el bassaire

dimanche 11 mai 2014

باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها



9ـ باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها

57- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ))
58- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلي المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه اللهم صل عليه اللهم اغفر له اللهم أرحمه ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة ))
59- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلي قوم يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار
60- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استأذنت أحدكم امرأته إلي المسجد فلا يمنعها قال فقال بلال بن عبد الله والله لنمنعهن قال فأقبل عليه عبد الله فسبه سباً سيئاً ما سمعته مثله قط وقال أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول والله لمنعنهن وفي لفظ لمسلم (( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ))
61- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد الجمعة وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وفي لفظ ((فأما المغرب والعشاء والجمعة ففي بيته )) وفي لفظ للبخاري أن ابن عمر قال حدثني حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر وكانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها
62- عن عائشة رضي الله عنها قالت لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر وفي لفظ لمسلم (( ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها
المصدر كتاب عمدة الأحكام من حكام خير الأنام
الإمام حافظ عبد الغاني المقدسي

samedi 10 mai 2014

الإِلْمَاعَة في بَيَان مَعْنَى لُزُومِ الجَمَاعَة


  • الإِلْمَاعَة في بَيَان مَعْنَى لُزُومِ الجَمَاعَة
  • الشيخ حسن آيت علجت حفظه الله

  • إنَّه لا يَخْفَى على مَن اِطَّلعَ على مَوَارِدِ الشَّريعةِ ومَصَادِرِهَا، مَدَى أهمِّيَّةِ لُزُومِ الجَمَاعَة، وحَثِّ الشَّارِعِ على هذا الأمْرِ الجَلَلِ، فقد تضافَرَتْ بذلك الآيُ والأخبارُ، والأحاديثُ والآثارُ، ودوَّنَ ذلك الأئمَّةُ في مُصَنَّفَاتِهِم، سيَّمَا ما تعلَّقَ مِنْها بمسَائِلِ الاِعْتِقَاد، فلا يَكَادُ يخْلُو كِتَابٌ في العقيدة من تَقْريرِ ذلك وبَيَانِه.

  • بَلْ نُسِبَتِ العقيدَةُ الصَّحِيحَةُ الحَقَّةُ إلى مَنْ لَزِمَ الجماعَةَ؛ فَقيلَ: «عقيدَةُ أهْلِ السُّنَّة والجماعة».

  • من أجْلِ هذا وذاك، تعيَّن بيانُ مفهومِ لُزومِ الجماعَةِ، وتحديدُ معناهُ على ضوْءِ اللُّغة والشَّرْع.تُطْلَقُ الجماعَةُ لُغَةً على العَدَد الكثيرِ من النَّاس، والشَّجر، والنَّبات، وعلى طَائفَةٍ من النَّاس يجمعُها غَرَضٌ واحِدٌ.

  • وهي اسْمُ مَصْدَرٍ من اِجْتَمَعَ، يَجْتَمِعُ، اِجْتِمَاعً(1).
  • قال الشَّيخُ ابنُ عثيمين في «شرح الواسطية» (1/52): «أَصْلُ كلِمَةِ «الجَمَاعَة» هو بمعنى الاجتماع، فهي اسْمُ مَصْدَرٍ، ثُمَّ نُقِلَتْ مِنْ هذا الأصْلِ إلى القَوْمِ المُجْتَمِعينَ».أمَّا فِيمَا يخُصُّ المعْنَى الشَّرعيَّ، فقَدْ تعدَّدَتْ تفاسيرُ العُلَمَاءِ لهذه الكلمة، تبعًا لتنوُّع النُّصوص الوَارِدَة في شأنها وقد جمَعَهَا الإمامُ الشَّاطبي رحمه الله في كتابِهِ المِعْطَارِ «الاعْتِصَام»(1/478 ـ 480)فبَلَغَ بِهَا خمْسَة تفاسير:
  • الأول: أنَّها السَّوادُ الأعْظَمُ مِنْ أهل الإسلام، ويدْخُلُ فيهم العُلَمَاءُ المجتهدون مِنْ بَابِ أوْلى.

  • الثاني: أنَّها جماعَةُ أئمَّةِ العُلَمَاءِ المجْتَهِدين.

  • الثالث: أنَّها أصْحَابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهُمْ سادَاتُ العُلَمَاءِ وقُدْوَتُهُم رضي الله عنهم.

  • الرَّابع: أنَّها جماعَةُ المسلمين إذا اجْتَمعوا على حَاكِمٍ.

  • الخامس: أنها جماعة أهْلِ الإسْلاَمِ إذا أجْمَعوُا على أمْرٍ، تعيَّن على غيْرِهِمْ مِنْ أهْلِ المِلَلِ أنْ يتَّبِعُوهُم فيه.
  • والتَّحقيقُ في هذه المسْأَلَةِ ـ وبِهِ تجْتَمِعُ هذِهِ الأقْوَالُ كُلُّهَا ـ أنَّ الجَمَاعةَ تُطْلَقُ على أمرَيْنِ(2)الأوَّل: البِنَاءُ والكَيَانُ.والثَّاني: المَنْهَجُ والطَّرِيقَةُ.

  • * فعلى الإطْلاَقِ الأوَّلِ وهو «البِنَاءُ والكَيَانُ»: يَكونُ المعنى أنَّ المسلمين إذا اجتمعوا تحْتَ حَاكمٍ صاروا جماعةً يَجِبُ لُزومُها، ويَحْرُمُ مُفارقَتُها، والخُروجُ عليها.

  • وهذا هو المعْنَى المقصود ُفي الحديث الَّذي رواه البخاريُّ (6691) ومسْلِمٌ (3523) عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ»، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ»، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ؛ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَ»، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ، وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمـَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».

  • مَوْطِنُ الشَّاهِدِ في هذا الحَدِيثِ هو قوْلُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمـُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»؛ حَيْثُ جَعَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المسْلِمِينَ المُجْتَمِعينَ على حَاكِمٍ، جَمَاعةً يَتعيَّنُ لزومُها، وعَدَمُ الخُرُوجِ عَليْها.
  • وقد نَقل الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في «الفتح» (13/37) عن ابن بَطَّال أنَّه قال عند كَلاَمِه على هذا الحديث في شرحه لـ«صحيح البخاري»: «فِيهِ حُجَّةٌ لِجَمَاعَةِ الْفُقَهَاء فِي وُجُوب لُزُوم جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ، وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّة الْجَوْرِ» اهـ.وفي هذا المَعْنَى أيضًا جاءَتْ لفظةُ «الجَمَاعَة» في حديث «الصَّحيحَيْن» عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ، فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ؛ إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».ومِنْ بَابَتِهِ أيْضًا، حديثُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «ثَلاَثَةٌ لاَ تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَعَصَى إِمَامَهُ وَمَاتَ عَاصِيًا...» لحديث(3).ومِمَّا يجْدُرُ التَّنْبيهُ إليْهِ، أنَّ الجماعةَ بهذا الإطْلاَقِ قدْ تتخلَّفُ؛ فلا توجَدُ في زمَنٍ مِنَ الأزْمَانِ، وهو زَمَنُ الفِتَنِ، بِدَليلِ مَا جاءَ في حديثِ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه الآنِفِ الذِّكْرِ، حيْثُ سَألَ حُذَيْفَةُ رضي الله عنه رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ـ وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ ـ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».

