el bassaire

samedi 5 mars 2016

وجوب تعميم الأعضاء في الوضوء



وجوب تعميم الأعضاء في الوضوء
  فقه السنة/ فالح بن محمد بن فالح الصغير

عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وعائشة - رضي الله عنهم- قالوا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (ويل للأعقاب من النار).
*    *       *
هذا الحديث من جوامع كلمه- صلى الله عليه وسلم-، ويحتوي على فوائد عظيمة، أوجزها في الوقفات الآتية:
الوقفة الأولى: هذا الحديث له سبب، وذلك فيما رواه البخاري، ومسلم عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما-  قال: تخلف النبي - صلى الله عليه وسلم- عنا في سفرة سافرنا، فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ، ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: (ويل للأعقاب من النار) مرتين أو ثلاثاً.
وفي رواية لمسلم، قال عبد الله بن عمرو: رجعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر، فتوضأوا وهم عجال، فانتهينا إليهم، وأعقابهم تلوح، لم يمسها بالماء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء).
وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً لم يغسل عقبيه فقال: (ويل للأعقاب من النار).
الوقفة الثانية: قوله - صلى الله عليه وسلم-: (ويل) هذه الكلمة من المصادر التي لا أفعال لها، ومثلها: ويح، وهي هنا نكرة غير معرفة، قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله-: جاز الابتداء بالنكرة؛ لأنه دعاء. أما معناها فقيل فيها أقوال عدة، منها: أنها كلمة عذاب، وحزن، وهلاك، وقيل إنها صديد أهل النار، وأظهرها أنه واد في جهنم؛ لما روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعاً: (ويل واد في جهنم) اهـ.
زيد في رواية: (لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حرّه).
الوقفة الثالثة: قوله (الأعقاب) جمع عقب، وهي مؤخرة القدم، وعقب كل شيء آخره، والمراد: أصحاب الأعقاب، وجاء في رواية لمسلم: (ويل للعراقيب من النار)، وهي جمع عرقوب، وهو العصب الذي فوق عقب الإنسان.
وخص ذكرها في الحديث، وعقابها بالنار؛ لكونها التي لم تغسل غالباً. واللام في (الأعقاب) للعهد، أي الأعقاب التي لا ينالها الماء، قال البغوي: معناه: ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها.
الوقفة الرابعة: في هذا الحديث دليل على وجوب تعميم الأعضاء في حال الوضوء، وأن ترك بعضٍ منها غير مجزئ لهذا الوعيد الشديد الذي توعد الرسول - صلى الله عليه وسلم- من ترك غسل عقب رجليه.
الوقفة الخامسة: استدل أهل العلم بهذا الحديث على أن الواجب رؤيتهما يلوحان بغير غسل، بل قد جاء في بعض طرق الحديث قوله - عليه الصلاة والسلام-: (أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)، قال النووي - رحمه الله-: (ولو أن المسح كافياً لما تواعد من ترك غسل عقبيه).
وغسل الرجلين هو المنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم-، قولاً و فعلاً، خلافاً لمن قال بالمسح، أو التخيير بين الغسل والمسح.
ومن ذلك ما رواه الشيخان من حديث حمران مولى عثمان بن عفان، أنه رأى عثمان - رضي الله عنه- دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض، واستنشق، واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلتا رجليه ثلاثاً، ثم قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم- (توضأ نحو وضوئي هذا)، وغير هذا الحديث كثير...
الوقفة السادسة: استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على وجوب نزع الخاتم في الوضوء، فقد ترجم البخاري - رحمه الله- لهذا الحديث بقوله باب: غسل الأعقاب، وكان ابن سيرين يغسل موضع الخاتم إذا توضأ.
وذكر الحافظ ابن حجر - رحمه الله- أنه روي عنه بإسناد صحيح أنه كان إذا توضأ حرك خاتمه، قال ابن حجر: فيحمل على أنه كان واسعاً بحيث يصل الماء إلى خاتمه بالتحريك اهـ.
وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الناس، فينبغي التنبه لها.
الوقفة السابعة: استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على الذنوب الصغيرة، أو التي يراها الناس في أعينهم صغيرة، يعذبون عليها، فإن عدم غسل العقب مما قد يظنه بعض الناس أمراً هيناً، ومع ذلك فقد توعد عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم-، بالويل وهو واد في جهنم.
الوقفة الثامنة: استدل بهذا الحديث على وجوب تعليم الجاهل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم- لما رأى هؤلاء المستعجلين لم يغسلوا أعقابهم لم يسكت، فنادى بأعلى صوته:(ويل للأعقاب من النار)، بل كانت هذه حاله - صلى الله عليه وسلم- معلماً ومربياً، داعياً إلى الله تعالى، آمراً بالمعروف، وناهياً عن المنكر، وسيرته العطرة مليئة بالأحداث والوقائع الدالة على ذلك

