥٦٨)، من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه.
(٩) شرح مسلم للنووي: ١٠/ ٢٣٣.
(١٠) سبق تخريجه.
(١١) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٤٩٣٨)، وأحمد في «مسنده» (٤/ ٤١٦)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في «غاية المرام» (٣١٨).
(١٢) راجع الفتاوى الطبية.


lundi 7 mars 2016

المسح على الخفين

المسح على الخفين
  فقه السنة/ فالح بن محمد بن فالح الصغير

عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه- أنه قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) فمسح عليهما(1).
عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه- قال: (جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم – يعني في المسح على الخفين)(2).
في هذين الحديثين العظيمين فوائد كثيرة، نستعرضها في الوقفات الآتية:
الأولى: قوله: (كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر) أي في غزوة تبوك، كما صُرح بذلك في رواية الإمام مالك، وأبي داود - رحمهما الله-، وكانت الصلاة صلاة الفجر.
وقوله: (فأهويت لأنزع خفيه) أي مددت يدي لإخراجهما من رجليه، والخف: نعل من جلد يغطي الكعبين.
وقوله (دعهما) أي دع الخفين: (فإني أدخلتهما) أي أدخلت القدمين.
الثانية: استنبط أهل العلم من هذين الحديثين وغيرهما جواز المسح على الخفين حال الإقامة والسفر، وقد تواترت الأحاديث الدالة على المسح، قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله-: (فيه أربعون حديثاً عن الصحابة مرفوعة)، ونقل ابن المنذر عن الحسن البصري - رحمه الله- قال: (حدثني سبعون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يمسح على الخفين)، ولم يخالف في جواز المسح إلا بعض الطوائف المنحرفة.
الثالثة: استنبط جمهور العلماء من حديث المغيرة - رضي الله عنه- أنه يشترط لجواز المسح كمال طهارة القدمين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)، وعليه فلا بد لمن يريد المسح أن يكون قد توضأ وضوءاً كاملاً، فلو غسل رجلاً واحدة أثناء وضوئه وأدخل الخف أو الجورب، ثم غسل الأخرى وأدخلها في الخف فلا يجوز المسح؛ لأنه لا يشمله لفظ الطهارة، فالحكم مرتب على التثنية، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.
الرابعة: ذكر في الحديث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين، وهما كما عرفنا نعلان من جلد يغطيان الكعبين، فهل يجوز المسح على الجوربين؟ الصحيح في المسألة - إن شاء الله- أن أنه يجوز المسح على الجوربين إذا كانا صفيقين، وساترين لمحل الفرض، وذكر بعض أهل العلم أنه لا بد أن يمكن متابعة المشي فيهما.
الخامسة: دل حديث علي - رضي الله عنه- على أن مدة المسح للمقيم يوم وليلة، ومدة المسح للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وروي عن مالك وغيره أنه لا مدة للمسح، فيمسح الإنسان ما شاء، ولكن جميع ما استدل به أصحاب هذا القول ضعيف لا يحتج به، فيبقى الصحيح - إن شاء الله- أن المقيم يمسح يوماً وليلة، والمسافر يمسح ثلاثة أيام بلياليهن، وعلى هذا القول أيضاً مدة المسح تبدأ من أول حدث بعد لبس، فلو لبس الجوربين في الصباح مثلاً، ولكنه لم يحدث إلا بعد الظهر فيحسب ابتداء مسحه من حين حدثه، فيبتدأ المسح له من بعد الظهر لا من الصباح.
وهناك رأي آخر يبتدئ من حين يبدأ المسح، بحيث لو لبس الجوربين في الصباح وأحدث بعد الظهر ولكن لم يبدأ المسح إلا عند وضوئه لصلاة العصر. فعلى هذا يبدأ المدة من حين وضوئه لصلاة العصر. لكن القول الأول أحوط وأبرأ للذمة والله أعلم.
السادسة: مما ينبغي أن يعلم في المسح أنه للوضوء دون الغسل، وعليه فغسل الجنابة يكون ناقضاً للمسح، وتنقطع المدة مقيماً كان أو مسافراً.
واعلم أن المسح يكون لظاهر الخف لا لباطنه؛ لما روى أبو داود، والترمذي، وغيرهما عن علي - رضي الله عنه- أنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح ظاهر خفيه) قال الترمذي: حديث حسن صحيح(3) وكيفية المسح المستحبة أن يبل يديه بالماء فيضع يده على موضع الأصابع، ثم يجرها إلى ساقه خطًا بأصابعه، والمسح المجزئ مسح أكثر القدم، قاله ابن قدامة - رحمه الله-.

(1)     رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب 49، حديث رقم 206، 1/309 ومسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين 1/230 رقم 274.
(2)     رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين 1/232 رقم 276.
(3)     رواه أبو داود في كتاب الطهارة، باب كيف المسح 1/42 رقم 162.