  • * أمَّا الإطلاقُ الثَّاني للجماعَةِ فهو «المَنْهَجُ والطَّرِيقَةُ»: فيَكُونُ لُزومُ الجمَاعَةِ مِنْ هذه الحَيْثِيَّةِ، هو لُزومُ جماعَةِ أهْلِ الحَقِّ الَّتي تسيرُ وَفْقَ ما كان عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصْحَابُه رضي الله عنهم.
  • وفي هذا المعْنَى جاءَ الحديثُ الَّذي روَاهُ البخاري (6484) ومسلم (1676) عَنْ ابْنِ مسعودٍ رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلمقال: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؛ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِفلفْظُ «الجَمَاعَة» هنا، وإنْ كانَ المقصودُ بِهِ أهْلَ الإسْلامِ على سبيل العُمُوم ـ وهم أهْلُ الحَقِّ بالنَّسْبَة إلى غيْرِهِم مِنْ أهْل المِلَلِ الباطلة ـ؛ إلاَّ أنَّ هناك معنًى خاصَّا لِلَفْظِ «الجماعة» ذَكَرَهُ العُلَمَاءُ، وهو: أهْلُ السُّنَّة والاتِّبَاعِ؛ إذْ قال الإمامُ النوويُّ رحمه الله في «شرْحِهِ على مسلم» (11/165): «قَالَ الْعُلَمَاء: وَيَتَنَاوَلُ أَيْضًا كُلّ خَارِجٍ عَنْ الْجَمَاعَة بِبِدْعَةٍ، أَوْ بَغْي، أَوْ غَيْرهِمَا، وَكَذَا الْخَوَارِجَ؛ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.وزاد هذا المعْنَى توْضيحًا الإمامُ أبو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ رحمه الله في «المُفْهِمُ لمِاَ أَشْكَلَ من تَلْخِيصِ كتاب مسْلِمٍ» (15/121) فقال عِنْدَ شَرْحِهِ لهذا الحديث: «غَيْرَ أنَّهُ يَلْحَقُ بِهِمْ في هذا الوَصْفِ، كُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ جَمَاعَة المُسْلِمِينَ ـ وإنْ لم يَكُنْ مُرْتَدًّا ـ كالخوارج، وأهْلِ البِدَعِ ـ إذا منََعُوا أنْفُسَهُم مِنْ إقَامَةِ الحَدِّ عليهم، وقاتلوا عليه ـ وأهْلُ البَغْيِ، والمُحَارِبُون، ومَنْ أشْبَهَهُمْ؛ فيَتَنََاولُهُم لفظُ: «الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» بحُكْمِ العُمُومِ»...إلى أنْ قالَ: «وتَحْقِيقُهُ: أنَّ كُلَّ مَنْ فارَقَ الجماعَةَ يَصْدُقُ عليه أنَّه بَدَّل دينَهُ؛ غيرَ أنَّ المرتَدَّ بدَّلَ كُلَّ الدِّين، وغيرُه من المُفَارِقِينَ بَدَّل بَعْضَهُ» اهـ.وأصْرَحُ ما جاء في هذا المعْنَى، ذلك الحَدِيثُ المرويُّ عن عَوْفِ بْنِ مالكٍ الأشْجَعِيِّ رضي الله عنه أنَّصلى الله عليه وسلم قال: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً: فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ؛ وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً: فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ؛ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً: فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ»؛ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ»(4). وبالنَّظَرِ إلى الاشْتِقَاقِ اللُّغَويِّ للفْظَةِ «الجماعة»، فإنَّه يَكُونُ مَعْنَاها حِينَئِذٍ: القَوْمُ المُجْتَمِعُونَ على الحقِّ.ولاشكَّ أنَّ أَوْلى النَّاسِ بهذا الوَصْفِ، وأَسْعَدَهُم به، هُم النبيُّصلى الله عليه وسلم وأصْحَابُه رضي الله عنهم؛ لهذا جاء تفسيرُ «الجَمَاعَة» في رِواية أُخْرَى لهذا الحديث بأنَّها: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»(5).

  • ثُمَّ بعْدَ هَؤلاءِ تَكُونُ الجماعةُ هِيَ أَئِمَّةَ العُلَمَاءِ الَّذينَ سَلَكوا سبيلَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وأصْحَابِه البَرَرَةِ رضي الله عنهم، في كُلِّ عَصْرٍ ومِصْرٍ، لأَنَّهم أَعْلَمُ النَّاس بالحَقِّ الَّذي كان عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه رضي الله عنهم، وأَشَدُّهُم اجْتِمَاعًا عليه.

  • ومِنْ تَراجِمِ الإمامِ البُخاريِّ في «صحيحه»  وفِقْهُ البخاريِّ في تَرَاجِمِه ـ قوْلُهُ: «باب:
  • (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)
  • [البقرة:143]، ومَا أَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بلُزومِ الجماعة: وهُم أهْلُ العِلْمِ»(6).

  • وقال الإمامُ التِّرمذيُّ في «سننه» (4/467): «وَتَفْسِيرُ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هُمْ: أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ» اهـ.

  • ومِمَّا يُعَضِّدُ هذا، ما رواه الحافظ أبو نُعَيْمٍ الأصْبَهانيُّ في«حِلْيَةِ الأوْلِيَاء» (9/238 ـ 239) أنَّ الإمامَ العَلَمَ إسحاقَ بْنَ إبراهيمَ الحنظليَّ المَرْوَزِيَّ ـ المعْروفِ بابْنِ رَاهَوَيْه ـ (ت 238) سُئِلَ عن معْنَى السَّوادِ الأعْظَمِ الَّذي فُسِّرَتْ به الجماعةُ، فقال: «مُحمَّدُ بنُ أسْلَم، وأصحابُه، ومَنْ تَبِعَهُم»، ثمَّ قال: «سألَ رَجُلٌ ابْنَ المبارك: مَنِ السَّوَادُ الأعْظَمُ؟ قال: أبو حمزة السُّكَّريِّ(7)».

  • ثمَّ قال إسحاق: «في ذلك الزَّمانِ (يعني: أبا حمزة)؛ وفي زمَانِنَا: مُحمَّدُ بنُ أسْلَمَ(8) ومَنْ تَبِعَهُ»، ثمَّ قال إسحاق: «لوْ سألْتَ الجُهَّالَ عن السَّوَادِ الأعْظَم لقالوا: جماعَةُ النَّاس...! ولا يَعْلَمُونَ أنَّ الجَمَاعَةَ: عَالِمٌ مُتَمَسِّكٌ بأثَرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وطَرِيقِه؛ فَمَنْ كان معَه، وتَبِعَهُ فهو الجماعَةُ، ومَنْ خَالَفَهُ فيه تَرَكَ الجَمَاعَةَ».