jeudi 3 mars 2016

تعلم احكام الدين


من آداب الطهارة



من آداب الطهارة
 فقه السنة/ فالح بن محمد بن فالح الصغير

عن أبي هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً، ثم ليستنثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده).
وفي رواية لمسلم: (فليستنشق بمنخريه من الماء)، وفي لفظ: (من توضأ فليستنشق).
هذا حديث عظيم، فيه فوائد جليلة، أعرضها فيما يلي من الوقفات:
الوقفة الأولى: قوله - صلى الله عليه وسلم-: (إذا توضأ) أي إذا أراد الوضوء، قال ابن حجر - رحمه الله-:(إذا شرع في الوضوء).
الوقفة الثانية: قوله: (فليجعل في أنفه ماءً، ثم ليستنثر) في بعض الروايات لم يذكر (ماءً) وذلك للعلم به، ولذلك قال بعض أهل العلم: فيه جواز حذف المفعول إذا دل الكلام عليه.
أما قوله: (ليستنثر)، في رواية: (لينتثر)، والمراد بالإستنثار إخراج الماء من أنفه بعد الاستنشاق، والاستنشاق هو اجتذاب الماء بالنفس إلى باطن الأنف، حتى يصل إلى الخياشيم.
هذا هو الاستنشاق الكامل، والذي عُبر عنه في بعض الأحاديث بالمبالغة كما في قوله - صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الأربعة - (وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً).
أما حكم الاستنثار، والاستنشاق في الوضوء، فالظاهر من الأمر في هذا الحديث الوجوب، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وما رجحه كثير من أهل العلم، منهم الإمام الشوكاني - رحمه الله-، وذكر عدة أدلة تؤيد هذا الرأي. منها: حديث سلمة بن قيس أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا توضأت فانتثر)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه)، وفي رواية: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر)، عن لقيط بن صبرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال في حديث طويل: (وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائما) صححه البغوي، وابن القطان، والنووي، وغيرهم، وقال الترمذي: حسن صحيح.
فهذه الأحاديث، وغيرها تدل على الأمر بالاستنشاق، والاستنثار في الوضوء، ولا صارف لها عن الوجوب، ويعضد هذا أنهما من تمام غسل الوجه، وهو الواجب، ثم إن بعض من وصف وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم- ذكر المضمضة والاستنشاق.
وذهب فريق من أهل العلم إلى أن الاستنشاق سنة في الوضوء والغسل. ومنهم من قال: إنه سنة في الوضوء، وواجب في الغسل، مستدلين بأن آية الوضوء لم تذكر المضمضة والاستنشاق، كما استدلوا بأحاديث أخرى لا تقوى على معارضة ما ذكرناه من أحاديث في إسنادها ودلالاتها. فيظهر من هذا كله أن الاستنشاق والإستنثار واجب في الوضوء.
وصفة الاستنشاق الكامل أن يأخذ الماء بيده اليمنى فيتمضمض ويستنشق، ثم يستنثر بيده اليسرى، يفعل ذلك ثلاث مرات؛ لحديث عثمان - رضي الله عنه- في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وفيه:(ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض، واستنشق، واستنثر) متفق عليه، ولحديث علي - رضي الله عنه-: (فأدخل يده اليمنى في الإناء فملأ فمه، فتمضمض، واستنشق، ونثر بيده اليسرى، يفعل ذلك ثلاثاً).
الوقفة الثالثة: ذُكر في فوائد الاستنشاق والاستنثار النظافة، وقد عدَّها الرسول - صلى الله عليه وسلم- من الفطرة، فقد روى مسلم وغيره عن عائشة - رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: ( عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم - وهي رؤوس الأصابع بعد تقليم الأظافر - ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء أي الاستنجاء به؛ لأن الماء يقطع البول ويرده) قال بعض الرواة: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
وذكر ابن حجر - رحمه الله- أن من فوائد الاستنثار التنظيف؛ لما فيه من المعونة على القراءة؛ لأن بتنقية مجرى النفس تصح مخارج الحروف، ويُزاد للمستيقظ من النوم بأن ذلك لطرد الشيطان.
الوقفة الرابعة: قوله - صلى الله عليه وسلم-: (من استجمر فليوتر)، الاستجمار: مسح جميع محل البول والغائط بالجمار، وهي الأحجار الصغار، ومنه الجمار التي يرمى بها في الحج.
وقوله: (فليوتر) أي لينهِ الاستجمار على وتر، وهو الفرد مثل ثلاث، أو خمس، ونحوهم، ولا يكون الاستجمار بأقل من ثلاث، وإن حصل الإنقاء بدونه؛ وذلك لنهيه - صلى الله عليه وسلم- أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار.
الوقفة الخامسة: اعلم أن الاستجمار أحد طرق الاستطابة للطهارة بعد البول، أو الغائط. وقد بين الإسلام تفصيلات دقيقة في هذا الشأن، روى مسلم، وغيره عن سلمان الفارسي، أن المشركين قالوا له: إننا نرى صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة؟ قال: أجل نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة بغائط أو بول، ونهى عن الروث والعظام، وقال لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار.