  • ثمَّ قال إسحاقُ: «لَمْ أسْمَعْ عالِمًا مُنْذُ خَمْسينَ سَنَةً، كان أشَدَّ تَمَسُّكًا بأثَرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من محمَّدِ بن أسْلَمَ»(9).

  • فتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ أئمَّةَ السُّنَّةِ ومُقَدَّمِيهَا، قَدْ نَالُوا مِنْ هذا الوَصْفِ حَظًّا وافِرًا؛ فهُمُ الجماعةُ الَّتي يتعيَّنُ لزومُها، والطَّائفةُ الَّتي يُرْجَعُ إلى فُهومِها.
  • والجمَاعَةُ بهذا الإطلاق لا تتخلَّفُ أبَدًا، فهي باقِيَةٌ إلى قِيَاِم السَّاعَة، كما ثبت في «صحيحِ مسلمٍ» (1920) عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنهأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».وفي البخاري (6881) ومسلم (1921) عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ».وقَدْ ترْجَمَ الإمامُ البُخاريُّ : لهذا الحديثِ بِقَوْلِهِ: «بابُ قوْلِ النَّبيِّصلى الله عليه وسلم: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ» وهم: أهْلُ العِلْمِ».

  • قال الحافظ في «الفتح» (13/293): «قَوْلُه: «وَهُمْ أَهْل الْعِلْم» هُوَ مِنْ كَلاَمِ الْمُصَنِّف؛ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ الْبَاب، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّد ابْنَ إِسْمَاعِيل ـ هُوَ الْبُخَارِيُّ ـ يَقُول: سَمِعْت عَلِيّ ابْن الْمَدِينِيّ يَقُول: هُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيث»...

  • إلى أنْ قال: «وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي «عُلُوم الْحَدِيث» بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَحْمَد: «إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْل الْحَدِيث فَلاَ أَدْرِي مَنْ هُمْ؟!»، وَمِنْ طَرِيق يَزِيد بْن هَارُون مِثْلَهُ». اهـ

  • * ونستَنْتِجُ من هذا كُلِّه ما يلي:

  • 1 ـ أنَّ المعْنى الأوَّلَ لِلُزُومِ الجماعة، هو لُزومُ ما كان عليه رسُولُ اللهصلى الله عليه وسلم وأصحابُه الكرامُ رضي الله عنه، ولا يَتِمُّ ذلك إلاَّ بلُزُومِ أهْلِ العِلْمِ المُجْتَهِدِين مِمَّنْ عُرِفُوا باتِّبَاعِ السُّنَّة وقَفْوِ الأثَرِ.

  • 2 ـ أنَّ المعْنى الآخرَ للزُومِ الجماعة، هو لُزومُ الحاكِم الَّذي اجْتمَعَ عليه المسلمون، وطاعَتُه في المعروف، وعَدَمُ الخُرُوج عليه؛ وهذا سواءً كان تولِّيه بالاخْتِيَارِ، أو بالقَهْرِ والغَلَبَةِ.

  • 3 أنَّ أسْعَدَ النَّاسِ بلُزُوم الجماعة هم المُسْتَقِيمُون على السُّنَّة، والمُلازِمُون لطاعة وُلاَةِ الأُمُور في المعروف.

  • 4 ـ أنَّ أشْأمَ النَّاس وأَبْخَسَهُم حَظًّا مِنْ لُزوم الجماعة، هُمْ أهْلُ البِدَع المُضِلَّة، والأهْوَاءِ الرَّدِيَّةِ، الَّذين تَنَكَّبُوا مَنْهَجَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ الكِرَام رضي الله عنهم في العِلْم والعَمَل.

  • 5 أنَّ مِنْ أخصِّ ـ وأخَسِّ ـ أهْلِ البِدَعِ انْحِرَافًا عَنْ هذا المعْنَى هم الخوارجُ؛ لأنَّ خروجَهُم عن الجماعة من جِهَتَيْن:

  •   الأولى: مُخَالَفَتُهم لطريقة النَّبيِّصلى الله عليه وسلم وأصْحَابِه الكرام رضي الله عنهم، ومَنْ سار على نَهْجِهِم مِن العُلَمَاءِ الرَّبَّانيِّين؛ في الإصْلاحِ والتَّغْييرِ.

  • الثَّانية: خُروجُهُم عن الحَاكِمِ الَّذي اجْتَمَعَ عليه المسْلِمُون.

  • من أجْلِ ذلك وصَفَهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنَّهم: «شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ»(10).

  • وقَدْ ترْجَمَ الإمامُ النَّوويُّ للباب الَّذي عَقَدَهُ الإمَامُ مُسْلِمٌ في «صحيحه» في ذِكْرِ الخَوَارِج بقوْلِه: «بابٌ: الْخَوَارِجُ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ».

  • واللهُ الهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبيل، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوكيل.     

التوحيد و الاتباع سبيل الوحدة و الاجتماع

التوحيد و الاتباع سبيل الوحدة و الاجتماع
أ.د محمد علي فركوس
عقيدة التوحيد الذي هو الغاية في إيجاد الخلق وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وهو دعوة المجدّدين في كلّ عصر وزمان، إذ لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بالحجّة فلا تنقطع دعوة الحقّ عن هذه الأمّة من العهد النبويّ إلى قيام الساعة (وَ لَن تَزَالُ طََائِفَةٌ مِن أُمَتِي ظَاهِرينَ عَلى الحَقّ لاَ يَضُرُهُم مَن خَذَلَهُم ولاَ مَن خَـالَفَهُم حَتىّ يَأتِيَ أَمرُ اللهِ وهُم عَلى ذَلِك) [متّفق عليه]، ومزية أهلها معروفة بمواقفها في كلّ جيل ببيان التوحيد والتحذير من الشرك بمختلف مظاهره، وبيان السنّة من البدعة، ونصرة أهل الحقّ والعلم والإكثار منهم، ونبذ أهل الشرك والبدع وإذلالهم، لا يمنعهم تفرّق الناس عليهم أن يؤتمر بهم فيما يأمرون به من طاعة الله تعالى، وما يدعون إليه من دين ويفعلونه ممّا يحبّه الله تعالى، إذ الحكمة ضالّة المؤمن فحيث وجدها فهو أحقّ بها، ولا ينتصرون لشخص انتصاراً مطلقاً سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لطائفة إلاّ للصحابة رضوان الله عليهم مع ترك الخوض فيهم بمنكر من القول والتنَزّه عن الكلام في واحد من الصحابة بسوء؛ فأهل هذا الموقف متّفقون على أنّ كلّ واحد يؤخذ من قوله ويترك إلاّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقع منهم بحمد الله اتّفاق على ضلالة، فهذه من سمات أهل الحقّ وملامح الفِرقة الناجية خصّ الله بها أهل السنّة يدعـون إلى إصلاح غير مبتكر من عند أنفسهم كما هو شأن منهج أهل الزيغ والضلال، ذلك لأنّ منهج الإصلاح واحد لا يقبل التعدّد، يتبلور حسنه بإحيـاء الدين وتجديده من العوالق والعوائق التي ليست منه من غير أن يعتريه تبديل ولا تغيير، فالدين محفوظ، والحجّة قـائمة، وما رسمه النبيّ صلى الله عليه وسلم هو عين المنهج الإصلاحيّ، ولا يتمّ لنا إصلاح إلا به، وقد سلكه أهل القرون المفضّلة، وآثارهم محفوظة عند العلماء ولن يصلُح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوّلها.
هذا، واجتماع الأمّة على الضلال مُحال، وظهور سبيل الحقّ هداية وإصلاحاً وتقويماً مقـطوع به، ودوام ثباته آكد ومحقّق لا محالة (وَعدَ الصِّدقِ الذِّي كَانُوا يُوعَدُون) [الأحقاف 16]، لا يضرّه ما يعلق به من براثن حاقدة ومخالب حانقة تتجاهل عزّه ومفاخره ولا تريد سوى أن تصدّه وتعوق مسيرتـه، وتحدّ انتشاره، وصمودُهُ بَاقٍ يتحدّى المكابرين والحاقـدين والجاهلين، والله الهادي إلى سواء السبيل.
ومردّ السبيل إلى طاعة الله وطاعة رسوله الباعثة إلى فعل الخيرات والنفرة من الشرور والمفــاسد والمنكرات، تلك الطاعة المزكّية للنفس والمكمّلة لها، الجالبة لسعادته في الدنيا والآخرة (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّهَا وَ قَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس 9، 10]، (وَ مَنْ يُطِعِ اللهَ و الرَّسُولَ فـَأُوْلَئِكَ مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُهَدَاءِ وَ الصَالِحِينَ وَ حَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللهِ وكَفَى باللهِ عَلِيماً) [النّساء 69، 70] .
وأهل الإيمان في وحدة عقيدتهم ونظمهم أمة متميّزة لا نظير لهم بين الأمم، وشريعتهم لا يقتصر نفعها على أمّة الإسلام، وإنّما هي عامّة للبشرية جمعاء، صالحة لكلّ زمان ومكان، شاملة لكلّ قضايا الحياة، فلا تخلو معضلة عن استنباطِ حلّ لها من أدلّة التشريع والقواعد العامّة غير مفتقرة إلى غيرها، بل مستغنية عن النظم والتقنينات الأخرى، ذلك لأنّها أُسِّست على قواعد محكمة، وبنيت أحكــامها على العدالة والاعتدال من غير إفراط ولا تفريط، مراعية في ذلك مصالح الدين والدنيا، فهي تسمو باستقلالها عن غيرها من نظم البشر في أصولها وفروعها، تلك هي النعمة التي أتمّها اللهُ تعالى على هذه الأمّة بإكمالهـا (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِيناً) [المائدة13 ] فكمال هذا الدين وتمامه قاض بالاستغناء التامّ عن زيادات المبتدعين واستدراكات المستدركين.
هذا، وفي خضم المعترك الدعويّ، فإنّ أعزّ ما يقدّمه الداعي لأمّته أن يسلك بها السبيل الأسلم الذي يحقّق به مـعنى التغيير (إِنَ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَومِ حَتى يُغَيِّروا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد 11] دون عجلة مورطة في الفساد والإفساد.
ونسأل الله العون والسداد وأن يوفّقنا إلى التخلق بأخلاق الدعاة الصادقين وأن يلهمنا الاقتداء بسيد الأولين والآخرين، والعاقبة للمتّقين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين 