 ثم اعلم أن لقضاء الحاجة آداباً منها:
1- تنحية ما فيه ذكر الله - عز وجل- ولا سيما المصحف، فلا يصطحبه معه، وهو يريد قضاء الحاجة، سواء في البنيان أو في الفلاة. لما رواه أصحاب السنن وغيرهم عن أنس - رضي الله عنه- أنه قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا دخل الخلاء وضع خاتمه). قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وينزع خاتمه؛ لأنه منقوش عليه: محمد رسول الله. وإن كان ما فيه ذكر الله مستوراً في جيبه ونحوه فلا بأس حينئذ - إن شاء الله-.
2- ومن الآداب أيضاً أن يدعو عند دخول دورة المياه، أو ذهابه إلى الخلاء قبيل الدخول بما ورد، روى الجماعة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).
3- ويقدم الرجل اليسرى إذا دخل الخلاء؛ لأن ما كان من التكريم بدئ فيه باليمنى، وما كان خلافه باليسرى، لما روى البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يعجبه التيمن في شأنه كله: في طهوره، وترجله، وتنعله).

4- ويستحب لمن كان في الفلاة أن يبعد ويستتر عن العيون، بحيث لا يسمع له صوت، ولا تشم له رائحة، ويحصل الستر بأي شيء ساتر، ولو بجدار، أو مطمن من الأرض ونحوه، روى البخاري، ومسلم، وغيرهما عن المغيرة بن شعبة أنه قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم- في سفر فقال: (يا مغيرة خذ الإداوة فأخذتها، فانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حتى توارى عني، فقضى حاجته). وروى أصحاب السنن وغيرهم عنه - رضي الله عنه- ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد). صححه النووي.
وروى أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما، عن أبي هريرة - رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:(من أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستتر به)، حسنه النووي.
5- ومن الآداب أيضاً عدم استقبال القبلة، أو استدبارها ببول أو غائط، وجمهور أهل العلم على أنه لا يجوز ذلك إذا كان في الفلاة؛ لما روى مسلم، وأحمد، وغيرهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها).
أما إذا كان في البنيان فإنه يكره ولا يحرم؛ لما روى الشيخان، وغيرهما عن ابن عمر - رضي الله عنهما- قال:(إن ناساً يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة، ورقيت على بيت حفصة - رضي الله عنها- لبعض حاجتي، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقضي حاجته مستقبلاً الشام، مستدبراً الكعبة).
ومن هنا جعل جمهور العلماء التحريم خاصاً فيما إذا كان في الفلاة جمعاً بين الأدلة.
6- ومن الآداب الواجبة عدم قضاء الحاجة في أماكن التجمعات، أو المتنزهات، أو موارد المياه التي تورد للشرب، أو طريق الناس، ونحو ذلك،؛ لما روى مسلم، وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (اتقوا اللعانين - أي الأمرين الجالبين للعن- ) قالوا: وما اللعانين يا رسول الله؟ قال: (الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم).
7- ومن الآداب عدم قضاء الحاجة في المواضع التي فيها ثقوب، أو شقوق؛ لما روى أحمد، وأبو داود، والنسائي - بإسناد حسن - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم- نهى أن يُبال في الجحر). كما يكره استقبال مهب الريح بالبول، ويكره أن يبول في محل الاغتسال، كما يكره أن يبول قائماً إلا لعذر.
الوقفة السادسة: يجب التنزه من البول والغائط، وكل نجس ملوث يخرج من السبيلين، وهذا التنزه إما بالماء، أو الأحجار، أو ما يقوم مقامها، ويسمى هذا التنزه الاستطابة،؛ لأنها تطيب نفس الإنسان بإزالة الخبث. والأفضل أن يجمع بين الحجر والماء، فقد روى ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي بإسناد صحيح، عن جابر، وأبي أيوب، وأنس - رضي الله عنهم- قالوا: نزلت هذه الآية (فيه رجال يحبون أن يتطهروا..) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (يا معشر الأنصار قد أثنى الله عليكم في الطهور فما طهوركم) ؟ قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء: فقال: (هو ذلك فعليكموه).