الصـادر في العـدد الثالث من مـجلة منابر الهدى 

دولة القرآن

دولة القرآن
محمد البشير الإبراهيمي

القرآن كتاب الكون، لا تُفسِّره حقَّ التفسير إلا حوادث الكون. والقرآن كتاب الدعوة، لا تكشف عن حقائقه العليا إلا تصاريف الدهر. والقرآن كتاب الهداية الإلهية العامة، فلا يفهمه إلا المستعدون لها. والقرآن (لا يبلى جديده، ولا تنقضي عجائبه). جاء القرآن لهداية البشر وإسعادهم، والاهتداء به متوقِّف على فهمه فهماً صحيحاً، وفهمه الصحيح متوقف على أمور: منها فقه أسرار اللسان العربي فقهاً ينتهي إلى ما يُسمَّى ملكة وذوقاً، ومنها الإطلاع الواسع على السنة القولية والعملية، التي هي شرح وبيان للقرآن، ومنها استعراض القرآن كلِّه عند التوجه إلى فهم آية منه أو إلى درسها؛ لأن القرآن كلٌّ لا يختلف أجزاؤه، ولا يزيغ نظمه، ولا تتعاند حُجَجه، ولا تتناقض بيِّناته، ومن ثَمَّ قيل: إن القرآن يُفسِّر بعضه بعضاً، بمعنى أنَّ مبيِّنه يشرح مجمله، ومقيَّده يبيِّن المراد من مطلقه، إلى آخر الأنحاء التي جاء عليها القرآن في نظمه البديع، وترتيبه المعجز، ومنها الرجوع في مناحيه لبعضها، وكلُّ هذه الأمور لا تتهيَّأ إلَّا لصاحب الفطرة السليمة، والتدبُّر العميق، والقريحة اليقظة، والذهن الصافي، والذكاء الوهاج. والقرآن حُجَّة على غيره، وليس غيره حجَّة عليه، فبئس ما تفعله بعض الطوائف الخاضعة للتمذهب من تحكيم الاصطلاحات المذهبية، والآراء الفقهية، أو العقلية فيه، وإرجاعه بالتأويل إليها إذا خالفته. ومن الخطل، بل من الخذلان المفضي بصاحبه إلى ما يُستعاذ منه أن يجعل الرأي الاجتهادي غير المعصوم أصلاً، ويجعل القرآن المعصوم فرعاً، وأن يعقد التوازن بين كلام المخلوق وكلام الخالق، إنَّ هذا لهو الضلال البعيد. ما أضاع المسلمين، ومزَّق جامعتهم، ونزل بهم إلى هذا الدرك من الهوان إلَّا بُعدهم عن هداية القرآن، وجعلهم إياه عِضِين، وعدم تحكيمهم له في أهواء النفوس ليكفكف منها، وفي مزالق الآراء ليأخذ بيدهم إلى صوابها، وفي نواجم الفتن ليُجلي غماءها، وفي معترك الشهوات ليكسر شِرَّتها، وفي مفارق سُبل الحياة ليهدي إلى أقومها، وفي أسواق المصالح والمفاسد ليميِّز هذه من تلك، وفي مجامع العقائد ليميِّز حقَّها من باطلها، وفي شعب الأحكام ليقطع فيها بفصل الخطاب، وإنَّ ذلك كلَّه لموجود في القرآن بالنصِّ أو بالظاهر أو بالإشارة والاقتضاء، مع مزيد تَعجِز عنه عقول البشر مهما ارتقت، وهو تعقيب كلِّ حُكم بحكمة، وكلِّ أمر بما يُثبِّته في النفس، وكلِّ نهي بما يُنفِّر عنه، لأنَّ القرآن كلام خالق النفوس، وعالم ما تكنُّ وما تُبدي، ومركِّب الطبائع، وعالم ما يصلح وما يفسد، وبارئ الإنسان وسطاً بين عالمين: أحدهما: خير محض. والآخر: شر محض. فجعله ذا قابلية لهما من غير أن يكون أحدهما ذاتيَّا فيه، ليبتليه أيشكر أم يكفر، وليمتحنه أيَّ الطريقين يختار؛ كلُّ ذلك ليجعل سعادته بيده، وعاقبته باختياره، وتزكيته أو تدسيته من كسبه، وحتى يهلِك عن بيِّنة، أو يحيا عن بيِّنة. ما كان الصدر الأول من سلفنا صالحاً بالجبلَّة والطبع، فالرعيل الأول منهم- وهم الصحابة- كانوا في جاهلية جهلاء كبقية العرب، وإنما أصلحهم القرآن لما استمسكوا بعروته، واهتدوا بهديه، ووقفوا عند حدوده، وحكَّموه في أنفسهم، وجعلوا منه ميزاناً لأهوائهم وميولهم، وأقاموا شعائره المزكية، وشرائعه العادلة في أنفسهم، وفيمن يليهم، كما أمر الله أن تُقام، فبذلك أصبحوا صالحين مصلحين، سادة في غير جبرية، قادة في غير عنف، ولا يصلح المسلمون ويسعدون إلا إذا رجعوا إلى القرآن، يلتمسون فيه الأشفية لأدوائهم، والكبح لأهوائهم، ثم التمسوا فيه مواقع الهداية التي اهتدَى بها أسلافهم. وإذا كان العقلاء كلُّهم مجمعين على أن المسلمين الأولين صلحوا فأصلحوا العالم، وسادوه فلم يبطروا، وساسوه بالعدل والرفق، وزرعوا فيه الرحمة والحب والسلام، وأن ذلك كله جاءهم من هذا القرآن؛ لأنَّه الشيء الجديد الذي حوَّل أذهانهم، وهذَّب طباعهم، وثبَّت الفضائل في نفوسهم، فإن الإجماع على ذلك يُنتج لنا أنَّ سبب انحطاط المسلمين في القرون الأخيرة هو هجرهم للقرآن، ونبذه وراء ظهورهم واقتصارهم على حفظ كلماته. وحفظ القرآن- وإن كان فضيلة- لا يغني غَناء ما لم يُفهم، ثم يُعمل به. وهجر المسلمين للقرآن يُردُّ إلى أسباب، بعضها آتٍ من نفوسهم، وبعضها آتٍ من خارجها. فمن الأوَّل: افتتانهم بآراء الناس، وبالمصطلحات التي تتجدَّد بتجدُّد الزَّمان، ومع طول الأمد رانت الغفلة، وقست القلوب، وطغت فتنة التقليد، وتقديس الأئمة والمشايخ، والعصبية للآباء والأجداد، وغلت طوائف منهم في التعبد، فنجمت ناجمة التصوف والاستغراق، فاختلَّت الموازنة التي أقامها القرآن بين الجسم والروح، وغلت طوائف أخرى في تمجيد العقل، فاستشرف إلى ما وراء الحدود المحددة له، وتسامى إلى الحظائر الغيبية، فتشعَّبت به السبل إلى الحقِّ في معرفة الله وتوحيده، ونجمت لذلك ناجمة علم الكلام، وما استتبعه من جدل وتأويل وتعطيل، وتشابهت السبل على عامة المسلمين؛ لكثرة هذه الطوائف، فكان هذا التفرق الشنيع في الدين أصوله وفروعه. وفي غمرة هذه الفتن بين علماء الدين، ضاع سلطانهم الديني على الأُمَّة، فاستبدَّ بها الملوك، وساقوها في طريق شهواتهم، فأفسدوا دينها ودنياها، وكان ما كان من هذه العواقب المحزنة.
ومن الثاني: تلك الدسائس الدخيلة التي صاحبت تاريخ الإسلام من حركات الوضع للأحاديث، إلى هجوم الآراء والمعتقدات المنافية للقرآن، إلى ما ادُّخر لزماننا من إلقاء المبشرين والمستشرقين للشبهات في نصوص القرآن عن عمد؛ ليصدوا المسلمين عن هديه، وإن خطر هذه الفتنة الأخيرة لأعظم مما يتصوَّره علماؤنا، ويقدِّره أولياء أمورنا.
هذه العوامل مجتمعة ومفترقة، وما تبعها أو لازمها من عوامل فرعية هي التي باعدت بين المسلمين وبين قرآنهم، فباعدت بينهم وبين الخير والسعادة والعزة، وأصبحوا- كما يرى الرائي- أذلة مستعبدين، ولا يزالون كذلك ما داموا مجانبين لسنن القرآن، معرضين عن آياته وإرشاداته، غافلين عما أرشد إليه من السنن الكونية. ولو أنهم تواردوا على الاستمساك به في هذه القرون الأربعة عشر، لكانوا هم السابقين بإرشاده إلى اكتشاف أسرار الكون، واختراع هذه العجائب الآلية، ولم يكن موقفهم منها موقف المكذِّب أولاً، المندهش آخراً. ففي القرآن آيات للمتوسِّمين، وإرشاد للعقل البشري، يتدرَّج مع استعداده، وفيه من الكشف عن غرائب النفوس وألوانها، وعن حقائق الكون وأسرار مواليده، ما يسير بمتدبِّره رويداً رويداً، حتى يضع يده على الحقيقة، ويكشف له عن وجهها، ويكاد يكون من البديهيات فيه ما يُقرِّره في أطوار الأجنة، وتزاوج النبات، وتكوُّن المطر، وتصاريف الرياح، وتكوير الليل على النهار، وإثبات الصلة بين علويات هذا الكون وسفلياته، ولكن المسلمين ظلوا غافلين حتى عن هذه البديهيات، إلى أن جاءتهم من غير طريق قرآنهم، ثم دلَّهم القرآن على نفسه، فلاذوا بالفخر الكاذب، وربَّما دلَّهم على مواقع هذه الأشياء في القرآن مَن ليس مِن أهل القرآن، وإنَّ هذا لهو الخذلان المبين.
وما زاد المسلمين ضلالاً عن منبع الهداية وعماية عنها إلَّا فريق من العلماء، وضعوا أنفسهم في موضع القدوة والتعليم، وطوائف من غلاة المتصوفة، انتحلوا وظيفة التربية والتقريب من الله. فهم الذين أبعدوهم عن القرآن، وأضلُّوهم عن سبيله، بما زينوا لهم من اتباع غير سبيله، وبما أوهموهم أنَّه عال على الأفهام، وما دَرَوْا بأنَّ من لازم هذا المذهب كفر، وهو أنَّه إذا كان لا يُفهم فإنزاله عبث، وأنَّى يكون هذا؟ ومنزِّله- تعالت أسماؤه- يصفه بأنَّه عربي مبين، وأنَّه غير ذي عوج، وأنَّه ميسر للذكر، وينعته بأنَّه يهدي للتي هي أقوم، وكيف يهدي إذا كان لا يُفهم؟ ومن عجيب أمر هؤلاء وهؤلاء أنَّهم يصدُّون في شأن القرآن عن هوًى لا عن بصيرة، فبينما يسدُّون على الناس باب الاهتداء به في الأخلاق التي تزكِّي النفس، والعقائد التي تقوِّي الإرادات، والعبادات التي تغذِّي الإيمان، والأحكام التي تحفظ الحقوق، وكلُّ هذا داخل في عالم التكليف، وكلُّه من عالم الشهادة، بينما يصدُّون عن الاهتداء في ذلك بالقرآن، ونراهم يتعلَّقون بالجوانب الغيبية منه، وهي التي استأثر الله بعلمها، فيخوضون في الروح والملائكة والجن وما بعد الموت, ويتوسَّعون في الحديث عن الجنة والنار، حتى ليكادون يضعون لهما خرائط مجسمة، وسبيل المؤمن القرآني العاقل في هذه الغيبيات أن يؤمن بها كما وردت، وأن يَكِل علم حقيقتها إلى الله، ليتفرَّغ لعالم الشهادة الذي هو عالم التكليف.
وما زلنا نرى من آيات حفظ الله لدينه أن يقوم في كلِّ عصر داعٍ أو دعاة إلى القرآن، وإمام أو أئمة يُوجِّهون الأُمَّة الإسلامية، ومفسِّر أو مفسِّرون يشرحون للأُمَّة مُراد الله منه، ويتناولون تفسيره بالأدوات التي ذكرناها في أوَّل هذه الكلمة، ويجعلونه حجة على المذاهب والاصطلاحات، ومنازع الرأي والعقل، وحكماً بينها، وأصلاً ترجع إليه ولا يرجع إليها، ومن المبشِّرات بالخير، ورجوع دولة القرآن، أنَّ الدعوة إليه قد تجدَّدت في هذا الزمان على صورة لم يسبق لها مثيل، وأن أصوات الدعاة المصلحين قد تعالت بذلك، وتجاوبت وتلاقت على هدًى، تدعو إلى دراسته، واستخراج ذخائره، وإحياء دعوته إلى الفضيلة والخير والمحبة، وأخذ العقائد والعبادات في كلِّ ما يشجر من خلاف في الدين والدنيا، وكان من آثار ذلك أن أصبح العلماء المستعدون للعمل، والعوام المتهيِّئون للعلم يردِّدون الجمل الآتية، وتجول في نفوسهم معانيها، وهي: (لماذا نهجر دستور القرآن، وهو من عند الله، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يتبدَّل ولا يتغيَّر، ثم نلتجئ إلى دساتير الغرب وقوانينه وهي من أوضاع البشر القاصرة، يظهر في كلِّ حين تناقضها ومنافاتها للمصلحة، فتُبدَّل وتُغيَّر، ولا تزال تُبدَّل وتُغيَّر، مع أنَّ واضعيها والموضوعة لهم من جنس واحد، وعلى طبيعة واحدة ومصلحة واحدة؟ لقد بُؤْنا بالصفقة الخاسرة مرتين.
إن هذا الغليان في أفكار المسلمين وكثرة حديثهم عن القرآن، وإقبالهم على دعاته ومدارسه، وتحدِّي أساليبه في الوعظ وفي الكتابة، كلُّ ذلك بشائر برجوع دولته، وإصلاح البشرية به من جديد، واتخاذه مرجعاً وملاذاً للأمم الأجنبية التي لم يستقرَّ لدساتيرها الوضعية قرار، فاضطربت حياتها، واستشرفت نفوسها إلى قانون سماوي يحفظ حقوقها، ويُحدِّد للفرد حقَّه، وللجماعة حقَّها. ولعمري إن هذه المطالب كلَّها لفي القرآن، لو وجد القرآن من أهله من يُقيمه، ويبلِّغ دعوته، وينشر هدايته.
ثم ما هذه النغمات الناشزة عن هذا الإيقاع اللذيذ، إيقاع الدعوة إلى إقامة الدستور القرآني؟ ما هذه النغمات الممجوجة المتردِّدة التي تُصوِّر أنَّ الدستور القرآني يتحيَّف حقوق الأقليات المساكنة للمسلمين أو يجحف بها؟... إنها نغمات صادرة عن مصدرين:
أعداء القرآن ينصبون بها العواثير في طريق الدعوة إليه، وضعفاء الصلة بالقرآن الجاهلين آثاره وتاريخه في إصلاح الكون كلِّه، فليقل لنا الفريقان: متى ظلَم القرآن غير المؤمنين به؟ ومتى أضاع لهم حقًّا، أو استباح لهم مالاً، أو انتهك لهم عرضاً، أو هدم لهم معبداً، أو حملهم على مكروه في دينهم، أو أكرههم على تغيير عقيدة من عقائدهم، أو حملهم في أمور دنياهم ما لا يطيقون؟!... بلى، إنه عاملهم في كلِّ ذلك بما لم يطمع في معشاره الأقليات ولا الأكثريات من شعوب اليوم الواقعة تحت حكم الدول العالمة المتحضرة الخاطئة الكاذبة، التي تزعم لنفسها الفضائل كلَّها، ولا تتخلَّق بواحدة منها.
من أصول الإسلام أنَّه لا إكراه في الدين، وأين موضع هذا عند هذه الدولة الباغية؟ ومن أصول الإسلام الوفاء بالعهد في السِّلم والحرب، وأين هذا مما تفعله هذه الدول الطاغية؟ ومن أصول الإسلام أن لا يُكلِّف من دخل في ذمته بالدفاع الحربي، وأين هذا مما تفعله هذه الدول الظالمة التي تجنِّد المحكومين بالإكراه؛ ليموتوا في سبيلها من دون جزاء، ولا شكر؟ ومن أصول الإسلام أن لا يقتل في الحرب إلا المقاتل، وأن لا يقتل الأعزل المعتزل، والشيخ الكبير والمرأة والطفل، والمنقطع للعبادة، وهذه الأصناف هي ثلثا الأمم المحاربة، فأين هذا مما ترتكبه الأمم المتمدنة في حروبها اليوم من الإبادة للكبير والصغير، والمرأة والرجل، والطفل والجنين، وما تتفنن فيه من وسائل الاستئصال؟ وكفى بواقعة (هيروشيما) اليابانية شاهداً لا يكذب.
إن الإسلام يعامل المخالفين بالرحمة؛ لأن قرآنه هو دستور الرحمة، ويضعهم في أربع مراتب، لكلِّ مرتبة حكمها العادل: الذِّمِّيُّ المقيم في وطن الإسلام له كلُّ ما للمسلم، وليس عليه كلُّ ما على المسلم، فهو محمي النفس والمال والعرض، حرٌّ في التصرفات المالية، آمن في الظعن والإقامة، وليس عليه ما على المسلم من أعباء القتال والدفاع. والمستأمن آمن على حقوقه حتى يبلغ مأمنه، والمعاهد موفى له بعهده من غير ختر ولا غدر، والحربي يعامل بما رضيه لنفسه من غير أن يجاوزه إلى غيره من أهله أو بني مِلَّته، فإذا شذَّ أمير مسلم أو قائد عن هذه القواعد الأساسية في الإسلام، وظلم طائفة من هذه الطوائف أو فرداً من أفرادها- فقد خرج عن حكم الإسلام، وإذا حكى التاريخ عن ملوك مسلمين ظلمة، فهؤلاء بطبيعة حالهم يظلمون المسلمين قبل أن يظلموا المخالفين، وليست أعمالهم حجة على القرآن، بل للقرآن الحجة عليهم، وأيسر أحكام الإسلام فيهم أن يُعزلوا، وأعلاها أن يُقتلوا.
أين هذا من قوانين اليوم، ومعاملة اليوم، أيها الناطقون بغير علم، الصادرون عن غير فهم؟ وأين عدل القرآن من جوركم، أيها الجائرون في الحكم، المحاربون للحقيقة في الحرب والسلم، البانون لحياتهم في الظلام على الظُّلم؟ وأين تجدون الرحمة والعدالة إذا لم تجدوها في ظلال القرآن، أيتها الأقليات غير الوفية، المدفوعة من الخلف بالأيدي الخفية؟
أثمرت الحركات الإصلاحية منذ أكثر من مائة سنة ثمرات زكية، وفتحت الأذهان لحقيقة، وهي أنَّ القرآن يُفهم، وأنَّه ميسَّر للفهم، فانفتحت للدارسين أبواب كانت مقفلة، وكثر جريانه على ألسنة الخطباء والمرشدين، منزِّلة آياته في منازلها من الأحداث الطارئة، متجاوبة مع العلم، مقسمة على المواضيع المتجددة، وكثر جريانه على أقلام الكتاب في المباحث الدينية والأخلاقية والاجتماعية والكونية، يُقيمون منه شواهد على كلِّ حقيقة، وأدلَّاء على كلِّ طريق، وأعلاماً هادية إلى كلِّ غاية، فإذا هو يفسِّر نفسه بنفسه وتتسابق معانيه الواضحة إلى الأذهان، وأعان على ذلك هذه النهضة الأدبية التي لم ترَ العربية أعمق منها غوراً، ولا أوسع منها دائرة، فأصبح بها القرآن قريباً إلى الأفهام، مؤثراً في العقول، وأصبحنا نسمع من تلامذتنا الذين ربيناهم على القرآن حفظاً وفهماً وعملاً، ورُضناهم على الغوص وراء معانيه، آراء في الاجتماع الإنساني، سندها القرآن، ما كانت تزيغها أفكار الشيوخ، وآراء في الدستور القرآني، وتطبيقه على زماننا ومكاننا ومصالحنا، ما كانت تسيغها عقول الأجيال الماضية. وهؤلاء التلامذة لم يزالوا بعد في المراحل العلمية المتوسطة، فكيف بهم إذا أمدتهم الحياة بتجاربها، وأمدهم العلم باختباراته؟ لعمر أبيك إنَّه القرآن حين تتجلَّى عجائبه على الفطر السليمة، والعقول الصافية.