وكما تجزئ الحجارة في الاستجمار يجزئ ما كان قائماً مقامه، وهو كل جامد طاهر مزيل للنجاسة، غير مؤذ، ليس له حرمة، ولا يتعلق به حق لغيره، كالمناديل الورقية، ونحوها.
ومما لا يجوز الاستطابة به: ما ليس بطاهر، كالروث، والحجر المتنجس، ونحوه؛ لما رواه البخاري، وغيره عن ابن مسعود - رضي الله عنه- أنه قال: (أتى النبي الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال هذا ركس). زاد أحمد في رواية: (فألقى الروثة وقال: إنها ركس، ائتني بحجر)، وكذلك لا يجوز الاستجمار بالعظم؛ لما روى الترمذي، وغيره عن ابن مسعود - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن)، ويلحق بالعظام جميع المطعومات، وكذلك لا يجوز الاستجمار بما لا ينقي المحل، كالزجاج، ونحوه؛ لأنه لا يزيل النجاسة بل يبسطها.
ومن الأمور التي لا يجوز الاستنجاء بها ما له حرمة، كالذي كتب فيه كتابة محترمة، كأمور الشرع، ونحو ذلك، أما المكتوب كتابة غير محترمه فيكره، ولا يحرم، وكذلك لا يجوز الاستجمار بالمائعات الطاهرة؛ لأنها ليست مطهرة، وتنجس بملاقاة النجاسة.
الوقفة السابعة: ذكر أهل العلم أنه يجب الاستنزاه من البول، حتى يغلب على الظن أنه لم يبق في المحل شيء؛ لما روى الشيخان، وغيرهما عن ابن عباس - رضي الله عنهما- أنه قال: مر النبي - صلى الله عليه وسلم- بقبرين فقال: (إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)، وفي رواية لمسلم: (لا يستنزه من البول).
الوقفة الثامنة: قوله - صلى الله عليه وسلم-: (وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في الإناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)
- فإن أحدكم لا يدري: هذا تعليل لغسل اليد بعد الاستيقاظ.
- باتت يده: ذكر العلماء أن حقيقة المبيت يكون من نوم الليل، وفي هذه الجملة عدة مسائل.
المسألة الأولى: يستفاد من هذه الجملة أن المستيقظ من نوم الليل لا يدخل كفه في الإناء، أو يمس بها شيئاً رطباً حتى يغسلها ثلاث مرات ؛لأن نوم الليل غالباً ما يكون طويلاً، ويده تبطش في جسمه، فلعلها لمست بعض المستقذرات وهو لا يعلم، فشرع له غسلها للنظافة المشروعة، لكن اختلف أهل العلم - رحمهم الله- في النوم الذي يشرع بعده غسل اليد، هل هو بعد كل نوم من ليل أو نهار، أم هو بعد نوم الليل فقط؟ ذهب إلى القول الأول، وهو غسل اليد قبل وضعها في الإناء ثلاثاً بعد كل نوم جمهور العلماء، أخذين بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم-: (إذا استيقظ أحدكم من نومه)، وذهب إلى القول الثاني الإمام أحمد، وداود الظاهري، وهو أن النوم المقصود هنا هو نوم الليل فقط، مستدلين بقوله - صلى الله عليه وسلم-: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)، فحقيقة البيتوتة لا تكون إلا من نوم الليل، ويؤيد هذا ما رواه الترمذي، وابن ماجه أنه قال: (إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل). وهذا القول هو الذي يترجح - والله أعلم -؛ لأن الحكمة التي شرع من أجلها الغسل غير واضحة، وإنما يغلب عليها التعبدية، فلا مجال لقياس النهار على الليل، وإن طال فيه النوم؛ لأنه على خلاف الغالب، والأحكام تتعلق بالأغلب، وظاهر الأحاديث التخصيص.
المسألة الثانية: هل غسل اليد واجب أم مستحب؟ هناك رأيان لأهل العلم في ذلك، لكن الذي يترجح - والله أعلم - أن الغسل واجب؛ لظاهر الأمر في الحديث، والأمر يدل على الوجوب ما لم يصرفه صارف، ولا صارف هنا.
المسألة الثالثة: قال بعض أهل العلم: هذا الحديث فيه دلالة على كراهة غمس اليد في الإناء قبل غسلهما ثلاثاً إذا قام من النوم.
المسألة الرابعة: في قوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده). ذكر بعض أهل العلم أنه يستفاد من هذه العبارة استعمال الكنايات فيما يُستحى من التصريح به، فإنه - عليه الصلاة والسلام- قال: (لا يدري أين باتت يده)، ولم يقل فلعل يده وقعت على دبره، أو على نجاسة، ونحو ذلك.
المسألة الخامسة: ذكر بعض أهل العلم أن في هذا الحديث دلالة على استحباب الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها عند الاشتباه والشك، ما لم يخرج إلى حد الوسوسة.