المصدر: (آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي)

jeudi 1 mai 2014

حق الزوجين

حق الزوجين
            للزواج آثار هامة ، ومقتضيات كبيرة فهو رابطة بين الزوج وزوجته ، يلزم كل واحد منهما بحقوق للآخر : حقوق بدنية ، وحقوق اجتماعية ، وحقوق مالية .
         فيجب على الزوجين أن يعاشر كل منهما الآخر بالمعروف ، وأن يبذل الحق الواجب له بكل سماحة وسهولة من غير تكره   لبذله ولا مماطلة . قال الله تعالى : ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف)(النساء: الآية19) الآية وقال تعالى : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة)(البقرة: الآية228) الآية . كما يجب على المرأة أن تبذل لزوجها ما يجب عليها بذله ، ومتى قام كل واحد من الزوجين بما يجب عليه للآخر كانت حياتهما سعيدة ودامت العشرة بينهما ، وإن كان الأمر  بالعكس حصل الشقاق والنزاع وتنكدت حياة كل منهما .
         ولقد جاءت النصوص الكثيرة بالوصية بالمرأة ومراعاة حالها ، وأن كمال الحال من المحال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( استوصوا بالنساء خيرا ، فإن المرأة خلقت من ضلع ، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء ). وفي رواية : ( إن المرأة خلقت من ضلع ولن تستقيم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ). وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر ). ومعني لا يفرك: لا يبغض .
         ففي هذه الأحاديث إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم أمته كيف  يعامل الرجل المرأة وأنه ينبغي أن يأخذ منها ما تيسر لأن طبيعتها التي منها خلقت أن لا تكون على الوجه الكامل ، بل لابد فيها من عوج ، ولا يمكن أن يستمتع بها الرجل ، إلا على الطبيعة التي خلقت عليها وفي هذه الأحاديث أنه ينبغي للإنسان أن يقارن بين المحاسن والمساوئ في المرأة فإنه إذا كره منها خلقا فليقارنه بالخلق الثاني الذي يرضاه منها ولا ينظر إليها بمنظار السخط والكراهية وحده .
         وإن كثيراً من الأزواج يريدون الحالة الكاملة من زوجاتهم ، وهذا شيء غير ممكن وبذلك يقعون في النكد ، ولا يتمكنون من الاستمتاع والمتعة بزوجاتهم ، وربما أدى ذلك إلى الطلاق كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ). فينبغي للزوج أن يتساهل ويتغاضى عن كل ما تفعله الزوجة إذا كان لا يخل بالدين أو الشرف .
         ومن حقوق الزوجة على زوجها : أن يقوم بواجب نفقتها من الطعام والشراب والكسوة والمسكن . وتوابع ذلك لقوله تعالى : ( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)(البقرة: الآية233) قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) وسئل ما حق زوجة أحدنا  عليه قال : ( أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت. رواه أبو داؤود .
         ومن حقوق الزوجة على زوجها : أن يعدل بينها وبين جارتها إن كان له زوجة ثانية ، يعدل بينهما في الإنفاق والسكنى والمبيت وكل ما يمكنه العدل فيه ، فإن الميل إلى إحداهما كبيرة من الكبائر ، قال صلى الله عليه وسلم : ( من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل )  . وأما ما لا يمكنه أن يعدل فيه كالمحبة وراحة النفس فإنه لا إثم عليه فيه ؛ لأن هذا بغير استطاعته قال الله تعالى : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ )(النساء: الآية129). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول : ( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ).
         ولكن لو فضل إحداهما على الأخرى في المبيت برضاها فلا بأس ؛ كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سوده حين وهبته سوده لعائشة ؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل وهو في مرضه الذي مات فيه ؛ أين أنا غداً ؟ أين أنا غداً ؟ فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء ، فكان في بيت عائشة حتى مات .
         أما حقوق الزوج على زوجته فهي أعظم من حقوقها عليه لقوله تعالى : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ )(البقرة: الآية228) والرجل قوام على المرأة يقوم بمصالحها وتأديبها وتوجيهها كما قال تعالى : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ )(النساء: الآية34) .
         فمن حقوق الزوج على زوجته : أن تطيعه في غير معصية الله وأن تحفظه في سره وماله فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة  أن تسجد لزوجها ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح )
         ومن حقوقه عليها : أن لا تعمل عملا يضيع عليه كمال الاستمتاع حتى لو كان ذلك تطوعا بعبادة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ، ولا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه ).
         ولقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الزوج عن زوجته من أسباب دخولها الجنة ؛ فروى الترمذي من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة )

حق الجيران


حق الجيران
الجار هو : القريب منك في المنزل وله حق كبير عليك فإن كان قريبا منك في النسب وهو مسلم فله ثلاثة حقوق : حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام ، وإن كان مسلما وليس بقريب في النسب فله حقان ، حق الجوار وحق الإسلام ، وكذلك إن كان قريبا وليس بمسلم فله حقان : حق الجوار وحق القرابة ، وأن كان بعيدا غير مسلم فله حق واحد حق الجوار قال تعالى : ( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ) (النساء: الآية36) الآية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:(مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) متفق عليه فمن حقوق الجار على جاره : إن يحسن إليه بما استطاع من المال والجاه والنفع فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خير الجيران عنه الله خيرهم لجاره ).وقال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ). وقال أيضاً : ( إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك )
         ومن الإحسان إلى الجار تقديم الهدايا إليه في المناسبات فإن الهدية تجلب المودة وتزيل العداوة .
ومن حقوق الجار  على جاره : أن يكف عنه الأذى القولي والفعلي ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن فقالوا من يا رسول الله ؟ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه) وفي رواية: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقهوالبوائق الشرور فمن لا يأمن جاره شره فليس بمؤمن ولا يدخل الجنة .
         وكثير من الناس الآن لا يهتمون بحق الجوار ولا يأمن جيرانهم من شرورهم ، فتراهم دائما نزاع معهم وشقاق واعتداء على الحقوق وإيذاء بالقول أو بالفعل وكل هذا مخالف لما أمر الله ورسوله ، وموجب لتفكك المسلمين وتباعد قلوبهم وإسقاط بعضهم حرمة بعض.

 

 

حق الأولاد


حق الأولاد
الأولاد تشمل البنين والبنات وحقوق الأولاد كثيرة من أهمها التربية وهي : تنمية الدين والأخلاق في نفوسهم حتى يكونوا على جانب كبير من ذلك ، قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ َ) (التحريم:6) الآية . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته ). فالأولاد أمانة في عنق الوالدين وهما مسؤولان عنهم يوم القيامة ، وبتربيتهم التربية الدينية والأخلاقية يخرج الوالدان من تبعة هذه الرعية ، ويصلح الأولاد فيكونوا قرة عين الأبوين في الدنيا والآخرة يقول الله تعالى : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (الطور:21) ألتناهم : أي نقصناهم .: ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعوا له ). فهذا من ثمرة تأديب الولد إذا تربى تربية صالحة أن يكون نافعا لوالديه حتى بعد الممات .
         ولقد استهان كثير من الوالدين بهذا الحق فأضاعوا أولادهم ونسوهم ، كأن لا مسئولية لهم عليهم لا يسألون أين ذهبوا ؟ ولا متى جاءوا ؟ ولا من أصدقائهم وأصحابهم ؟ ولا يوجهونهم إلى الخير ولا ينهونهم عن شر . ومن العجب أن هؤلاء حريصون كل الحرص على أموالهم بحفظها وتنميتها والسهر على ما يصلحها مع أنهم ينمون هذا المال ويصلحون لغيرهم غالبا أما الأولاد فليسوا منهم في شيء مع أن المحافظة عليه أولى وأنفع في الدنيا والآخرة . وكما أن الوالد يجب عليه تغذية جسم الولد بالطعام والشراب وكسوة بدنه باللباس كذلك يجب عليه أن يغذي قلبه بالعلم والإيمان ويكسو روحه بلباس التقوى فذلك خير  .
         ومن حقوق الأولاد أن ينفق عليهم بالمعروف من غير إسراف ولا تقصير ؛ لأن ذلك من واجب أولاده عليه ومن شكر نعمة الله عليه بما أعطاه ممن المال ، وكيف يمنعهم المال في حياته ويبخل عليهم به ليجمعه لهم فيأخذونه قهرا بعد مماته ؟ حتى لو بخل عليهم بما يجب فلهم أن يأخذوا من ماله ما يكفيهم بالمعروف كما أفتى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم هند بنت عتبة .
         ومن حقوق الأولاد أن لا يفضل أحدا منهم على أحد في العطايا والهبات فلا يعطي بعض أولاده شيئا ويحرم الآخر ، فإن ذلك من الجور والظلم والله لا يحب الظالمين ، ولأن ذلك يؤدي إلى تنفير المحرومين وحدوث العداوة بينهم وبين الموهوبين ، بل ربما تكون العداوة بين المحرومين وبين آبائهم . وبعض الناس يمتاز أحد من أبنائه على الآخرين بالبر والعطف على والديه ، فيخصه والده بالهبة والعطية من أجل ما امتاز به من البر  ولكن هذا غير مبرر للتخصيص فالمتميز بالبر لا يجوز أن يعطى عوضا عن بره ، لأن أجر بره على الله ، ولأن تمييز البار بالعطية يوجب أن يعجب ببره ويرى له فضلا وأن ينفر الآخر ويستمر في عقوقه ، ثم إننا لا ندري فقد تتغير الأحوال فينقلب البار عاقا والعاق بارا ً ، لأن القلوب بيد الله يقلّبها كيف يشاء .
         وفي الصحيحين صحيح البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير أن أباه بشير بن سعد وهبه غلاما فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أكل ولدك نحلته مثل هذا ؟ قال : لا . قال فأرجعه.وفي رواية : ( اتقوا واعدلوا بين أولادكم ). وفي لفظ : (أشهد على هذا غيري ، فإني لا أشهد على جور). فسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تفضيل بعض الأولاد على بعض جورا والجور ظلم وحرام .
         لكن لو أعطي بعضهم شيئا يحتاجه والثاني لا يحتاجه مثل أن يحتاج أحد الأولاد إلى أدوات مكتبية أو علاج أو زواج فلا بأس أن يخصه بما يحتاج إليه لأن هذا التخصيص من اجل الحاجة فيكون كالنفقة .
         ومتى قام الوالد بما يجب عليه للولد من التربية والنفقة فإنه حري أن يوفق الولد للقيام ببر والده ومراعاة الحقوق ، ومتى فرق الوالد بما يجب عليه من ذلك كان جديرا  بالعقوبة بأن ينكر  الولد حقه ويبتلى بعقوقه جزاء وفاقا وكما تدين تدان .